الأسباب الحقيقية للأزمة الاماراتية – التركية

الصدام المعلن حاليا بين تركيا والامارات ليس الاول على أي حال ، إذ سبقه صدام صامت بين الطرفين
التراشق اللفظي الذى يطغى حاليا على العلاقات الدبلوماسية بين كل من تركيا والإمارات ، بسبب “تغريدة” نقلها عبدالله بن زايد وزير خارجية الإمارات ، تتهم العثمانيين بأنهم استعبدوا الشعوب العربية وسرقوا الأمانات المقدسة ، وأقحم فيها شخص الرئيس التركي بجملة ” هؤلاء هم أجداد أردوغان وتاريخهم مع المسلمين العرب ” ، هذا الجدل المتصاعد يبدو أنه لن ينتهي قريبا ، بعدما أتسعت هوة الخلاف وتدخلت أطراف أخرى فيه ، منهم من يدافع عن الرئيس التركي ، ومنهم من يدلل على عظمة الدولة العثمانية ، وعلى الموقف الشجاع لخير الدين باشا والى المدينة المنورة المعنى بتلك “التغريدة” ، فيما أتجه آخرون لكتب التاريخ باحثين عن إجابة على سؤال أردوغان أين كان أجداد بن زايد فيما كان أجداده هو يدافعون عن مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ، بينما قام البعض بتدشين حملة لدعم موقف وزير خارجية الإمارات الذى وجد نفسه في خضم معركة تاريخية لم يكن مستعدا لها ، ولا قبل له بها .
وبعيدا عن التاريخ، وجدلياته التي تشيع التفرقة والانقسام بين أبناء الأمة الإسلامية، وتبث بينهم سموم الكراهية والعداء لأسباب وأحداث هم ليسوا طرفا فيها بأي حال من الأحوال، فإن قناعات أردوغان الشخصية وتوجهاته الأيديولوجية المتمثلة في إعادة البريق لمجمل التاريخ العثماني الذى يروج له كأحد أهم عوامل عظمة الوحدة الإسلامية ، ومحاولته استنساخ نسخه عصرية منه لتجميع ما يمكن جمعه من ميراث الامبراطورية البائدة ، ولو اقتصاديا وعقائديا ، في مواجهة مؤامرات التقسيم الجديدة التي تواجهها المنطقة ، يبدو أنها أحد أسباب الهجوم عليه واستهدافه بشكل شخصي بعيدا عن بروتوكولات الخصومة السياسية المتعارف عليها ، إذ إن توجهاته تلك أرقت على ما يبدو مضاجع عدد من القادة في المنطقة ، التي باتت ترى فيها خطرا حقيقيا على وجودها كنخب حاكمة ، وحجر عثرة في تنفيذ مخططات غربية وافقت عليها تلك النخب – رغما عن شعوبها – حفاظا على مكانتها ، وضمانا لاستمراريتها في السلطة .
الصدام المعلن حاليا بين تركيا والإمارات ليس الأول على أي حال ، إذ سبقه صدام صامت بين الطرفين حينما قامت الإمارات بدعم الانقلاب العسكري الذى وقع في تركيا في سنة 2016 ، بهدف الإطاحة بأردوغان ومن ثم القضاء على حلمه بإعادة استنساخ الدولة العثمانية مرة أخرى ، وهى المعلومات التي تأكد منها الأتراك من خلال عدد من الرسائل الإلكترونية المسربة للسفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة الذى تبادل بعضها مع صحفي أمريكي يعمل في صحيفة “نيويورك تايمز” حيث ذكر العتيبة : “لا نريد لتركيا كما قطر أن تكون قادرة على تشكيل قائمة طعام فضلا عن القدرة على إدارة الملفات في الاقليم” .
فيما أستلم العتيبة رسالة إلكترونية من جون هانا كبير المستشارين لمؤسسة الفكر المحافظ المؤيدة للكيان الصهيوني، بها مقالا نشره في مجلة الفورين بوليسي قبل وقوع الانقلاب في تركيا بحوالي شهر، جاء فيه: ” لا يمكن استبعاد إمكانية حدوث تدخل عسكري – خاصة إذا ما رافقته معارضة شعبية واسعة النطاق ضد استبداد أردوغان المتصاعد، وتجاهله لدستور تركيا القائم ” وأنه ” ليس من المستبعد أن يستدير الجيش وينقلب على أردوغان حتى ينقذ تركيا من المضي في طريقه الذي يؤدى إلى ” الدكتاتورية والدولة الإسلامية “.
ووفقا لمصادر إعلام تركية مقربة من القصر الجمهوري، فقد ظهر دور الإمارات المشبوه وسعيها لاستهداف تركيا من خلال قيامها بإنفاق 3 مليارات دولار بهدف الإطاحة بأردوغان وحزبه من السلطة، مع تقديم الدعم الكامل للانقلابين في محاولتهم الفاشلة التي جرت يوم 15 يوليو / تموز 2016، وهي المعلومات التي تم تداولها إعلاميا بعد تصريحات لوزير الخارجية التركي مولود شاويش أوغلو، أعرب فيها عن دهشته لقيام دولة – دون أن يسميها – بإنفاق هذا المبلغ من أجل تغيير نظام الحكم فى بلاده.
كما كشفت بعض الرسائل الإلكترونية المسربة لموقع إنترسبت الأمريكي، طلب مؤسسة ” الدفاع عن الديمقراطيات ” وهى إحدى المؤسسات الداعمة لإسرائيل، من السفير الإماراتي ترتيب لقاء مع محمد دحلان أكبر مستشاري ولى عهد أبو ظبى محمد بن زايد، الذى تصفه أنقرة برجل المؤامرات السوداء في الشرق الاوسط، والذى يستهدف رموز الحركات الإسلامية والربيع العربي وتركيا.
فيما أعلن العتيبة صراحة في لقاء متلفز أن بلاده ومعها السعودية ومصر والأردن والبحرين يتوقعون المزيد من النظم العلمانية في المنطقة خلال السنوات العشر المقبلة، معربا عن مخاوفه من أن تركيا، وهي دولة علمانية، أصبحت جزءا من المحور الإسلامي في المنطقة، والذي يمكنه أن يقوض حكم دولة الامارات.
فانضمام تركيا إلى المحور الإسلامي في المنطقة – وفق تسمية السفير الإماراتي – في مواجهة محور العلمانيين الجدد، زاد من قدرة وقوة هذا المحور في التصدي للمحاولات التي تجرى على قدم وساق من أجل تغيير المنطقة، والعبث بالقناعات والموروثات التاريخية لشعوبها، الأمر الذي جعلها تمثل تهديدا حقيقيا لتلك المحاولات والمؤامرات التي تحاك في الغرف المغلقة، ويجرى العمل على تنفيذها سرا وعلانية رغم أنف الشعوب.
ومن هنا كان لابد من شحذ الهمم، والعمل سريعا باستخدام كافة الوسائل المتاحة من أجل تشويه سمعة الرئيس التركي وخلق صورة سلبيه عن ممارساته في السلطة ووصفه بالديكتاتور عبر المنصات الإعلامية العربية والغربية مدفوعة الأجر، ومحاولة خلق نوع من الفوضى في الداخل التركي، إلى جانب دعم تيارات المعارضة التركية، بهدف إبعاد أردوغان عن الصورة تماما، وترك الساحة خالية للاعبين الجدد.
لم يكن قيام أردوغان بوضع تركيا ضمن المحور الإسلامي في المنطقة هو السبب الوحيد لذلك الهجوم الحاد الذى يواجهه ، بل ما زاد الامر سوءا تلك الحملة السياسية والدبلوماسية والشعبية التي يقودها الرجل في مواجهة محاولات تهويد القدس ، والتي قيل إنها إحدى بنود صفقة القرن ، التي وافقت عليها كل من مصر والسعودية ، وفق ما كشفت عنه النقاب القناة العاشرة في التلفاز الإسرائيلي في تفسيرها لقرار الرئيس الأمريكي الخاص بالاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني ، ونيته نقل سفارة بلاده إليها ، وهو ما رفضته تركيا بشكل قاطع ، ذلك الرفض الذى تزامن مع بطء التحرك العربي تجاه القرار ، وما صاحبه من قرارات أعتبرها عدد من المسؤولين في بعض العواصم العربية ذاتها قرارات هزيلة ولا ترقى لمستوى الحدث ، وهو ما وضع القيادات العربية الفاعلة في مأزق حقيقي ، وكشف جزءا من حقيقة ما تم من اتفاقات في الخفاء ، تستهدف تغييرات لا ترضى الرأي العام العربي ولا تُحقق طموحه في العيش بعزة وكرامة .
وقبل هذا وذلك ، لا يمكن تجاهل الموقف الداعم لقطر في مواجهة دول الحصار ، التي سعت للضغط على الدوحة من أجل تغيير مواقفها الداعمة لحركات التحرر وثورات الربيع العربي ، حيث سارعت تركيا بالوقوف إلى جانب قطر، ومساندتها في كسر أهداف الحصار الذى فرض عليها من جانب الأشقاء ، وأرسلت عددا من قواتها العسكرية لمنع تفكير دول الحصار في محاولة التدخل عسكريا وتغيير نظامها السياسي بالقوة العسكرية ، وهو الموقف الذى ساند في دعم القيادة السياسية القطرية ، وفى قدرتها على مواجهة محاولات إخضاع إرادتها السياسية أو تغيير أيديولوجيتها لصالح ما تتبناه دول الحصار من أفكار وسياسات تسعى لتنفيذها على أرض الواقع ، الأمر الذى أدى إلى فشل الحصار فشلا ذريعا ، وزاد من قدرة الدوحة على المواجهة والصمود .
كلها أسباب وعوامل دعت الدول المعنية إلى محاربة الرجل والعمل على تشويهه وتشويه التاريخ الذي يفتخر به، ويسعى من أجل استعادته وبعثه حيا مجددا، الأمر الذي – إذا حدث – سيؤلب الكثير من المواجع على البعض، وسيعنى صحوة لشعوب أُريد لها الدخول في سبات عميق لتنفيذ مخططات تصب في صالح تحقيق أحلام الصهيونية العالمية، وفى حفاظ العلمانيين الجدد على مقاعدهم السلطوية.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
