“مسعود البارزاني” نهاية مؤلمة

ربما لم يدر في خلد مسعود البارزاني رئيس إقليم شمال العراق، يوم ٢٥ من سبتمبر /أيلول الماضي، وقد بدا حينها منتشياً واثقاً من نفسه، أن تتداعى عليه الأحداث بعد حوالي ثلاثة أسابيع فقط! ومشهد انسحاب قوات البيشمركة تتناقله وسائل الإعلام لتخلي مواقعها في مدينة كركوك الاستراتيجية للقوات العراقية الاتحادية بصحبة قوات الحشد الشعبي المدعومة طائفياً.
مشهدان يختزلان التطورات الدراماتيكية التي مر بها إقليم كردستان العراق في أقل من شهر على المستويين السياسي والعسكري، أما على المستوى الإنساني فما نقلته كاميرا الجزيرة من شهادات النازحين الأكراد من كركوك ونواحيها ربما تعكس تطورات المشهد، فهذه امرأة افترشت الأرض وقالت في لهجة باكية: قالوا لنا اخرجوا وقولوا نعم في الاستفتاء واليوم فوجئنا بقوات الحشد الشعبي تدخل علينا سنجار فتركنا بيوتنا وهربنا خوفاً منهم! صورة أخرى لأرتال سيارات النازحين الأكراد تبدو على مد البصر في طريقها إلى مدن إقليم كردستان خوفاً من عمليات انتقامية قد تطالهم.
بؤس المشهد سياسياً وعسكرياً وإنسانياً، جاوز استفتاء الإقليم الذي بات في حكم المنعدم، وفتح الباب أمام الحديث عن تداعيات هذا الفشل سواء على مستوى الوضع الداخلي للإقليم، أم على مستوى علاقات الإقليم بمحيطه الإقليمي، وصولاً إلى أنماط التحالفات التي تشكلت كرد فعل للاستفتاء.
حياة حافلة عاشها مسعود البارزاني منذ نعومة أظافره، رافق فيها والده الملا مصطفى البارزاني، منذ عودته من المنفى عام ١٩٥٨ وكان عمر مسعود آنذاك اثني عشر عاماً، ولم تمض أربعة أعوام حتى ترك الدراسة والتحق بصفوف قوات البيشمركة، وخاض معها العديد من المعارك الهامة والمؤثرة، كما شارك مع شقيقه ادريس البارزاني في وفد كردستان في المفاوضات التي جرت مع الحكومة العراقية في بغداد، والتي انبثق عنها اتفاقية منح الحكم الذاتي للإقليم في عام 1970، في قصة طويلة تعكس عمق الخبرات التي اكتسبها مسعود، والتي أهلته لاكتساب ثقة المجلس الوطني الكردي في يونيو/حزيران ٢٠٠٥ ليصبح أول رئيس منتخب.
لكن الرجل غابت عنه الحكمة، وتورط في قراءة خاطئة لمجمل أوضاع الإقليم الداخلية والإقليمية والدولية، تحت ضغط عدة عوامل:
أولاً : الأزمة الدستورية التي يعاني منها الإقليم نتيجة انتهاء فترة ولايته، وعدم جواز التمديد له، وفقاً لقانون رئاسة الإقليم، الذي ينص على أن «تكون ولاية رئيس الإقليم أربع سنوات ويجوز انتخابه لولاية ثانية»، كما جرى التمديد له لمدة سنتين حسبما يتيحه القانون، أي أن الإقليم يعاني أزمة فراغ رئاسي منذ عامين، ما دفع البارزاني إلى محاولة القفز إلى الأمام بإجراء الاستفتاء، وكان مخططه يسير في اتجاه المبادرة بالإعلان عن إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية ( حددت مفوضية الانتخابات يوم الأول من نوفمبر تشرين الثاني القادم موعداً لتنفيذ الاستحقاقين في يوم واحد)، وفي ظل عدم إمكانية التوافق على تعديل القانون بما يسمح بترشح البارزاني لمدة ثالثة، فقد كان من المتوقع أن يتم الدفع بأحد المقربين له، خاصة بعد إعلانه رئيسا لمجلس القيادة السياسية الكردستانية، وهو منصب تم استحداثه ليبقى البارزاني وصياً على القرار الكردي، أو في مقام المرشد الأعلى للدولة الوليدة.
ثانياً : رغبة البارزاني في ختم حياته بإنجاز الانفصال، الذي يراه تتويجاً لمسيرة طويلة في النضال السياسي والعسكري، بحيث يبقى في الذاكرة الجمعية للأكراد كأحد أهم الآباء المؤسسين للدولة الكردية التي انتظرها الجميع منذ عشرات السنين، خاصة وقد تخطى عتبة السبعين من عمره، في ظل تطمينات ووعود دولية بمساعدته في معركة الانفصال حتى النهاية، وهو ما لم يحدث.
ثالثاً: محاولة استثمار حالة الفوضى التي تعاني منها المنطقة، التي أدت إلى تآكل نظامها العربي المركزي، وتفتت وترهل كثير من وحداته السياسية، بما فيها الدولة العراقية نفسها التي لم تتعاف بعد من مرحلة داعش والطائفية، الأمر الذي مثل أمام ناظري البارزاني لحظة مثالية للمضي قدماً في إعلان الانفصال، متوهماً أن تفويت تلك الفرصة قد يعد خسارة فادحة.
لكن فشل الاستفتاء والتداعيات التراجيدية التي لا تزال فصولها تتواصل، وضعت نقطة النهاية في مشوار البارزاني، إذ خرجت أصوات من داخل الإقليم تطالبه بالاستقالة وتحمله مسؤولية ما حدث، وتعتبره مسؤولاً عن تقهقر أوضاع الإقليم سنوات إلى الخلف.
بسرعة غير متوقعة تداعت قطع الدومينو أمام عيني البارزاني، بينما كان يستعد لبدء مفاوضات استحقاقات الاستفتاء وخطوات الانفصال مع بغداد، فأحداث الأيام الأخيرة ودخول القوات العراقية إلى كركوك ونواحيها، كتبت تأجيلاً مفتوح المدى لحلم الدولة الكردية، إذ لم يحسن البارزاني قراءة المشهد المحلي والإقليمي والدولي قراءة صحيحة والتي كان أبرزها:
- إعادة تموضع عدد من عواصم المنطقة في تحالف جديد لمواجهة تداعيات الاستفتاء، فرأينا كيف تشكل على عجل حلف أنقرة – طهران – بغداد ، والذي تميز بسرعة الحركة والمرونة العالية وإجادة استخدام أوراق القوة المتاحة لديه، بحيث استطاعت العواصم الثلاث تجاوز الخلافات وتباين وجهات النظر صوب العديد من ملفات المنطقة، والاتفاق على خطوات تصعيدية سياسية واقتصادية وعسكرية، أسفرت عن غلق المعابر البرية والملاحة الجوية، ومحاصرة الإقليم، ومباغتة القوات العراقية برفقة الحشد الشعبي مدينة كركوك النفطية والاستيلاء عليها وفرار قوات البيشمرجة من أمامهم، في مشهد ستحتاج فيه تلك القوات إلى فترة من الزمن لمحو تلك الصورة.
- حالة التخبط التي تعيشها الإدارة الأمريكية منذ تسلم ترمب الحكم في يناير الماضي، فالخلافات العميقة بين مفاصل الإدارة الرئيسية، البيت الأبيض والخارجية والبنتاجون، لم تعد خافية على أحد، وظهرت بوضوح في الأزمة الخليجية، حيث اتخذت الخارجية والبنتاجون موقفاً مغايراً لما كان ترمب ينتويه، وفوجئ الجميع ببيانات متضاربة في بداية الأزمة، حتى تم إخضاع ترمب لرؤية الخارجية والدفاع، فالبارزاني الذي كان ينتظر دعماً أمريكياً واضحاً – وربما هذا ما تم الاتفاق عليه خلف الكواليس – فوجئ بموقف أمريكي مخيب له ولمشروعه، فالخارجية الأمريكية دعت إلى الحفاظ على وحدة العراق، فيما أعلن البيت الأبيض وقوفه على مسافة متساوية من أطراف النزاع، هذا التراجع الأمريكي شجع الأطراف الإقليمية الفعالة إلى سرعة التحرك ، وإعادة تموضعها حول الإقليم.
- كذلك لم يحسن البارزاني قراءة أوضاعه الداخلية جيداً، وظن أن الاندفاع نحو استفتاء الانفصال سيفقد غريمه التقليدي الاتحاد الوطني الكردستاني القدرة على المعارضة؛ حتى لا يفقد مكانته الجماهيرية، وهو ما حدث بالفعل، لكن حكومة العبادي تمكنت من اللعب بذكاء على هذه التناقضات وإقناع قوات الاتحاد الوطني بالانسحاب من كركوك دون قتال، ما أثر سلباً على بقية أوضاع الإقليم.
- أيضاً لم يحسن البارزاني قراءة المشهد التركي خاصة فيما بعد محاولة الانقلاب الفاشل، والمراجعات الكبيرة التي أجرتها أنقرة على سياستها الخارجية وتحالفاتها الإقليمية، في ظل خلافات تركية أمريكية أوروبية حادة، منحت تركيا حرية الحركة على محاور أخرى، كما أن حزب العمال الكردستاني (PKK) يعيش هو الآخر أوضاعاً صعبة للغاية بعد النجاحات الكبيرة التي أحرزها الجيش التركي وقوات الأمن في مواجهته، تزامناً مع بدء الحملة العسكرية التركية على إدلب وإعادة نشر قواتها بالقرب من خطوط التماس مع قوات الحماية الكردية (YPG).
تداعيات فشل الاستفتاء والمواجهة غير المحسوبة التي أرادها البارزاني قد لا تتوقف فقط عند الفشل في نيل الاستقلال، ولكن وكما تقول صحيفة إندبندنت قد يجد أكراد العراق أن “وضع الحكم الذاتي، الذي كانوا يعتبرونه من المسلمات التي لا جدال فيها، بات مهدداً هو الآخر، حين تأخذ بغداد بتشديد قبضتها على المحافظات الكردية”
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
