محمد.. النبي ورجل الدولة

والكتاب (محمد النبي ورجل الدولة للمستشرق المعروف مونتجمري وات) في مجمله مخدوم علميا، ويتسم بروح الإنصاف،وينتهي إلى إثبات حقيقة من أهم حقائق الإسلام، وهي: أن السياسة جزء من الإسلام.

يتناول المستشرق المعروف مونتجمري وات سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، من حيث نبوته، وإدارته للدولة، في هذا الكتاب: (محمد.. النبي ورجل الدولة)، وقد سبق للمؤلف كتابة كتابين مهمين عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، الأول: (محمد في مكة) والآخر: (محمد في المدينة)، ويبدو أن كتابه (محمد النبي ورجل الدولة) هو اختصار وانتقاء مع إضافات كبيرة ومهمة لكتابيه السابقين.

استعرض (وات) في كتابه السيرة النبوية مجملة، ليلتقط منها العمود الفقري لكتابه وهو: رجل الدولة (محمد صلى الله عليه وسلم)، وكيف أقام دولته ومجتمعه الإسلامي، بداية من نزول الوحي، والدعوة للعقيدة الإسلامية، وعرض بعض ملامح هذه العقيدة التوحيدية، ومرورا بهجرته صلى الله عليه وسلم للمدينة والأحداث السياسية والعسكرية التي حدثت في المدينة، والتي تنبئ عن قيام حكم ودولة، والمؤامرات التي تعرضت لها تلك الدولة، أو الدويلة الناشئة، وكيف واجه النبي صلى الله عليه وسلم هذه المؤامرات، وكيف وضع حلولا للمشكلات التي واجهته، سواء سياسية كما في الغزوات والمعاهدات، أو مشكلات المدينة الاجتماعية العامة كأحكام المرأة والمواريث، وما تم فيها من إصلاح تشريعي كبير سبق به الإسلام سبقا كبيرا. أو تحديات اجتماعية خاصة مثل زواجه صلى الله عليه وسلم بالسيدة زينب بنت جحش، وما أثير حوله، وكان (وات) متناولا للموضوع تناولا منصفا وبدد معظم الشبهات التي تثار حول شهوانية محمد صلى الله عليه وسلم، بقلم غربي منصف، ترك عقله للحقائق دون الأوهام والترهات.

روح الإنصاف

والكتاب في مجمله مخدوم علميا، ويتسم بروح الإنصاف، وينتهي إلى إثبات حقيقة من أهم حقائق الإسلام، وهي: أن السياسة جزء من الإسلام، وليست منفصلة عنه، وأن تصور الدولة أو الحكم وجد ببعض تفاصيله في السيرة النبوية في شخصية محمد صلى الله عليه وسلم، بالطبع بما يناسب البيئة وقتها، لكنه أرسى الدعائم الكبرى لهذا التصور، وهو موضوع الكتاب الرئيس عن (محمد.. النبي ورجل الدولة) فهو لم يفصل بين دوره كنبي ودوره كرجل دولة، فقد كانت المساحتان تتلاقى في كثير من التصرفات، وتفترق في بعضها، بحسب مساحة ما كان من مقام النبوة، وما كان من مقام البشرية الصرفة.

ويعد الفصل الأخير في كتاب (محمد.. النبي ورجل الدولة) من أهم الفصول حيث تناول بعض الشبهات التي أثيرت حول أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، وبخاصة أخلاقه في الحروب، وفندها بإنصاف كبير، وقد توصل (مونتجمري وات) بعد دراسة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، إلى أسس العظمة في شخصيته كرجل دولة – حسبما يرى – والتي تتمثل في ثلاثة أمور:

أولها: موهبة محمد صلى الله عليه وسلم، بوصفه بصيرا، إذ قدم للعالم العربي هيكلا من الأفكار منحهم حلولا للتوترات الاجتماعية التي كانت قائمة بينهم.

ثانيها: حكمة محمد كرجل سياسي (رجل دولة)، حيث إنه استطاع أن يتوسع توسعا سريعا لدولته الصغيرة إلى امبراطورية عالمية بعد موته، إضافة إلى تكيف وانسجام أنظمته الاجتماعية التي وضعها مع العديد من الظروف البيئية المختلفة في العالم، واستمرار ذلك لثلاثة عشر قرنا.

الصفة الثالثة: هي مهارته وبراعته كـ (إداري)، وحكمته في اختيار الناس كمندوبين في الأمور الإدارية التفصيلية.

قصة الغرانيق

الكتاب على ما فيه من جدة في البحث، ورصانة علمية، وإنصاف لمحمد صلى الله عليه وسلم، لا يخلو بلا شك من أخطاء وقع فيها المؤلف بحكم أنه غير متضلع في علوم الشريعة، وبخاصة أن السيرة النبوية مزلة أقدام وقع فيها الكثير من غير المختصين فيها عند تناول سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ونموذج لذلك وقوع المؤلف في قصة (الغرانيق) وكذبة أن آيات نزلت ثم نسخت تسمح بالتساهل في عبادة الأصنام، وهي لا تصح من حيث السند، ولا من حيث المتن، وإن دافع المؤلف بنفيها من حيث العقل وتفاصيل أخرى، لكنه مال بعض الشيء في بعض تفاصيلها لإمكانية حدوثها. وهي أخطاء يقع فيها كثيرون من غير المختصين في دراسة الأسانيد ونقد المتون في السنة والسيرة، وبخاصة من الكتاب والمفكرين العرب، قديما وحديثا، فالسيرة لم تُخدم من حيث تخريج أحاديثها ودراسة أسانيدها دراسة محكمة كما حدث في معظم كتب السنة النبوية، كما أن البعض يخطئ في تعامله مع السيرة فيأخذ منها أحكاما رغم أنها تُعنى بجانب محدد من حياة النبي صلى الله عليه وسلم وليس من أولوياته التشريع. ولذا ليس مستغربا على مستشرق كمونتجمري وات أن يقع في بعض هذه الأخطاء. وهو للأسف ما لم ينبه إليه في مواضعه المترجم الأستاذ حمود حمود، وله عذره فليس كل مترجم لديه القدرة على مناقشة متن الترجمة، أو التعليق في كل موضع، أو نقد كل مسألة يحيد فيها الكاتب عن الحقيقة، وتلك كانت طبيعة بعض المترجمين ممن جمعوا بين الترجمة والتخصص الدقيق فيما يترجمون كالمرحوم عبد الهادي أبو ريدة، ومحمد يوسف موسى، وعبد الحليم محمود، وغيرهم من جيل المترجمين الكبار.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان