مؤتمر الأستاذ عباس

يحكى أن شعباً أصيب بالصمم، وظل الناس يتكلمون في الشوارع بأصوات عالية من دون أن يسمع بعضهم بعضا، ولما أصبح الأمر لا يطاق، استعانت الملكة بأشهر خبير في صناعة وتوجيه الكلام، وطلبت منه البحث عن علاج لمشكلة الشعب الأصم، وبعد سنوات استطاع “الأستاذ” أن يعالج الشعب من الصمم، صار الجميع يسمعون لكنهم فقدوا القدرة على الكلام، في باديء الأمر شعرت الملكة بالسعادة والارتياح، فلا يهمها أن تسمع كلام الرعاع الصاخبين، المهم أن يسمعوا الأوامر والتعليمات وينفذو ها، لكنها مع الوقت شعرت أن الحياة لا تطاق.. حدث ذلك في مملكة سومر القديمة قبل اختراع الكتابة، وبالتالي لم تكن هناك وسيلة للتواصل غير الكلام، لذلك لم يكن هناك من يرد على الملكة، ولا من يطمئنها على ما يحدث في الخارج، ولا من ينافقها ويغذي شعورها بالتفوق، ولا من يشبع إحساسها بالعظمة، فاستدعت “الأستاذ” وأمرته غاضبة أن يسرع في التوصل إلى علاج لهذا الشعب الأبكم، وأمهلته ثلاثة أيام، وتوعدته إذا فشل بمصير توفيق عكاشة وغادة شريف وكل من لا ينفذ التعليمات.
مر اليوم الأول من المهلة، ولم يجد “الأستاذ” حلاً، وفي نهاية اليوم الثاني بدأ يشعر بالقلق والتوتر، حتى توقف عقله عن التفكير، فقرر الهرب للإفلات من العقاب، وشعر ببعض الارتياح عندما تذكر أنه لم ينخدع بحسن معاملة الملكة، وحرص على تحويل أمواله بشكل منتظم إلى حسابه السري في سويسرا، وعند انتصاف الليل تسلل الأستاذ خارجا من القصر باتجاه غابة صغيرة، وبعد أن قطع مسافة قصيرة فوجيء بيدٍ تربت على كتفه من الخلف، فشعر بالفزع والتفت بسرعة، فإذا به أمام مستشار الملكة لشؤون النفاق، وكان ساحراً عجوزاً مشهوراً بالدهاء والحيلة، قال الأستاذ وهو يبتسم بتصنع لم يخف ارتباكه: مساء الخير ماكرام بيه
رد الساحر وثيق الصلة بالعسس الملكي (ماكرام موهاميت أهميت): ماتخافش مني يا أستاذ، أنا لما شوفتك قلت أنصحك نصيحة، وطبعا انت خيرك سابق، وهيبقى لاحق، انت عارف طبعا ان طريق القصر مسحور، يعني آخره هيرجعك لبدايته، يبقى الأحسن إنك تفكر في حل غير الهروب، وافتكر دايما إن اللي علم الشعب الصمت، سهل جدا يرجعه للكلام، وافتكر كمان ان الملكة كانت مخنوقة قبل كده من كلام الشعب، يعني هي بتبحث عن نوع معين من الكلام.. مش كل الكلام.. ارجع القصر وفكر كويس وأكيد هتلاقي حل!
شعر “الأستاذ” بمزيد من الحيرة، لكنه استمع إلى نصيحة المستشار الداهية المسيطر على الهيئات الوطنية للكلام، وعاد إلى جناحه في القصر، ونظر في “روشتة العلاج” التي أدت إلى توقف الشعب عن الكلام.. هل يفعل العكس ويطلب إلغاء قانون التظاهر؟، أو ينصح بعودة مئات المواقع المحجوبة؟، أو يؤكد على ضرورة رفع الرقابة عن الصحف، وتوسيع هامش حرية الرأي في النشر ومواقع التواصل؟، أو يخطر الملكة بضرورة الإفراج عن كل سجناء الرأي والمعتقلين بسبب التظاهر ورفض التنازل عن أرض المملكة؟!
طرد “الأستاذ” هذه الأفكار من رأسه، لأنه كان على يقين أن رأسه لن تكون مكانها إذا تفوه بمثل هذه الكلمات أمام الملكة، لأنه كان يعرف تاريخها جيداً، فالملكة كانت غانية غجرية تعيش على هامش المملكة في صحبة مجموعة من قطاع الطرق المنبوذين، ولما اصيبت المملكة بهذا الداء الغامض، صارت هناك ميزة إيجابية لقطاع الطرق الذين يعيشون على القرصنة في الثكنات البعيدة، وصار من حقهم أن يحكموا الشعب المريض بداء الكلام بلا سمع ولا فهم. عند هذه الذكرى، شعر “الأستاذ” برغبة جارفة في دخول المرحاض، وكانت هذه عادته عندما يصل إلى مرحلة التفكير العميق، وبالفعل بمجرد أن أخذ موقعه على “القاعدة” بدأت الأفكار تنساب بسهولة، فتذكر اللجنة الانتقائية للإفراج عن المحبوسين والتي أبلت فيها العالمة “ناشوا الهوفي” بلاءً نموذجيا أعجب الملكة، فهي تفرج ولا تفرج، تحصل على جائزة الحريات من دون أن تلعب حرية، وانتفض “الأستاذ” من “قاعدته” يجري في جناح القصر، وهو يصيح: وجدتها.. وجدتها
انتبه المستشار لما رأى الأستاذ على هذا الوضع، فابتسم وقال له بهدوء: شكلك فعلا توصلت إلى حل عظيم.. بس ارفع بنطلونك وتعالى نتكلم جوه.
هاه يا استاذ.. هل توصلت إلى علاج للشعب الأبكم؟
سأل المستشار ماكرام، فأجاب الأستاذ بثقة وفخر: توصلت للحل المثالي.. أنت تعلم أن إعادة الشعب للكلام أمر سهل، لكن الملكة لم تكن تريد ذلك، وكانت ستغضب مني أكثر، لقد كنت ابحث عن جراحة ناجحة تعيد الكلام الذي يعجب الملكة فقط، وتمنع الكلام الذي لا تريده.
المستشار: وكيف ستفعل ذلك
الأستاذ: we need to talk
المستشار: نعم؟!
الأستاذ: أيوه.. كلام على مقاس الملكة.. نعمل “كلام تفصيل”، وهذا أمر لا يمكن أن يتم في الشوارع والميادين.. يلزمه غرفة عمليات.. احنا هنعمل مؤتمر للكلام في شرم الشيخ، والملكة تسمع فيه ما تحب، ونمنع عنها ما لا تحب، ونبقى ننقله على الهوا للصعيدي وابن أخوه البورسعيدي ولكل العالم اللي صعبان عليهم “الشعب الأبكم”..
المستشار: يا ابن الحريفة.. جبتها منين دي
الأستاذ: اختراع يا ماكرام بيه.. اختراع من اللي بيعجب الملكة.. لقد اخترعت مؤتمراً*…!!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعبير “اختراع مؤتمر”.. ورد على لسان السيسي في مؤتمر شرم الشيخ، عندما شرح أن فكرة المؤتمر اخترعها شاب من شباب حملته الانتخابية، فالتقط السيسي الفكرة/ الاختراع، وقام بتطويرها.. وهكذا نستطيع أن نفتخر أمام العالم أن لدينا شاباً اخترع مؤتمرا يتحدث فيه الضيوف، وقام رئيس الجمهورية بنفسه بتطوير الاختراع!، وأسند تنفيذه والإشراف عليه إلى “الأستاذ” عباس.
كنت أخطط لكتابة مقال عن الأستاذ سعد الدين وهبة في الذكرى العشرين لرحيله، واستغرقت وقتاً طويلاً في زاوية التناول: هل أكتفي بمواقفه المناهضة للتطبيع مع الكيان الصهيوني، والتي تجلت في قراراته كنقيب للسينمائيين ورئيس لاتحاد النقابات الفنية، ولاتحاد كتاب مصر، ولاتحاد الفنانين العرب؟، أم أركز على انحيازاته الاجتماعية للعدالة والمساواة في مشروعه المسرحي، كما تجلت في المحروسة (الأولى والثانية، وكذلك السبنسة وكوبري الناموس وكفر البطيخ؟، أم أتوقف بالتأمل عند نقده المبكر للفساد الإعلامي وانتهازية مثقفي السلطة كما في سكة السلامة، والذئب يهدد المدينة، أم أستخدمه في نقد العلاقة بين الحاكم والمحكوم كما عالجها رمزيا في عدد من اعماله، اهمها “الأستاذ” التي استلهمتها كأساس لهذا المقال؟
وكما قرأتم فإن علاقة الحاكم بالمحكوم هي التي انتصرت، لكنني ابتعدت عن الكتابة النقدية التقليدية، لأن المساحة لا تتسع لنقد موسع، كما أن رؤيتي لنموذج علاقة المثقف بالسلطة الذي قدمه وهبة في حياته، يحتاج إلى وقت آخر ومساحة أرحب، لأن صاحب أقوى المواقف في مقاومة التطبيع ظل جزءا من سلطة التطبيع لفترة طويلة، ولأن سعد الذي كتب كثيرا في تشريح علاقة المثقفين بالسلطة، كان يعمل من داخل السلطة، بل ويترأس لجنة الثقافة التي يقودها الحزب الحاكم داخل البرلمان، كما أن كتاباته الأدبية والصحفية عن الديموقراطية، اصطدمت في لحظة مع محاولات تمريره للقانون (103) الذي كان ييسر له الاستمرار على رأس النقابات الفنية بالمخالفة للائحة التي تحدد حقه في الترشح لفترات أخرى..!
لكن سعد الدين وهبة، برغم كل نقد يوجه إليه، يظل رمزا للمثقف الذي التزم بمباديء الثقافة الجماهيرية، ورفض الانصياع للقرار السياسي بالتطبيع مع الصهاينة، وحفظ للمثقف وللثقافة مكانة محترمة، ما أحوجنا إليها اليوم.
رحمة الله على سعد الدين وهبة
لعن الله مثقفي السلاطين
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
