هل نجح استفتاء كتالونيا أم فشل؟

تدفّق الناخبين منذ ساعات فجر الأحد كذّبت هذه التّوقّعات و”أنجز الكتالاني ما وعد”
مع تهاطل الخطابات الرّسمية القادمة من مدريد حتى نهاية شهر سبتمبر/ أيلول و التي تحذّر من عدم قانونية استفتاء الواحد من أكتوبر/ تشرين بكتالونيا و عدم مشروعيته، لم تكن الأجواء توحي بأن حجم الإقبال على التصويت سيتمّ بالطريقة التي رأيناها. فقد أنذرت الحكومة المركزية من مغبة إجراء الاستفتاء وتحرّكت بمصادرة أدواته وإرسال تعزيزات أمنية كبيرة لاستدراك بعض الهيبة التي تطاولت عليها الحكومة المحلية ببرشلونة. حكومة رمت الكرة إلى الشارع الكتالاني ليردّ بنفسه: فإمّا انفصالي، سيّد إقليمه أو إسباني يحتاج سيادة أعلى.
في البداية توقّع الكثيرون أنّ وعيد الحكومة المحلية والكتالانيين معا لن يُترجم إلى لغة الأرقام، لكن تدفّق الناخبين منذ ساعات فجر الأحد كذّبت هذه التّوقّعات و”أنجز الكاتلاني ما وعد” رغم العراقيل، ليحاجج العالم باستفتاء بدا للبعض ناجحا ولغيرهم فاشلا لعدم سلامة شروط إنجازه.
عندما أصدرت المحكمة العليا بمدريد قرارا يمنع تنظيم الاستفتاء وأعلنت الحكومة المركزية هناك مصادرتها للصناديق والأوراق والقائمات المُعدّة لذلك، أعلنت الحكومة الكتالانية على إثر هذا المنع أنّها مُقدمة على تنفيذه طبق خطّة “ب” وطمأنت المتحمّسين لهذا الحدث أنّها لن تعبأ بالأوامر الرّادعة القادمة من مدريد وأن العُدّة مُتوفّرة مادام المتطوّعون يقومون بدورهم على الإشراف على عمليّات الاقتراع وليسوا مبالين بالغرامات المُجحفة التي أقرّتها المحكمة العليا.
نامت كتالونيا على هذا التّحدّي وسط أجواء حماسيّة في ساحاتها وشاشات تلفزيوناتها مقابل استغراب من جهة ورفض من جهة أخرى لهذه الخطوة من داخل المقاطعة وخارجها.
احتشدت الكاميرات المحلية و الدولية منذ صباح الأحد في الأماكن الإستراتيجية و تمّ نقل إشارة الانطلاق مباشرة على قنوات الإقليم الغاضب. كان تأمين نقل تفاصيل استعدادات مكاتب الاقتراع وتوافد الناخبين خبرا أوّلا يملأ العناوين ثم سرعان ما انتقل إلى خبر ثانٍ ليترك الفضاء رحبا لنقل آدا الشرطة الإسبانية العنيف (بالمقاييس الأوربية) تجاه الناخبين وتهجّمهم على مكاتب الاقتراع. ورغم الإعلان عن أنّ المنع القانوني للاستفتاء يتيح استعمال القوة في حال تنظيمه، إلّا أن إغراق الشاشات بالمشاهد العنيفة واللإنسانية جلب أنظار القاصي والداني واستمال تعاطف الرّأي العام العالمي، وكشف في جانب ما أنه يهدف إلى تجريم ردّة الفعل ودفن شرعية الفعل (بلغة القانون الصادر عن المحكمة العليا في هذا الشّأن: وجوب تعطيل تنفيذ الاستفتاء بالقوة في حال عدم الاستجابة للأوامر).
رافق انتشار هذه الصور ومقاطع الفيديو وارتفاع حصيلة الضحايا (800 جريح) واقتحام 27% من مكاتب الاقتراع ومصادرة صناديقها، تواتر التصريحات الرسمية على مدار اليوم. لعلّ أهمها تصريحات الحكومة المحلية المُتظلّمة التي توعّدت الشرطة المسؤولة عن أعمال العنف بالمحاسبة (طبقا لقانونها المحلي) ثم تصريحات الحكومة المركزيّة على لسان رئيسها ماريانو راخوي بعدم الاعتراف بوجود استفتاء من أصله (وبالتالي عدم مشروعية أية نتائج) وشكر الشرطة على تطبيقها للقانون. تصريحات من الطرفين عبّرت بوضوح على احتقان في المواقف السياسية أجّجت بدورها الاحتقان الذي تفشّى في صفوف الكتالانيين أساسا فاندفع بعضهم إلى مكاتب التصويت (رغم حياده في البداية) في ردّة فعل غاضبة على تخبّط الطبقة السياسية وعبثها بأمن البلد والمواطنين. هذا الشق يشمل غير الانفصاليين وأولئك المحايدين. أمّا غير الانفصاليين واضحي الموقف، فأغلبهم استهانوا بجدّية الاستفتاء و اطمأنّوا لمنعه من المحكمة العليا لذلك لم يكلّفوا أنفسهم عناء مواجهة الانفصاليين في تحدّيهم الاستعراضي. مع أنّ بعضهم تحدّى الحشود برفع العلم الإسباني و أقدم على التصويت و المشاركة في المظاهرات.
المشهد في الداخل الإسباني كان مختلطا أيضا، فبالرغم من أن الأغلبية معارضة لمبادرة الاستفتاء من أساسه، إلّا أنّ أداء الشرطة استفزّ الكثيرين منهم وجعلهم يعذرون تزايد الغضب الكتالاني.
على مستوى التصريحات السياسية للأحزاب الكبرى الموجودة في الحكم، تبنّى الحزب الحاكم خطاب رئيسه ماريانو راخوي المذكور سابقا ولم يتحرّج لا الحزب الاشتراكي ولا حزب ثيوديدانوس اليافع في التعبير عن دعمهما لخطاب راخوي داعيان لتخفيض الحدّة من طرفي الخلاف. أما حزب بوديموس اليساري فقد ندّد بشدّة لجوء الشرطة الإسبانية للعنف من جهة و استنكر خطاب راخوي المُستفزّ حسب رأيه.
وسط هذه التجاذبات تمّ الاستفتاء بمقاييس لا ترقى إلى أن يُعتبر بمقتضاها استفتاء مكتمل شروط النزاهة. وبان بالكاشف يومها (لمن واكب عمليات الاقتراع من داخل بعض المكاتب) أنه مُجرّد رسالة سياسية حاسمة تُهدّد فعليا استقرار إسبانيا. رسالة لم يتوقّع غير المتحمّسين للانفصال أن تغادر رمزيتها حتى تكون ورقة ضغط فعلية بين أيدي الانفصاليين. فرغم نشر النتائج التي أفضت إلى تصويت2,020,144 بنعم مقابل إجمالي 5,343,358 مُسجّل، اعتبرت الحكومة الكتالانية هذا الاستفتاء بتفاصيله ونتائجه ضوءا أخضر للمضيّ قدما في طلب الاستقلال. وصدّرته للعالم على أساس أنه فوز كاسح، مكتفية بإعلان نسبة 90% المُصوّتة بنعم من جملة الأصوات المُنتخِبة لا الجُملية التي تشمل المُقاطعين لفكرة الاستفتاء بتلك المقاييس (أكثر من ثلاثة ملايين صوت).
عموما يمكن القول أنّ الاستفتاء جاء على إثر مرحلة مفاوضات مُتوتّرة من طرف الحكومة الكتالانية والحكومة المركزية لكنّه أفضى إلى مرحلة توتّرت أكثر بعد تدخّل المؤسسة الملكية بخطاب على لسان فيليب السادس زاد الطين بلّة. تصريحات كشفت مواقف انفعالية من الجميع لا ترقى إلى مستوى مواقف أطراف مسؤولة عن أمن ومصير بلد خبِر حلّ أزماته الداخلية الكبرى في مناسبات سابقة بقدرٍ من التعقّل والحنكة.
مواقف سياسية عالية الصوت من الجانب الكتالاني دغدغت الشعور المتنامي للانفصاليين (والبلد على بعد شهور من انتخابات تشريعية) بالتحرر من القيود الإسبانية الجائرة لكن يبدو أنها تغاضت قصدا عن التصريح بكُلفة هذا التّصعيد المُجحفة وإن لم يؤدّي إلى الاستقلال.
كُلفة سيدفعها الكتالانيون وحدهم في غياب دعمٍ خارجي صريح يُمكن التعويل عليه.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
