ليس نظاماً فاشلاً بل متآمراً

نظام السيسي يراه البعض غشيماً لا يملك هذه الخبرات وأراه أنا غشم متعمد، فالدور المكلف به هو الانقضاض النهائي على الحياة السياسية لتهيئة المناخ للدخول في مشروع الشرق الأوسط الكبير

المنطق الإنساني والتاريخي والمجتمعي يقر بأن تطور أو تدهور أي حالة أو مسيرة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، لا بد أن يحمل خطوات متراتبة تصاعديا أو تنازليا إلى أن تصل إلى مرحلة التتويج، والتي غالبا ما تكون مرحلة الحسم والانقضاض النهائي، وهي المرحلة التي يتم اختيار قادتها بعناية وصناعتهم عبر سنوات طويلة في معامل المخابرات ليقودوا المرحلة الأخيرة في حسم أي مخطط تاريخي مثلما حدث مع قادة البريسترويكا في الاتحاد السوفيتي السابق، الذين توجوا الخطوات المتراكمة المتجهة نحو إسقاط الاتحاد السوفيتي وانقضوا عليه بالهجمة الأخيرة.

وهو أيضا ما يحدث في مصر الآن على كافة المسيرات الديمقراطية والوطنية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، حيث تنقسم المؤامرة الكبرى إلى قسمين، قسم يمثل تراكم التدهور التاريخي في هذه المسيرات، والذي يرتبط بعوامل مثيرة مثل الفساد والاحتكار ولكنه يحرص على الاحتفاظ بالثوابت الشكلية للوطن وللشعوب، والقسم الثاني هو قسم التتويج لكل هذه التراكمات، وتظهر فيها الشخصيات التي تم تصنيعها عبر سنوات طويلة في معامل مخابرات الدول الاحتكارية الكبرى لتنقض على هذه المسيرات وتطوقها وتطوعها لخدمة المشروعات الاستعمارية وهذه الشخصيات لا تهتم نهائيا بأي ثوابت للوطن أو للشعوب حتى لو كانت شكلية وتتميز بأنها أكثر وضوحا في أهدفها للنيل من الوطن والانقضاض عليه والعمالة مثلما يحدث في مصر الآن.

وستكون نقطة البداية هي بدء النظام الجمهوري في مصر، وذلك لمناقشة مراحل التدهور في بعض المسيرات ومقارنتها بمرحلة التتويج والانقضاض النهائية التي يقودها في مصر عبد الفتاح السيسي.

•        تدهور المسيرة الديمقراطية

فور أن استلمت سلطة يوليو مقاليد الحكم في مصر زعمت أن الأحزاب السياسية هي أهم أسباب انتشار الفساد في البلاد، وهو ما دفع النظام العسكري فور إعلان النظام الجمهوري إلى ابتكار شكل النظام السياسي الواحد وهو هيئة التحرير الذي أعلن عن تكوينه عام 1953 مع إعلان تحويل نظام الحكم في مصر من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري، وهو الشكل الذي تم تغيير اسمه إلى الاتحاد القومي عام 1957 ثم إلى الاتحاد الاشتراكي العربي عام 1962 عندما أعلن جمال عبد الناصر الالتزام بالنظام الاشتراكي، ورغم ما حققته الحقبة الناصرية من نهوض في مجال التنمية وتأثير في صعود حركة التحرر الوطني، إلا أن الوضع الديمقراطي كان يشهد تدهورا شديدا في ظل وجود نظام الحزب الواحد والبطش الأمني الشديد، وهو ما ساهم بجزء كبير كسبب في نكسة 1967. وظهرت بعد النكسة أصوات تنادي بالتعددية الحزبية حتى مات جمال عبد الناصر وتولى أنور السادات الحكم عام 1970 م.

وما أن تولى أنور السادات الحكم ومع بدء تغير النظام العالمي الاقتصادي نحو الاقتصاد المفتوح، بدأ تفكيره يتجه إلى إحداث متغيرات في المجالين الاقتصادي والسياسي، ولكن هزيمة يونيه 1967 ومرحلة الإنجاز لحرب التحرير التي كان يعد لها النظام جعلته يتمهل في تطبيق رؤيته، وعقب حرب 1973 وتحريك الموقف فيما يخص القضية الوطنية والاحتلال الصهيوني أعلن أنور السادات سياسة الانفتاح الاقتصادي، وبعدها وفي عام 1976 أعلن السادات الانتقال إلى نظام التعددية والتي بدأها بثلاثة منابر، وتحولت إلى أحزاب بعد ذلك، وهي منبر اليمين برئاسة مصطفى كامل مراد ومنبر اليسار برئاسة خالد محي الدين ومنبر الوسط برئاسة ممدوح سالم ثم أنور السادات في 1978 إلا أن هذه الخطوة من أنور السادات لم تكن تحمل جوهرا ديمقراطيا خالصا فقد كان يريد مجاراة النظام العالمي الجديد الذي لم يعد يقبل حكم النظام الواحد ولا مشاركته في النظم الاقتصادية الجديدة، وفي نفس الوقت لم يكن السادات على استعداد للتخلي عن أسلوب حكم الفرد الفاشي النابع من كونه عسكريا، فأعلن نظام المنابر لكي تكون تعددية تحت هيمنة الدولة وسيطرة حزب واحد وهو حزب الدولة الذي بدأ حزب مصر ثم الحزب الوطني الديمقراطي، وظلت الديمقراطية في مصر ديمقراطية شكلية حتى تم اغتيال السادات في المنصة عام 1981وتولى حسني مبارك.

لم يختلف نظام مبارك السياسي كثيرا عن نظام السادات إلا أنه شهد ازدياد مساحة الفساد بشكل كبير مع سيطرة حزب الرئيس (الحزب الوطني) وتطبيق سياسة التكيف الهيكلي والخصخصة غير المرشدة وتحالف رجال الأعمال ورجال الحكم واتساع الهوة الطبقية ومطاردة المعارضين خارج النظام الشكلي الحزبي وازدياد الفقر، الأمر الذي انتهى بثورة الشعب عام 2011.

ولن أناقش فترة 2011 حتى بدء مرحلة حكم عبد الفتاح السيسي فهي فترة رغم أحداثها الكثيرة إلا أنها لم تؤثر سلباً أو إيجاباً على طبيعة النظام السياسي حيث كانت المقدرات طوال الوقت تحت هيمنة أجهزة الدولة العميقة من خلال مؤامرات محكمة منذ بدء الشرارة الأولى لثورة 2011.

•        «السيسي» والمشروع الصهيوني

إلا أنه من المؤكد أن فترة حكم «السيسي» تعتبر فترة مختلفة عن كل الفترات السابقة التي كان يجمعها ثوابت أهمها الحفاظ على الشكل الديمقراطي وترك مساحة من حرية التعبير، ولو كانت محكومة بسقف منخفض، وكانت الأنظمة تتحكم في هذه الأنظمة صعوداً وهبوطاً بحسب المتغيرات على الساحة السياسية، وهذا في ذاته كان يتطلب خبرة من رجال الدولة للتحكم في كل المفاصل المؤثرة في الحياة السياسية، أما نظام السيسي الحالي فيراه البعض غشيماً لا يملك هذه الخبرات وأراه أنا غشم متعمد، فالدور المكلف به نظام السيسي هو الانقضاض النهائي على الحياة السياسية في مصر لتهيئة المناخ للدخول في مشروع الشرق الأوسط الكبير، وهو المشروع الذي يهدف إلى تكوين منطقة واسعة تضم كامل البلدان العربية إضافة إلى تركيا، إسرائيل، إيران، أفغانستان وباكستان، والشرق الأوسط الكبير هو المصطلح الذي أطلقته الولايات المتحدة من خلال رئيسها جورج بوش على المرحلة النهائية للمؤامرة الصهيونية تحت شكل مشروع شامل يسعى إلى تشجيع الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والحقيقة أنه مشروع ينتهي إلى زرع إسرائيل للهيمنة على المنطقة العربية كاملة ليس فقط من النيل للفرات، وهذا ما يفسر الانقضاض الكامل على الحياة السياسية في مصر باستخدام كافة الذرائع، وفي مقدمتها مقاومة الإرهاب الذي فرضته النظم الدولية الكبرى كذريعة متعددة الوظائف لتبرير أي إجراءات فاشية وقمعية أو أي إجراءات تخص السيادة على الأرض في أي بلد يتم اتخاذها لخدمة مشروع الشرق الأوسط الكبير.

وهذا أيضا الذي يفسر الانهيار الاقتصادي المتسارع في هذه الفترة، والذي يبدو متعمداً في إطار خطة تهيئة مصر للدخول في المشروع الاستعماري الصهيوني.

والتحدث عن الانهيار الاقتصادي في عهد السيسي هذا أمر يحتاج مناقشة متعمقة، إلا أن سمات الانهيار تختلف في عهد السيسي  أيضا عن سمات التدهور في ظل كل الأنظمة السابقة منذ عام 1952، ويمكننا ملاحظته في موقف الجنيه المصري منذ عام 1952 حتى الآن، فلم يزد معدل انهيار الجنيه المصري في أي عهد من العهود عن 8.3 في المائة سنويا وكان ذلك في عهد «مبارك» أما في فترة حكم السيسي فقد حقق الجنيه أمام الدولار انهياراً بلغ 60 في المائة في العام وما زال يواصل الانهيار، هذا بالإضافة إلى إغراق مصر في الديون التي لا تعود على الاقتصاد المصري بأي نفع وتستخدم في تسليح أمن النظام والإغداق على رجال الدولة الفاسدين من أهل الثقة، في اعتقادي أن هذا ليس تدهورا أو فشلا طبيعيا بل إنه انهيارا متعمدا للإجهاز على الكيان المصري لدمجه ضمن مشروع الشرق الأوسط الكبير الصهيوني، وأعتقد أيضا أن نظام الحكم الحالي هو نظام مُعد بعناية ومنذ فترة لتنفيذ هذا المشروع الصهيوني… هو ليس نظاماً فاشلاً بل متآمراً.

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان