قراءة في “فقه الواقع” عند منى أبو الفضل

وتقرر د.مني أبو الفضل أن نهاية التاريخ لن تضعها الحضارة الغربية المادية أو تقرها، ولن تكون تبعا للفكرة الغربية المعادية للدين والأخلاق السماوية.

تمهيد:

تعتبر د. مني أبو الفضل ( 1945/2008 )  أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية من الأعلام القلائل في الوطن العربي في العصر الحديث الذين أسسوا حقل الدراسات الحضارية المقارنـة، وهي التي قدمت إسهامات واجتهادات فكرية وعلمية في حقول متنوعة من مختلف الدراسات علي المستوي السياسي والاجتماعي والمعرفي، ومن هذه الإسهامات الهامة تلك الورقة البحثية عن “المنهج والمنهجية” والتي تعتبر خطا إرشاديا واضح المعالم لكل باحث في ذلك المجال، وقد نشر الكتاب في عدد قليل من الصفحات بالتعاون بينها وبين زوجها د. طه جابر علواني، رحمهما الله، ويتضمن ثلاثة محاور رئيسية هي:

ــ مفهوم الواقع

ــ مفهوم النص

ــ مفهوم الزمن

ولأهمية كل نقطة في تلك العناوين فسوف أكتفي بتناول إحداها في كل مرة كي لا أبخس الموضوع حقه، نظرا لأهميته البحثية في كافة المجالات المتعلقة بمجالات البحث والدعوة والعمل العام ومجالات التعامل مع الناس بشكل مباشر أو غير مباشر.

مقدمة فقه الواقع:

تتبني الدكتورة مني رأي العلماء بأن للأشياء وجودا ذهنيا ووجودا لغويا ووجودا خارجيا، والنص القرآني الكريم في سورة النور يوضح لنا الفرق بين تلك المفاهيم فيقول الله تبارك وتعالي في سورة النور “وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ”

فالسراب هو رؤية الماء بشكل حتمي بالنسبة للرائي، فهو يراه بعينه ويصدقه بقلبه ولو حدث أنه مجرد سراب ما صدق فقد وقعت عينه عليه فكان رأي العين، وقد يري الناظر من بعيد شبحا فيحسبه شجرة أو رجلا أو حجرا ثم إذا اقترب يجده شيئا آخر تماما، لذلك فلمكان الشيء ومكاننا وزاوية الرؤية والأفكار الدائرة في أذهاننا وثقافتنا بل وإرادتنا أحيانا كلها ذات أثر في صياغة الواقع وذلك يعطي بعدا بأهمية دراسة ذلك علم فقه الواقع بالنسبة للمجتهد والمفكر والقاضي والفقيه والمفتي والمصلح وكل من هو معني بالشأن العام.

والواقع المطلق هو ما ثبت وقوعه وحدوثه بحيث لا يحتمل التغيير ومنه أفعال الله تعالي وأقواله ووعوده، فهو سبحانه الذي يملك التنفيذ من دون مؤثر خارجي، فيقول “إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ” والواقعة هي القيامة، والحديث عنها بصيغة الماضي رغم حدوثها في المستقبل يدل على وقوعها الحتمي، فالله حين يريد لا راد لإرادته، وإرادته نافذة وكأنها وقعت بالفعل فهي واقع لا يحتمل التغيير

لماذا يجب أن نفقه واقع الأمة:

أولا: إن العاملين في الشأن العام يلزمهم القيام بعملية تخطيط شاملة وموسعة وإن لم يتوفر فهم وفقه للواقع الحقيقي ضاع الهدف لعدم تحقيق الغايات والمنطلقات بشكل دقيق

ثانيا: ضروري لوضع الشيء في موضعه، وما إرسال الرسل في أقوامهم إلا لتصحيح مسار واقع منحرف.

نحو تصور فقه الواقع:

تشرح د. منى أبو الفضل معني مصطلح ” فقه الواقع ” فتقول: هو مركب إضافي، وكلمة “فقه” تعني مطلق الفهم أو القدرة على الفهم وهو أعم وأشمل وأعمق من العلم، إذ إن الإنسان ما كان إنسانا إلا بما أودعه الله فيه من استعدادات للفهم والإدراك، أما الواقع فهو مشتق من “وقع” وقد وردت مشتقاته في القرآن وأريد به ثبوت الشيء وسقوطه ووجوبه. 

والأمة المسلمة اليوم لها واقع بوصفها أمة، واقع عالمي عام تتأثر به و تستطيع الفكاك منه، وواقع خاص بكل إقليم من أقاليمها يقتضي كل ذلك فقها لكل جانب من جوانبها علي المستوي النظري أو العملي أو الفكري أو العلمي، وأية عملية تخطيط مستقبلية خاصة بها تتوقف علي مدي “فقه” هذا الواقع والإحاطة به ومدى ما يتوفر من معلومات “حقيقية” بهذا الشأن، وليس من الممكن في ضوء ما قدمته المؤلفة أن يتم عزل أو استبعاد جزء من هذا الواقع الشامل إذا أريد تشخيص الحالة التي تمر بها والبحث عن حلول أو مخارج لما مر به، فما بني علي معطيات زائفة أو ناقصة حتميته السقوط والوقوع في السراب والتيه.

وتري د. منى أبو الفضل أن تلك هي النقطة الفارقة التي وقع فيها وعاني منها “الإسلام الحركي” بتغييبه عن الواقع وذلك لأسباب ترجع لغياب الرؤية الحضارية الكاملة عن العقل المسلم المعاصر واصطباغه بنظرة جامدة للتراث تعوق العامل مع الواقع، ويعني دراسة “فقه الواقع” برأب ذلك الصدع بين الفكر والحركة والتقريب والتسديد والمقاربة بينهما.

ثم تطرح عدة تساؤلات يجب مراجعتها حين ندرس “فقه الواقع“:

ـــ هل هناك إدراك واع لشروط العمل الفكري عامة؟

ــ هل تتوفر حصيلة فكرية وسياسية واجتماعية وعلمية كافية لبناء ذلك العلم باعتبار أنه لا يبني أي علم علي حالة من الفراغ ؟

ــ “مسألة حيادية العلم وموضوعيته” هل تتوفر لنا فيها وجهة نظر خاصة بنا بعيدا عن المؤثرات الخارجية الواقعة باعتبارنا مسلمين؟

ــ ما هي حدود علاقتنا بالآخر؟ وهل ندرك كيفية استفادة منها مميزين في ذلك بين الانغلاق والتحوط والانفتاح والانفلات؟

ثم تختم تلك التساؤلات فتقول: يجب إعادة بناء الجسور في شبكاتنا الثقافية والحضارية على نحو يستهدف الحيوية الحضارية لأمتنا المسلمة.

نموذج ومثال في فقه الواقع العالمي المعاصر:

وفي جوابها عن كيفية رصد عوامل الاستمرار وآليات التغيير في الواقع العالمي المعاصر تقول : إنه من السذاجة أن نحاول فهم فقه الواقع العالمي بشكل جزئي خاصة في القرنين التاسع عشر والعشرين، اللذين مثلا جملة الأحداث الكبرى والسريعة ومثلا قمة الحضارة الغربية وتصاعد النفوذ الغربي في ضوء آليات وأدوات التحليل التقليدية، إن هناك العديد من الكتابات الغربية تبشر بنهاية الأيدولوجيا وبداية التكنولوجيا وتطوراتها، ونجد أن المجتمع الغربي قد وضع قوانينه الخاصة بمرحلة التقدم التكنولوجي في غيبة من النظرة الدينية بعد ثورته الأولي علي الكنيسة والدين، فوضع نظرياته وفلسفاته في حالة تجرد تام من الأخلاق والدين، فقد أباح لنفسه المتاجرة في العبيد علي سبيل المثال في ثورته الصناعية في البلاد المكتشفة، كذلك كان التنافس الاستعماري علي حساب دول العالم الثالث الفقير والمستضعف.

ويمكن رصد ملامح استغلال التكنولوجيا الغربية في قطاع آخر، وهو فرض الهيمنة الغربية في إخضاع سائر الشعوب وذلك باستنزاف مقدراتها وثرواتها وتطور الأمر للمجال العسكري الذي يهدد وجود الإنسان اليوم لينشأ نتيجة ذلك النظام “إنسان حضاري مشوه” أو”الإنسان ذو البعد الواحد” أو “الاستقطاب الدولي” وهذا يعني أن الانطلاقة التكنولوجية العالمية قد بنيت على مفاهيم غربية خالصة منها المادية والنفعية والعلمنة والعقلنة وقد أصبحت في حالة من الضرورة “لترويض ذلك الوحش التكنولوجي” حفاظا على الوجود الإنساني.

النموذج الحضاري البديل والعالمية الجديدة:

وتقرر د.مني أبو الفضل أن نهاية التاريخ لن تضعها الحضارة الغربية المادية أو تقرها، ولن تكون تبعا للفكرة الغربية المعادية للدين والأخلاق السماوية، وإنما قررها الله تعالي في كل الكتب السماوية كما قال تعالي في سورة الأنبياء “وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ”، وذلك يتوقف علي تحقيق “العالمية الإسلامية المرتقبة” لتكون بديلا كونيا للإنسان قبل هلاكه بمنتجات تلك الحضارة، وذلك كله لن يكون نهاية التاريخ، وإنما “البداية”، بداية عودة الإنسان الذي استهلكته الحضارة العلمانية  المادية الغربية إلي الحقيقة الإيمانية الأسمى، وهي “النهاية” لحضارة المادة وحضارة الأشياء المجردة في النموذج الغربي والبداية الجديدة للحضارة والعمران القرآنيين بداية وانطلاقا من “العالمية الإسلامية المرتقبة”. وتنبه د. مني أبو الفضل الأمة لنقطة غاية في الأهمية، وهي استمرار تلك الأمة في الشقاء والهوان والذل والتخبط وأن الآلام ستتضاعف حتى تكتشف الأمة القرآن الكريم، وتكتشف نفسها وتكتشف غيرها وتحمل القرآن إلى ذلك العالم المهدد بالدمار فكرا وحركة وسلوكا.

خطوات على الطريق:

ووضعت المفكرة الكبيرة شرطين لعملية الريادة الحضارية والإنقاذ الحضاري التي يجب أن يقوم بها المسلمون:

أولا: أن يسترد العرب والمسلمون وعيهم الحضاري العمراني بالقرآن الكريم وأن يوقنوا أنه كتاب خلافة وعمران وتزكية أنزل لبناء العمران لا ليقرأ على الأموات، فهو برنامج لبناء حياة.

ثانيا: أن يدرك العرب والمسلمون أن انفصالهم عن القرآن لن يزيدهم إلا خسارا وأنهم بحاجة ماسة معرفة كيفية قراءته وحمله وتقديمه إلي البشرية باعتباره الكتاب الكوني المعادل للوجود وحركته، القادر علي استيعاب مشكلات العصر وتجاوزها .

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان