استقلال كتالونيا.. عاصفة تركت أهلها في العراء

أجهزت السياسة على صداقات قديمة وقرابات وثيقة وعكّرت صفو زيجات ثابتة.

 

 لطالما كانت كتالونيا وبرشلونة أساسا وجهة سياحية مرغوبة جدا بفضل مناخها المعتدل. فَنار صيفها سلام على قلوب زائريها وبرد شتائها رئيف، غير قاسٍ. أمّا رياح خريفها وربيعها فتمرّ هادئة غالبا. هكذا هي الطبيعة حَبَت كتالونيا بحظّ وافر من نِعمها، غير أن خريف هذه السنة جاء عاصفا على عكس ما سبق. خريف الطبيعة سائر في فلكه المعتاد، لكن الحكومة الكتالانية أبت إلّا أن تُغيّر مجراه واستهلّت هذا التشرين/ أكتوبر بعاصفة الاستفتاء التي أتت على أوراقٍ، سترت مواقف الأحزاب الحاكمة من مسألة الانفصال المُحرجة. تلتها صاعقة عاجلة في العاشر من نفس الشهر أعلنت استقلالا دام ثوانٍ، عُلِّق تفعيله على الفور إلى حين الحوار مع الحكومة المركزيّة. وحَسَمه بعد أسبوعين إعلان صريح هذه المرة، لاستقلال من طرف واحد، كان بمثابة الإعصار الذي هزّ إسبانيا كُلها.

الحضن الإسباني

   بعيدا عن خصوصيّة الهويّة الكتالانية التي يراها انفصاليو كتالونيا واحدة من أهمّ أسباب إصرارهم على الخروج من الحضن الإسباني الخانق، يحضر العامل المادّي كسبب ثانٍ. فهُم كما بات يعلم الجميع يساهمون بخُمس الناتج الوطني الإسباني وواعون بأن حكومة مدريد التي تُصر على إدارة ملف ضرائبهم (رغم هامش الاستقلال الذي يتمتعون به في مجالات أخرى عديدة) تسرقهم جهرا. لذلك لا يجدون مُبرّرا أن تُواصل الحكومة المركزية ابتزازهم وهم أصحاب فضل ماليّ على بقية المقاطعات. أسباب منطقيّة لطالما تبنّاها جانب من الكتالانيّين، لم يكن كبيرا لكنه تنامى مع الوقت مع سوء إدارة الدولة الثابت من طرف الحزب الشعبي الحاكم من جهة، ومع وصول الانفصاليين في السنوات الأخيرة للحكم المحلي وسعيهم الفعلي لتحقيق الانفصال من جهة أخرى. غير أنّ الملاحَظ في هذا الجانب أن الخطوات نحو الهدف تسارعت بشكل جنوني في الشهر الأخير، لدرجة أنّ قضية انفصال كتالونيا ، أصبحت معروفة لدى القاصي والداني. بل اتّضح بالكاشف أن التّرويج الإعلامي واللوجيستي المُتقن للقضيّة استقطب تعاطفا كبيرا في صفوف الرّأي العام العالمي اعتبر قضيتهم “مَظلمة”.

صدى التشنج

   صحيح أنّ الخطوات التي اتخذتها الحكومة الكتالانية في طريق الانفصال كانت فائقة السرعة، وأنّ الرّد من مدريد لم يكن بمستوى الجدّيّة التي تليق بتأثيرات هذا الحدث الجريء، إلّا أنّ الجليّ أن الحكومة الكتالانيّة كانت تواجه خطر كل خطوة بخطوة أخطر، وما التردّد الذي اعترى مواعيد بثّ خطابات رئيسها وجلسات برلمانها على مدار الشهر سوى دليل كاشف لنسق التواصل المُتشنّج بين طرفي النزاع والاتحاد الأوربي (الأب الأكبر). وطِوال هذه المُستجدّات المُتخبّطة على مستوى القرار السياسي سواء في برشلونة أو مدريد، مثّلت تحرّكات الشارع وتفاصيل الروابط الاجتماعية صدًى لهذا التّشنّج. فقد انتشرت بعض مقاطع الفيديو لصدامات عنيفة بين أنصار الانفصال وأنصار الوحدة في الشوارع في كل مناسبة حشد أو بدونها. ورأى فيها المبالغون بدايات الحرب الأهليّة.

 احتقان وعنف مادي التقطته بعض الكاميرات، لكن ما لم تنقله الكاميرات وآثرت القلوب كتمانه (حفاظا على ما تبقى من التوازن المعنوي للمجتمع) هو كمّ الاحتقان الحاصل على مستوى العلاقات الاجتماعية، الأسرية منها والمهنية. فقد أجهزت السياسة على صداقات قديمة وقرابات وثيقة وعكّرت صفو زيجات ثابتة وصلت حدود هدم سقف الودّ على أهل البيت الواحد. أمّا في مواقع التّواصل الاجتماعي فالحرب الافتراضية يشتدّ وطيسها مع تسارع الأحداث. ولكم أن تتخيّلوا قدْر الخصومات المفتوحة والتراشق باللّعنات، لا فقط بين المواطنين، بل بين الشخصيات العامة على اختلاف مجال شهرتها وعلى رأسها رئيسا الحكومتين، اللذان أصبحت تغريداتهما على تويتر مقصد كل متابع لمعرفة مزاج الأزمة.

التململ

  كما هو مُتوقّع وعلى غرار أي مغامرة سياسية، انطلق الاحتقان مع الاستفتاء الذي اعتبره أنصار الوحدة تمرّدا على القانون المركزي واعتبره أنصار الانفصال تحدّيا بهدف إيصال رسالة معنوية لإسبانيا وللعالم. بدأت هذه الخطوة بحماس كتالاني لافتٍ، دام زهاء أسبوع واتّضح فتوره مع تلويح الحكومة المحلية بإعلان استقلال من طرف واحد فقط. وفي ظلّ غموض الرّؤية وعدم المصارحة بكُلفة هذا الاستقلال، دبّ التململ حتى في بعض الصّفوف الواثقة مع تواتر أخبار هروب الشركات من كتالونيا إلى خارجها. هروب كشف أنّ بعضا من رأس المال الكتالاني العريق ذاته تخلّى عنهم. رغم هذا، صمد الشق الأكبر من الانفصاليين في وجه هذه المخاوف، لكن التململ أصبح يتمدّد أكثر بسبب ثبوت يُتْم هذا الاستقلال، فلا إسبانيا نزلت من عليائها ولا الاتحاد الأوربي تحرّج من رفضه القاطع لهذا الاستقلال الأعرج بعد عشرة أيّام من الاستفتاء.

 في الأثناء، وحتى حدود إعلان الاستقلال الحاسم يوم السابع والعشرين، كان حشد الشارع على أشدّه، الانفصاليون يشيدون بأنهم واثقون في قرار حاكميهم باعتبار 90% صوّتوا بنعم للاستقلال يوم الاستفتاء، وأنصار الوحدة يّذكّرونهم بأن هذه النسبة تُمثّل 42.3% فقط من نسبة المشاركة، باعتباره كان رسالة معنوية لا خطوة فعلية في طريق الإعلان عن الاستقلال.

  بعد يوم السابع والعشرين من اكتوبر إذن، توقّع غير الانفصاليين أن سكرة الاستقلال ستمضي، باعتبار تفعيل عقوبة الفصل 155 على المقاطعة وحرمانهم حتّى من مكاسب الحكم الذاتي الذي كانوا يتمتعون به منذ أربعين عاما. إضافة إلى أنّ جمالية معجم الاستقلال الرّنان الذي يطرب له الانفصاليون بات في مواجهة صريحة مع حقيقة السقوط في هاوية التّصدّع الاجتماعي والانهيار الاقتصادي، ومع ذلك توحي التغطية الاعلامية للإقليم أن على “قلوب الانفصاليين أقفالها”، وأنّ الخطوة القادمة ستتمّ ولو كلّف الأمر الجهر بالدعم الإسرائيلي الخفي (الذي يطرب لأي خراب)، أو الروسي (الذي يحلم بأي تصدّع أوربي)، أو الصيني (عملاق الشرق المُتربّص بكبوات الغرب). فيما عدا ذلك، يأتي الدعم الاسكتلندي أو الفنزويلي بطعم الطبطبة لا أكثر. ووسط كل هذه العتمة مازال الخطاب السياسي الانفصالي يتقدّم بنفس الحماس والتّجييش، حتى والرّموز السياسية الانفصالية خارج أرض المعركة في رحلة غامضة الملامح إلى بروكسل، أفلا يتدبّرون؟

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان