الطرف الثالث في اغتيال “عروبة” و”حلا”!

الإعلان عن إلقاء القبض على قاتل المعارضة السورية عروبة بركات وابنتها الإعلامية حلا من قبل أجهزة الأمن التركية، بعد مرور حوالى أسبوعين فقط على وقوع تلك الجريمة البشعة، التى هزت مدينة إسطنبول محل إقامة الضحيتين، ومحاولة إظهار الجريمة وكـأنها جريمة قتل عادية حدثت بسبب خلافات مالية بين أفراد من عائلة واحدة، والتأكيد على عدم ارتباط الجانى بأية تنظيمات إرهابية أو سياسية، ونشر ذلك فى كافة وسائل الإعلام التى تناولت الموضوع؛ ونقلت من أقوال الجانى ما يصب فى هذا الاتجاه على صفحاتها، كلها أمور تثير الكثير من الدهشة والاستغراب خصوصا إذا ماكانت هناك متابعة دقيقة للتصريحات الأمنية التى أعقبت عملية الاغتيال ، ومجريات سير التحقيق مع الجانى، وسرعة إلقاء القبض عليه ، والخلفية السياسية والإعلامية  للضحيتين. كما أنها تعتبر دلائل قوية لوجود طرف ثالث يشكل المحور الرئيس فى هذه القضية؛ لا ترغب -وربما لا تستطيع- سلطات التحقيق الإفصاح عنه، لأسباب سرية خاصة لايجب الإعلان عنها.

تضارب المعلومات الأمنية

ففى بداية التحقيقات التى أعقبت وقوع جريمة الاغتيال، أعلنت بعض المصادر الأمنية للصحف التركية أن تلك الجريمة قام بها ما لايقل عن ثلاثة أشخاص، واستبعدت نفس المصادر أن يكون شخص بمفرده فقط هو من قام بها، وذلك بسبب العثور على الضحيتين وقد تم لفهما بإحكام في أغطية، ومرشوشتين بمساحيق الغسيل لإخفاء رائحتهما، ولطمس معالم أى حمض نووى يمكن أن يدل على الجناة مرتكبي الجريمة أثناء التحقيقات، وهى أمور لايمكن لشخص بمفرده القيام بها.

لتعود نفس المصادر الأمنية بعد أسبوعين تقريبا على عملية الاغتيال وتعلن أن القاتل هو حفيد ابن عم الناشطة السورية؛ وذلك لوجود عينات عالقة على أظافر المغدورة عروبة بركات تعود إلى المتهم الذي تم القبض عليه فى مدينة بورصة جنوب مدينة إسطنبول، حيث اعترف بارتكاب الحادث، واصفا بشكل دقيق كيف نفذ جريمته، والأسباب التى دفعته لإزهاق روحين دون رحمة أو شفقة أو إنسانية.

المتهم أحمد بركات ( 22 عاما ) قال فى تحقيقاته أمام النيابة – وفق مانشرته وسائل إعلام تركية مقربة من الأجهزة الأمنية الحكومية : ”  أنه عندما كان في سوريا ،  قٌتل والده وأخيه الأكبر في الحرب ، مادفعه لاتخاذ قرار بالهرب بهدف التخلص من الضغوط التى كان يتعرض لها من أجل حثه على الانضمام للجيش السوري، وفي هذه الفترة أرسلت له عروبة من يخبره بإمكانية القدوم إليها في تركيا ؛ وبناء على ذلك دخل تركيا بطريق غير شرعى ، ليبدأ معها العمل ؛ إلا أنها أحجمت عن دفع الراتب الذى وعدته به ، فترك العمل لديها ، وسافر إلى بورصة للبحث عن عمل هناك . وبعد فترة اتصلت به عروبة مرة أخرى طالبة حضوره لإعطائه مالا ، مشيرا إلى أنه ذهب إلى منزلها ليلة وقوع الجريمة وبات ليلته لديها ، وفى الصباح طلب منها النقود ؛ لكنها أخبرته أنها أعطت المال لشخص آخر ، وليس لديها ماتعطيه له ؛ الأمر الذى أغضبه وجعله يصرخ في وجهها ، مادفعها لصفعه على وجهه ، فقام بدفعها من أمامه ؛ ثم أحضرت عروبة سكينا ووجهته نحوه، إلا أنه أخذ السكين منها، وقتلها عندما بدأت بالصراخ عليه ، لتأتي ابنتها حلا التي كانت في الحمام آنذاك ، وتبدأ بالصراخ بعدما رأت أمها غارقة في دمائها ، فطلب منها الصمت والكف عن الصراخ ، لكنها لم تنصت إليه ، فقام بقتلها هي أيضا ، ثم ترك السكين في المطبخ وعاد إلى بورصة، نافيا وجود أية جهة دفعته لارتكاب جريمته ” .

مغالطات غير منطقية

تلك هى مجمل الاعترافات التى جاءت على لسان المتهم ، والتى تزخر بالكثير من الخلل والتفكك والمغالطات غير المنطقية ، وتفتقر إلى الحبكة الدرامية التى يمكن من خلالها لأى عاقل القبول بها والتسليم بأن ذلك المتهم هو بالفعل مرتكب الجريمة للأسباب التى ذكرت فى محضر التحقيق ، فكيف يمكن أن تستدعى السيدة عروبة المتهم من سوريا ؛ وهو قريب لها ؛  للعمل معها ثم بعد ذلك تحجم عن دفع راتبه المتفق عليه بينهما ، مع علمها التام بأحواله المالية الصعبة ، وإذا سلمنا بأنها فعلت ذلك بالفعل ، فلماذا تعاود الاتصال به مرة أخرى بعد أن ترك العمل لديها وتطلب حضوره لإعطائه المال ، وحينما يأتي بناء على طلبها تعتذر له بعدم وجود أموال لديها لتعطيها له لأن ماكان معها منحته لشخص آخر ، ولماذا قامت المغدورة بإحضار سكين ووجهته نحوه فيما كان الأمر مجرد شجار بينهما على مبلغ من المال!!!

عميل أم معارض

ثم نأتى إلى التصريحات الصوتية التى أدلت بها شذى بركات شقيقة الناشطة السورية، والتى أوضحت فيها أن المتهم أحمد انتقل قبل أشهر من وادي بردى بريف دمشق إلى محافظة إدلب، ضمن صفقة نقل المقاتلين التي عقدت مع النظام السوري قبل أشهر، وإنه على إثر انتقاله إلى إدلب، تواصل مع عروبة وشقيقتها من أجل إدخاله إلى تركيا، حيث كفلته عروبة وأمنت له عملا. ورغم ذلك فإنها تتهمه بأنه عميل للنظام السوري، وأنه قام باغتيال شقيقتها وابنتها بناء على تكليف من نظام بشار الأسد!!! فكيف يمكن أن يكون المتهم ضمن من قاتلوا ضد النظام السوري، ومعارضا له، كما سبق وأن قال هو نفسه أنه هرب إلى تركيا حتى لاينضم إلى صفوف الجيش النظامي ـ ثم يقوم هذا النظام بتكليفه بعملية اغتيال لناشطة سياسية، لا تسبب تحركاتها خطرا حقيقيا على النظام، إلا إذا كان هناك مالم يتم الإعلان عنه بهذا الخصوص، ناهيك عن كونها ابنة عم والد المتهم في المقام الأول وكفيلته فى تركيا!!!

فيما ذكر موقع ” أورينت” السوري المعارض الذي كانت تعمل حلا ابنة عروبة لصالحه “، أن السيدة عروبة أسست مكتباً لجمعية نسائية في منطقة الفاتح بمدينة اسطنبول، وأنه خلال تحضيرها للانتقال إلى سكن قريب من مكان عملها الجديد، شوهد المتهم في منزلها يقوم بمساعدتها في تجهيز أغراض المنزل استعدادا للانتقال، وأن هناك مصادر أكدت امتلاكه نسخة من مفتاح منزل الضحيتين، أى أنه كان مصدرا لثقتهما المطلقة.

وأشار الموقع إلى أن امتلاك المتهم لنسخة من مفتاح بيت المغدورتين ربما مكنه من إدخال أشخاص إلى المنزل وقت تنفيذ الجريمة، استناذا إلى التصريحات الأولية للمحققين الذين أشاروا فى تصريحات صحفية  كما سبق وأن ذكرنا –  إلى أن الجريمة نفذها 3 أشخاص.

أما السيرة الذاتية للمغدورتين، فربما يشير إلى ذلك الطرف الثالث المعنى بإسكات صوتيهما عبر اغتيالهما، إذ أن السيدة عروبة بعد أن تنقلت بين عدة بلدانٍ قررت العيش في تركيا، إذ سافرت إلى بريطانيا، ثمَّ انتقلت إلى الإمارات العربية المتحدة حيث أقامت فترة من الزمن إلى أن وقع اختيارها على إسطنبول للاستقرار بها.

انتقادات لممارسات النظام

إذ أنه من المعروف أنَّ الناشطة السورية قامت بإجراء العديد من المقابلات المهمة مع المعارضين الذين تعرضوا للتعذيب في السجون السورية ، ونشرت العديد من الأفلام الوثائقية والمقابلات حول ما وصفته بـ “مذابح الأسد” باللغتين الإنجليزية والعربية ، معلنه اختلافها الكامل مع سياسات النظام السورى ومايقوم به من ممارسات ديكتاتورية ، وهو ماتستند إليه فصائل المعارضة فى توجيه تهمة اغتيالها للنظام السورى ،  إلا أن السيدة عروبة وفى نفس السياق كانت لها مواقف واضحة وانتقادات حادة تخص أداء فصائل المعارضة السورية ، ولعجزها عن توحيد القوى الثورية ، معتبرة أنَّ الائتلاف لم يعد يمثل طموح الشعب السوري ولا أهداف ثورته .

اتهامات للمعارضة

واتهمت فى كتاباتها بعض تيارات المعارضه بالاستيلاء على أموال المعونات والمنح التى تقدم للشعب السوري لصالحهم، نافية تقديمهم المساعدة لاي لاجئ سوري، كاشفة أن هؤلاء قاموا بترك اللاجئين السوريين فى الخيام، وعلى الحدود، وداخل دول الجوار يتسولون ويلاقون الويلات على مرأى ومسمع من الجميع، فيما يستمتعون هم بأموال المساعدات التي تقدم لهم باسم الشعب السوري.

فقد كتبت على صفحتها الخاصة بالفيسبوك: “من يمتلك ذرة واحدة من ضمير ووطنية في الائتلاف أو في هيئة المفاوضات عليه أن يستقيل ولا يشرعن الاحتلال والوصاية الأجنبية على سوريا. سوريا لا تحتاج إمعات ويكفيها الأسد الذي باع كل شيء. استنفد الجميع فرصه في إثبات أنه غير قادر على فعل شيء حقيقي لإنقاذ الشعب السوري. وفشل الجميع بدون أي استثناء في أن يمثل الثورة ويتمسك بمبادئها. كفى لعباً بمصير شعب بطل. ارفعوا أيديكم عنا واتركونا لمصيرنا”.

واعتبرت أنَّ “مذكرة الذل والعار وقِّعت في أستانا ” وبالنسبة لها النظام والمعارضة لم يكونا على قدر تطلعات الشعب السوري، إذ أن الفصائل السورية لم تتوحد على الرغم من الذل والمعاناة اللذين تعرضتا لهما عائلات من نساء وأطفال الشعب السوري.

أما الابنة حلا فهى خريجة حديثة من كلية العلوم السياسية بجامعة إسطنبول، عملت في بعض وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية التي تصدر في إسطنبول، ويبدو أنها قررت السير على خطى والدتها، وإنتهاج نهجها، ماأودى بحياتهما معا، نتيجة ذلك الطريق اللتين قررتا السير فيه. 

الطرف الثالث

ومن هذه الكتابات وغيرها يتضح أن السيدة عروبة كما انتقدت النظام الحاكم لبشار الأسد انتقدت أيضا فصائل المعارضة السورية ، ووجهت لها اتهامات صريحة بالتربح من الأزمة السورية ومعاناة الشعب السورى ، ما يعنى إمكانية أن يكون النظام والمعارضة ؛ هما أصحاب المصلحة فى إسكات صوت الناشطة السياسية وابنتها التى أنتهجت نهجها خوفا من استمرارهما فى فضح الممارسات غير الأخلاقية التى يقوم بها كل واحد منهما على حده ، خدمة لمصالحه الخاصة … فمن منهما صاحب المصلحة الأقوى ، الذى يعنيه ألا تكشف حقيقته وألا تشوه صورته أمام الرأى العام السورى والعالمى ، أنه ذلك الذى يمثل الطرف الثالث فى عملية اغتيال عروبة وحلا بركات .  

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان