استقلال كتالونيا بين الأخذ والرد

طبيعي أن يبدو هذا الرّد هزيلا مقارنة بأهمّية الحدث، وأن يبدو ربّما مُتخبّطا وتائها للخارج قبل الدّاخل الإسباني.

يبدو أنّ كتالونيا نجحت في أن تقتصّ من جهل الشعوب بقضيّتها وحقّقت بشدّ أنظار جانب كبير من الرّأي العام العالمي مؤخّرا، هدفا استراتيجيا. فبعد أن كانت نكرة تقريبا خارج محيطها، هاهي تتصدّر نشرات الأخبار بتطوّرات مسيرتها نحو الانفصال عن إسبانيا. لكنّه استقلال انطلق بدعوات وشعارات سياسية واثقة ومُزمجرة جلبت الانتباه والتعاطف، وانتهى بتصريحات رسمية غامضة أصابت المتابعين بالملل والإحباط باعتبارها فقدت ذلك الحماس، بل باتت مُتردّدة تردّدا رأى فيه البعض فظاعة الورطة التي وضعت فيها الحكومة الكتالانية نفسها. ورأى فيه الشق الآخر حنكة سياسية وتفنّن في رمي الكرة في ملعب الحكومة المركزية بتجنّب الإفصاح عن “نعم” صريحة للاستقلال لتجنّب تفعيل المادة 155 من الدستور الإسباني التي تنصّ على معاقبة أي مقاطعة “مُتمرّدة”.

تعليق تنفيذ

 قبل الوصول إلى آخر ما صدر عن الحكومة الكتالانية يجدر بنا التذكير بالتطورات الأخيرة لقضية الاستقلال. إذ اِستهلّت كتالونيا هذا الشهر بضجّة إعلامية أثارها الاستفتاء الذي أجرته لتصويت سكّانها على المصادقة على مبدأ الانفصال عن إسبانيا أو رفضه جابهته أعمال عنف واسعة من طرف البوليس الإسباني. واتّسعت رقعة اِنتشار تفاصيل هذا الحدث باعتبار أنّ الاستفتاء أتاح لرئيس الحكومة الكتالانية “بوغديمونت” في العاشر من هذا الشهر إلى الإعلان عن “استقلال” متبوع بـ “تعليق تنفيذ” ودعوة للحوار مع الحكومة المركزية. نتيجة لم تصل واضحة لا لمدريد ولا للرأي العام، طلبت على إثرها حكومة مدريد المركزية (وحتى الاتحاد الأوربي) مزيدا من الجدّية بتحديد إجابة واضحة بشأن الرغبة في الاستقلال “نعم أو لا” ووهبتها مهلة خمسة أيّام، مُذكّرة أنّ الـ”نعم” تستوجب حسب القانون الإسباني اللجوء إلى تفعيل المادة 155 و ذلك بحلّ البرلمان الكتالاني و إيقاف المُشرفين على هذا القرار السياسي و ربما أيضا تدخّلا عسكريّا في المقاطعة لوضع حدّ لحالة “التمرّد” حسب تعبير الحكومة المركزية في مدريد.  

في ذلك اليوم، تجنّدت المحطات الإعلامية العالمية على اختلاف لغاتها لتغطية إعلان “الجمهورية الكتالانية” كما بشّرت بذلك وعود الحكومة الكتالانية وأحزابها الانفصالية ذات الصّوت العالي. وقد حرِص الرّأي العام الداخلي خصوصا على متابعة الحدث آنذاك بحماس وتوجّس أكبر من ذي قبل على إثر ما راج عن وثيقة الاستقلال التي وقّعها رئيس الحكومة الكتلانية “بوغديمونت” ومن والاه من النّواب قبل الإعلان الحاسم على الملأ. لكن يبدو أن مواجهة حقيقة “كُلفة” هذا القرار، جعلت “بوغديمونت” ينطق قرار الاستقلال لإرضاء موالية، ويُعلّق تفعيله مباشرة تجنّبا لتفعيل عقوبات خصومه المعلومة سلفا وبالقانون. وبسبب غرابة هذا الإعلان تضاربت روايات وسائل الإعلام وتضاربت القراءات.

الرد الهزيل

    طبيعي أن يبدو هذا الرّد هزيلا مقارنة بأهمّية الحدث، وأن يبدو ربّما مُتخبّطا وتائها للخارج قبل الدّاخل الإسباني، لكن من غير الطبيعي أن يأتي “بوغديمونت” نصف الإجابة من جديد بعد مُهلة الأيّام الخمس التي قدّمتها مدريد. فبعد أن كان مُنتظرا أن يجيب بـ “نعم أو لا” للاستقلال، يخرج علينا الرّجل بإجابة مكتوبة على شكل رسالة مُوجّهة لرئيس الحكومة المركزية بمدريد “ماريانو راخوي” يدعوه فيها إجمالا لفتح مدّة بشهرين للحوار المباشر بشأن تفاصيل الدعوة للاستقلال مُستنكرا الضّغط والتّلويح الذي تمارسه مدريد بتفعيل الفصل 155 والذي سبق ذكر محتواه، دون أن يجيب بصريح العبارة بالرفض أو الإيجاب عن إقدامه على إعلان استقلال مقاطعته التي وقّعها وعلّق تنفيذها.

ومن غير الطبيعي أكثر أن تعيش إسبانيا وكتالونيا في ظلّ جدّيّة هذه الأزمة، حرب تراشق بالرسائل بين الرئيسين، إذ مضت مدريد قُدُما بنفس الأسلوب وأجابت في الحين، شفويا على لسان نائبة رئيسها خلال مؤتمر صحفي، وخطّيا برسالة تطلب الجواب نفسه وتُمهل الحكومة الكتالانية مهلة أخرى إلى حدود صباح الخميس، لتتلقّى ردّا جديدا في ظرف ساعة يدور في نفس الحلقة المُفرغة. ولا غرابة أن يتواصل هذا التّراشق اللّفظي المُستفزّ إلى حدود انتهاء المُهلة التي قيل إنها ستُفضي إلى تفعيل المادة 155 هذا الخميس.

التلاعب

  مُؤكّد أن يلاحظ المتابعون حديثا لقضية انفصال كتالونيا عن إسبانيا أن التّهديدات بلغت أوجها مؤخّرا وأن الخطوات التي اتخذها رئيس حكومتها “بوغديمونت” اختارت الطّريق السّريعة نحو الاستقلال وسط غياب ضمانات فعليّة (مالية أساسا ودعم خارجي) توحي بوجود مخرج آمن لهذا القرار. المُشكل أنّ هذه الخطوات انطلقت عالية النبرة، واثقة ومُتوعّدة، لكن سرعان ما انخفضت نبرتها (لأسباب تعلمها الحكومة الكتالانية أكثر من غيرها) وفقدت ثقة جانب من الانفصاليين والمتعاطفين بسبب تلاعب أصحاب القرار من الطرفين بأعصاب وعواطف الجميع. تلاعب قلّل من شأن جدّيّة المسألة بالدخول في مناكفات لا تُفضي إلى حلّ عمليّ يُجنّب المجتمع الإسباني مزيدا من الاختلافات والخلافات التي عمّقتها هذه الأزمة.

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان