العسكر والتكفير: رأي الدِّين في إخوان الشيطان؟!

عندما كان جمال عبد الناصر في زيارة لموسكو سنة 1965 أعلن تفاصيل اكتشاف تنظيم للإخوان المسلمين يسعى لتخريب منشآت وقتل رموز الدولة المصرية حسب زعمه وقتها، وفيما بعد  اعترف أبرز كتاب العهد الناصري وما بعده بأكذوبة هذا التنظيم ووجوده، كهيكل، وموسى صبري، والرئيس السادات في مذكراته، لكن المخابرات الحربية بأوامر من عبد الحكيم عامر أكملت السيناريو لآخره، وكان من ضمن أدواتها إجبار المؤسسة الدينية على الدخول معها على خط التشويه، فصدر هذا الكتاب (رأي الدين في إخوان الشيطان)، وهو كتاب كامل قامت بإصداره وزارة الأوقاف المصرية والتي كان يشرف عليها أحد العسكر، وهو محمد توفيق عويضة، بأمر من المخابرات الحربية ونظام عبد الناصر، والكتاب مملوء بتكفير الإخوان، وإخراجهم من الدين، بل ووصمهم بأنهم محاربون للإسلام، ومن رموز دينية وشيوخ وكتاب، بل ومن رجال الجيش من كتب كذلك يكفر الإخوان، في تأريخ لمرحلة مهمة لمن يريد دارسة بذرة التكفير وكيف نشأت، ليعلم أن من بذر هذه البذرة كان حكم العسكر ومثقفوه.

كاتب تقرير الأزهر في سيد قطب على رأس المكفرين:

والعجيب أن على رأس هؤلاء: محمد عبد اللطيف السبكي الذي كتب التقرير في كتاب (معالم في الطريق) و(جاهلية القرن العشرين) لسيد قطب، فقد كتب مقالا في كتاب (رأي الدين في إخوان الشيطان) جعل عنوانه: (الإخوان المفسدون)، جاء فيه هذه العبارات له إذ يقول: فوضح للناس أنها شرذمة من الغواة، استطاعت أن تغتصب لنفسها التسمية – بالإخوان المسلمين – وعاشت تحت هذا الستار زمنا أفرخت فيه فتنتها.. وظهر للرأي العام يقينا، ومنذ سنوات أنها جماعة هدامة، تناهض مبادئ الإسلام، وتنقض ما رسخ من تعاليمه، وأنها بحق – جماعة الإخوان المفسدين..

وما كان منهم شيء يقره الإسلام، أو يحسب لهم في صالح الأعمال، وإنما هي ألوان تمثيلية خفي علينا مخبرها وراء مظهرها، ونادى في الإسلام بلسان حاله.

وإخوان تخذتهمو دروعا     فكانوها، ولكن للأعادي

وأبناء تخذتهمو سهاما      فكانوها، ولكن في فؤادي

وكذلك كان اصطناع الإسلام قديما عند قوم تظاهروا به في العلانية، وأسرفوا في الكيد له، ولرسول الله، والمسلمين من وراء ستار.. ولكن الله فضح كيدهم، وأحبط كل تدبير لهم، وسماهم المنافقين، وشنع عليهم كما شنع على الكافرين، أو أكثر.

وإذا حسبت أعمال الإخوان المفسدين وجدتها لا تبعد عن أعمال المنافقين، وقد تكون أفحش منها بالنسبة لعصرنا الحاضر.. فالمنافقون كانوا يبيتون في خفاء، ويحاولون التستر بالحيلة والأكاذيب.. ولكن الإخوان المفسدين يجاهرون بشرهم المستطير بعد تدبيره ويستبيحون إراقة الدماء، والفتك بالزعماء الأمناء، ويصدعون بناء المجتمع الآمن، ويشققون وحدة الأمة، ويمهدون لسياسة الأعداء، وتدبير المستعمرين وتنفيذ ما تشتهيه إسرائيل.

ولا يغرك ما رأيت لبعضهم من خطب حماسية في الغيرة على الإسلام، فإنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، وقد أفسدوا وأسرفوا في الإفساد أكثر مما أفادوا، وفتنوا كثيرا من الشباب الأغرار، وحببوا إليهم الإجرام في أبشع صوره.. وزعزعوا ثقة البعض بالبعض في شأنه الدعوة إلى الله حتى لا تكاد تطمئن بعد اليوم إلى من ينصح به أو يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر.. أليس ذلك حربا على الإسلام نفسه، وطعنا في صميمه وصدا عن سبيله.. ذلك لون جديد من ألوان النفاق، يقوم به أولئك الأشقياء، وهو فوق ما سلف أشبه بما كان يعمله المنتمون ظاهرا للإسلام، ثم يدسون بين أهله روح التمرد عليه، ويدسون في كتبه أشنع الأكاذيب على كتاب الله وعلى رسول الله حتى قال الله فيهم جميعا: (هم العدو، فاحذرهم، قاتلهم الله، أنى يؤفكون) ينصرفون. [1]

ناصر ولي أمر شرعي بالإجماع يحرم مخالفته:

ثم تكلم كاتب آخر من الشيوخ عن جمال عبد الناصر ووجوب طاعته، وأنه بويع بالإجماع، فقال: حيث بويع بالإجماع كان ولي الأمر الشرعي لنا، فتجب علينا طاعته. فمن خرج عليه عاصيا وكان أبعد ما يكون عن الإسلام لأن الله تعالى أمر بطاعة ولي الأمر، ونهى عن عصيانه.

فشق عصا الطاعة على ولي الأمر حرام بمقتضى هذا النص الكريم فكيف يسوغ لمسلم أن يرتكب الحرام فإذا ارتكبه مستحلا له فقد كفر لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “من حلل حراما أو حرم حلالا فقد كفر”.

فكل من يخرج على ولي الأمر الشرعي عاص إن اعترف بالحرمة، كافر إن استحل، وإن استحل الخروج يعتبر باغيا يحل قتاله أو تعزيره منعا للفتنة وقمعا لها فالله تعالى يقول: (فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله). [2]

تكفير الإخوان المسلمين وتخوينهم:

وفي مقال كتبه الدكتور محمد محمد السلاموني في الكتاب نفسه، يقول: عصابة الإخوان، أعداء للإسلام، ومتآمرون على الوطن والعروبة، وأذناب أذلاء للاستعمار، وخونة ودعاة هزيمة، كما سولت لهم أنفسهم بارتكاب أفظع الجرائم وأشنعها. زاعما أن ذلك قرار اتخذته ندوة عائلية بعد دراسة واعية ومناقشة حرة، ثم فصل ما قال فبدأ بهذا السؤال: هل أعضاء هذه الجماعة مسلمون؟

ثم أجاب متخيلا أن الإجابة على ألسنة أشخاص في ندوة عائلية، فقال: (حتى انبرى كل واحد يدلل على براءة الإسلام منهم، فقال قائل: أين هم من الإسلام؟ دين السلم والسلام والأمن والأمان والطمأنينة والاطمئنان؟! وقال آخر: كيف نعتبرهم مسلمين وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن والمسلم بقوله: “المؤمن من أمنه الناس والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”. وقال الثالث: كيف نسميهم مسلمين، وقد استباحوا لأنفسهم الاغتيال والقتل العمد، أفظع الجرائم وأشنعها وأشار إلى خلود قاتل العمد في النار في قوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) النساء: 93. وقال الرابع: ألم ينه الله سبحانه وتعالى عن الانتحار حيث يقول: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا) النساء: 30،29. وبالرغم من ذلك كونوا فرقا انتحارية تقوم باغتيال الشخصيات الكبيرة الحاكمة في الجمهورية، وبعمليات النسف والتدمير وأمروا أعضاء هذه الفرق بأن ينتحروا إخفاء لحقيقة أمرهم.

وقال الخامس: كيف يكونون مسلمين وقد بيتوا إرهاب الآمنين من إخوة لهم في الدين والوطن وإلحاق الأذى بهم ولم يردعهم قوله سبحانه: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بتهانا وإثما مبينا) الأحزاب: 58.

وقال السادس: ألم ينه سبحانه وتعالى عن اتخاذ الأصدقاء من أعداء الدين حيث يقول: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون) آل عمران: 118. وألم يقل سبحانه كذلك: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) المائدة: 51. ثم استطرد يقول: إن هذه العصابة منذ انحرفت عصت أوامر الله باتخاذها أعداء الدين والوطن أعوانا وأولياء يأتمرون بأمرهم وينفذون مخططاتهم وأصبحوا أداة صاغرة في يد من يكيدون للوطن. أهم بعد ذلك مسلمون؟ كلا. (أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون) المجادلة: 18. وما أن بلغنا بحثنا هذا الحد حتى صاح صغيرنا يقول إنهم ليسوا بمسلمين لأنهم قد اتخذوا من كتاب الله المكنون خديعة حتى سولت لهم نفوسهم الشريرة أن يخبئوا المسدسات في المصاحف الشريفة، فأيده الجميع بصوت واحد، وبكل إعجاب قائلين: (ليس بعد الكفر ذنب).

وقد أجمع الأعضاء على أنهم غير مسلمين بل كفرة فجرة، بضاعتهم الفتن والضغائن والإحن والإرهاب والفتك (فصدوا عن سبيل الله، إنهم ساء ما كانوا يعملون) المنافقون: 2). [3]

الإخوان رُسُل الخيانة!

وفي مقال تحت عنوان: رسل الخيانة كتب الكاتب هذه العبارات: (إن دعواهم الخبيثة تنهار أمام أي منطق، ولا يبقى إلا السبب الوحيد لنشاطهم المخرب، ألا وهو التآمر وخدمة الرجعية، وضرب الإسلام بضرب قوته، وأبنائه حتى تعود البلاد الإسلامية في حالة من الضعف والركود تمكن الأجانب والمستغلين من فرض سلطانهم وإملاء سيطرتهم مرة أخرى.

إن الإخوان المتآمرين على وطنهم وعشيرتهم ودينهم يريدون باسم الدين – والدين منهم براء – أن يسيطروا على المجتمع بالإرهاب وسفك الدماء، وإشاعة الذعر والخراب.

إن الرجعية أخطبوط رهيب… ومؤامرة الإخوان المنحرفين المارقين عن الإسلام تعتبر ذراعا قطعه الشعب من ذلك الأخطبوط الذي أوشك أن ينفجر كمدا مخلفا وراءه سحابة سوداء من قلبه المريض). [4]

كاتب عسكري يمارس التكفير:

وفي الكتاب نفسه (رأي الدين في إخوان الشيطان)، نجد مقالا لا يختلف عن بقية المقالات التي تكفر الإخوان، فتحت عنوان: (الباغون المارقون المتجرون باسم الدين) كتب المقدم: صلاح الدين عطية، هذا المقال، وفي أربع صفحات كاملة، ظل يملؤها بالآيات التي تقضي بكفر الإخوان، ووصمهم بالخيانة الدينية والسياسية، والعمالة للاستعمار، وتمجيد عبد الناصر. [5]

عبارات سيد قطب نفسها يقولها شيوخ أزهريون:

وفي كتاب (رأي الدين في إخوان الشيطان) كتب أحد الشيوخ الأزهريين، مقالا بعنوان: (خروج الإخوان على الإسلام)، وقد كتب يهاجم سيد قطب والإخوان، ويكفرهم كما نرى من عنوان المقال، بل العجيب أن يقول بأفكار سيد قطب نفسها التي هاجمها، يقول: ومن هذا يتبين لنا أن المسلم الحق هو الذي يحترم الأخوة الإسلامية، ويقدر ما عليه من واجبات، فيحافظ على دم أخيه المسلم فلا يغدر به، ولا يقتله متجاوزا حدود الله، ويحافظ على ماله فلا يبدده، ولا يعرضه للضياع، وعلى مال الدولة فإنه كمال أخيه إذ هو مال جميع المسلمين تجب صيانته، ويحافظ على عرضه وشرفه فلا يلوثه، ولا يقذفه، ولا يرميه بالفاحشة، ولا يحقره أمام الناس، ولا يغتابه، وبصيانة الدم والمال، والعرض يسلم المجتمع، ويستقر، ويعيش في أمن، وطمأنينة، ودعة.

أما من تجاوز هذه المبادئ والحدود فهو ليس بمسلم أبدا لانحرافه عنها، وانخراطه في سلك الغدر بجتمعه، وإبادة ما تقتضيه الأخوة الإسلامية.

فالإخوان المسلمون بأفكارهم الجديدة للإسلام لا يمتون إلى الإسلام بصلة.[6]

كتاب (رأي الدين في إخوان الشيطان) الذي أقوم بعرض مقاطع منه اليوم، هو كتاب قديم مر عليه أكثر من خمسين عاما، ولكن نعيد التذكير به للناس، لأن نفس الهيمنة من الحكم العسكري على المؤسسة الدينية كما هو، ونفس شيوخ العسكر كما هم، لا يختلفون، بل تتغير الوجوه، وتظل نفس العبارات والإكليشيهات كما هي، لتثبت بما لا يدع مجالا للشك، أن أول من بذر بذرة التكفير في المجتمع المصري في العصر الحديث، هو حكم العسكر، وشيوخ العسكر.


[1] انظر: مقال: (الإخوان المفسدون) لمحمد عبد اللطيف السبكي ضمن كتاب: (رأي الدين في إخوان الشيطان) ص: 18،17.

[2] انظر: مقال: (فتنة الاستعمار) لمحمد زكريا البرديسي ضمن كتاب: (رأي الدين في إخوان الشيطان) ص: 35،34.

[3] انظر: مقال: (عصابة الإخوان) للدكتور محمد محمد السلاموني ضمن كتاب: (رأي الدين في إخوان الشيطان) ص: 53-55.

[4] انظر: مقال: (رسل الخيانة) للأستاذ إبراهيم مصباح ضمن كتاب: (رأي الدين في إخوان الشيطان) ص: 74،73.

[5] انظر: مقال: (الباغون المارقون المتجرون باسم الدين) للمقدم صلاح الدين عطية ضمن كتاب: (رأي الدين في إخوان الشيطان) ص: 83-86.

[6] انظر: مقال: (خروج الإخوان على الإسلام) للشيخ حنفي عبد المتجلي ضمن كتاب: (رأي الدين في إخوان الشيطان) ص: 104-107 بتصرف شديد.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان