عسكرة الأسماك (2/3)

بالتزامن مع اعلان الجيش بمصر تأسيس الشركة الوطنية للاستزراع السمكي، تتعرض الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية لمؤامرة تجفيف موارده

فقد خفضت وزارة التخطيط ميزانيتها في الخطة الاستثمارية من 160 مليون جنيه في موازنة 2014/2015 إلى 120 مليون جنيه في موازنة 2015-2016، ثم خفضتها إلى 38 مليون جنيه في موازنة العام الحالي، رغم طلب الهيئة مبلغ 438 مليون جنيه في خطة الموازنة الجديدة .هذا التخفيض يعوق قيامها بدورها الرئيس في تنمية الثروة السمكية وهي الجهة الرسمية الوحيدة في مصر المسؤولة عن تنمية إنتاج المصايد الطبيعية والمحافظة على مخزونها السمكي.

ويبدو أن النظام لا يقنع إلا بتدمير الهيئة تماما، فتم إلغاء “الصندوق القومي لدعم إمكانات الهيئة العامة الثروة السمكية” وهو المفتاح السحري الذى يساعدها في ممارسة عملها، حسب تصريحات رئيس الهيئة في الأهرام بتاريخ 25 يونيو/حزيران 2016. ويلاحظ أن إلغاء هذا الصندوق تم نهاية 2015، وهي الفترة التي شهدت بداية نشاط الاستزراع السمكي للقوات المسلحة. وبحسب رئيس الهيئة فإن خفض المخصصات المالية للهيئة أصاب أداءها بالشلل، وانعكس مباشرة على تنمية المصايد وإنتاج الصيادين.

 

لم يفتتح السيسي مشروعا للاستزراع السمكي شرق قناة السويس فحسب، ولكنه فتح أبواب الاستثمار السمكي واسعة للجيش وكشف عن مشاريع أخري في المستقبل

 

لم يفتتح السيسي مشروعا للاستزراع السمكي شرق قناة السويس فحسب، ولكنه فتح أبواب الاستثمار السمكي واسعة للجيش وكشف عن مشاريع أخري في المستقبل

 

وحتى تكون أثرا بعد عين، وفي الوقت الذي تعاني فيه الهيئة من التهديد بالطرد من مقرها الإداري المؤجر من جهة أخرى رفعت دعاوى قضائية لاسترداده، يصدر مجلس الوزراء قرارا (رقم  2580 لسنة 2016)،  بالاستيلاء على مقر الهيئة الإداري والإرشادي والمعامل المخصصة بمدينة القاهرة الجديدة ونقل تبعيته وملكيته إلى وزارة التنمية المحلية، بالرغم من إنشائه من ميزانية هيئة الثروة السمكية، ما يعني أن النظام يخطط بجدية لإلغاء الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية وتصفيتها لصالح الشركة الوطنية للاستزراع السمكي التابعة للقوات المسلحة.

لم يفتتح السيسي مشروعا للاستزراع السمكي شرق قناة السويس فحسب، ولكنه فتح أبواب الاستثمار السمكي واسعة للجيش وكشف عن مشاريع أخري في المستقبل، فقال “أنا قلت قبل كده من سنة فيه 3 مشاريع للاستزراع السمكى، مشروع اليوم والعمل بمراحله مستمر، وفيه مزرعة فى شرق بورسعيد، ومزرعة فى كفر الشيخ”.

المشروع الثاني الذي صرح السيسي بضمه لمشاريع القوات المسلحة، بعد مشروع شرق قناة السويس، هو مشروع الاستزراع السمكي شرق مدينة بورسعيد، وهي مناطق استزراع سمكي تابعة للهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية مساحتها 23 ألف فدان ويستزرعها مزارعون استأجروها من الهيئة منذ عام 1996 بعقود رسمية، وتكبدوا آلاف الجنيهات في إنشاء بنيتها الأساسية وتوصيل المياه إليها على نفقتهم الخاصة.

في 2010، خصص المخلوع مبارك نصف مساحة المزارعين تقريبا، 12520 فدانا، لصالح المدينة المليونية شرق بورسعيد (قرار جمهوري رقم 222 لسنة 2010)، وحاولت هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة نزع ملكية الأراضي من الهيئة العامة للثروة السمكية وطرد المزارعين، لكن قيام ثورة يناير وتولي الدكتور مرسي الحكم حالت دون تنفيذ هيئة المجتمعات العمرانية قرار المخلوع مبارك.

ومع إصرار العسكر على الاستيلاء على الأرض بعد انقلاب 3 يوليو/تموز، أصدر رئيس مجلس وزراء السيسي قرارا (رقم 1115 لسنة 2015) بإعادة تخصيص مساحة 19751 فدانا بمنطقة شرق التفريعة شرق بورسعيد لصالح جهاز مشروعات الخدمة الوطنية بالقوات المسلحة، مجانا وبدون مقابل، لاستخدامها في مشروعات الاستغلال السمكي، رغم أن هذه الأراضي مملوكة للدولة ملكية خاصة وتتبع الهيئة العامة للثروة السمكية، وهي المنطقة التي يقوم الصيادون باستزراعها منذ عشرين عاما ولم يتخلفوا عن سداد حق الدولة في الانتفاع بالأرض يوما واحد!

ورغم استغاثة مستأجري المزارع السمكية بـالرئاسة، ونقلت صحيفة روزاليوسف استغاثتهم مرتين خلال 2015، في يناير/كانون الثاني، وأغسطس/آب، استولى الجيش على المنطقة وأبلغ اللواء حمدى بدين، رئيس مجلس إدارة الشركة الوطنية لتنمية الثروة السمكية المغتصبة للأرض، المنتفعين بأن الجيش والأجهزة السيادية تحصر وترسم حدود المزارع السمكية شرق بورسعيد وفق قرار جمهوري أصدره السيسي (رقم 330 لسنة 2015)، الصادر لتعديل القرار الجمهوري (222)، وإنشاء المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بمساحة 460 كيلو مترا مربعًا لتشمل منطقة الاستزراع السمكي شرق بورسعيد. وبطبيعة الحال فليس لدى المنتفعين قوة تقف أمام هذا الجيش الكاسح والنسر الجارح واختفى صوتهم في الإعلام تماما؟!

 

 

ويدعي اللواء بدين أن المشروع سيوفر 5 آلاف فرصة عمل مباشرة لأبناء المنطقة، ولم يذكر بدين مشروعا واحدا للقوات المسلحة وظف فيه شبابا مدنيا برواتب وحقوق كاملة خارج التجنيد الإلزامي

 

قرارات الاستحواذ واغتصاب مزارع الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية، وطرد المزارعين الضعفاء لصالح القوات المسلحة والشركة الوطنية للاستزراع السمكي تفند تصريحات قادة الجيش بتوفير فرص عمل للشباب والمدنيين وتتم بمباركة الجنرال السيسي، والذي قال في مداخلة له مع الإعلامي عمرو أديب، ببرنامج “القاهرة اليوم” في 7 مارس/آذار 2016:  “تم عمل 600 حوض للاستزراع السمكي شرق قناة السويس، وأنا بكلمك كده يتم العمل في حوالى 25 ألف فدان للاستزراع السمكي شرق بورسعيد”

الشركة الوطنية، التابعة للقوات المسلحة، بدأت بالفعل توريد الأسماك من مزارع شرق بورسعيد، ويؤكد تجار أسماك في سوق العبور لجريدة العربي الجديد، أن الشركة التابعة للجيش أصبحت أكبر مورد أسماك للسوق.

المشروع الثالث الذي صرح السيسي بضمه لمشاريع القوات المسلحة للاستزراع السمكي وهو يقول: “أنا قلت قبل كده من سنة فيه 3 مشاريع للاستزراع السمكي، في مشروع اليوم والعمل بمراحله مستمر، وفيه مزرعة في شرق بورسعيد، ومزرعة في كفر الشيخ ومزرعة كفر الشيخ هي مزرعة “بركة غليون” بمركز مطوبس، بمحافظة كفر الشيخ.

و”بركة غليون” هي أكبر مزرعة سمكية في أفريقيا، مساحتها 26 ألف فدان، وتتبع الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية أيضا، ويستأجرها الصيادون في قرية برج مغيزل والقرى الخمسة المطلة عليها، بمركز مطوبس بمحافظة كفر الشيخ، وكانت تنتج 200 ألف طن من أجود أنواع الأسماك في العالم سنوياً حتى عام 1978.

أُهملت المزرعة في عهد المخلوع مبارك وتوقف العمل بها رسميا، ولكن ظل الصيادون من أبناء المنطقة يصيدون ويتكسبون فيها حتى خصص محافظ كفر الشيخ في عهد المخلوع مبارك، اللواء أحمد ذكي عابدين، رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، مساحة ألفين فدان فقط لا غير للقوات المسلحة في 2010 لإنشاء مزارع سمكية عليها، لكن ثورة يناير المباركة وتولي الدكتور مرسي الحكم أوقفا التخصيص ورفضه المحافظ، المهندس سعد الحسيني تماما.

في 2015، وبتكليف من الجنرال السيسي، خصص المحافظ أسامة عبد الواحد، المزرعة مرة أخرى إلى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة التي استولت على ألف فدان أخري بجانب الألفين فدان المخصصة في 2010، ثم استولت الشركة الوطنية للثروة السمكية بقيادة اللواء بدين على كامل المزرعة (26 ألف فدان)، بدون حتى قرار تخصيص قانوني جديد لباقي المساحة، لتنعدم فرص صيد الأهالي في المزرعة التي تقع بين 5 قري ضمن القرى الأكثر فقرا، باعتراف اللواء بدين نفسه في الأهرام بتاريخ 19 أكتوبر/تشرين الأول 2016!

ورغم ادعاء رئيس شركة القوات المسلحة للاستزراع السمكي، اللواء بدين، أن المشروع مصري 100%، يقول للأهرام أيضا “إن هذا المشروع يعد أول مشرع عملاق لتنمية الثروة السمكية في مصر وأنه أكبر مشروع يتم بين الصين وأفريقيا خلال 2015-2016 وذلك بشهادة الجانب الصيني الذى يشارك بمعداته وآلاته وخبراته في المشروع، وأن الجانب الصيني لم يتأخر في توريد معداته لنا بل جاءت قبل موعدها” والسؤال الذي لم يجب عليه اللواء، لماذا يتم اغتصاب المزارع السمكية المملوكة للدولة ونزعها من ولاية الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية والاستغناء عن خبرائها لصالح الخبراء الأجانب؟!

ويدعي اللواء بدين أن المشروع سيوفر 5 آلاف فرصة عمل مباشرة لأبناء المنطقة، ولم يذكر بدين مشروعا واحدا للقوات المسلحة وظف فيه شبابا مدنيا برواتب وحقوق كاملة خارج التجنيد الإلزامي بدءا من محطات بنزين الوطنية، مرورا بمصانع مكرونة كوين، حتى مزارع الأمن الغذائي، كما لم يصرح بتمليك نسبة من مساحة المزرعة لشباب الخريجين في المنطقة كما هو الحال في مشروع الاستصلاح الزراعي!

تصريحات اللواء بدين تفند إبعاد الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية عن مهامها في تنمية البحيرات والإشراف على مشاريع الاستزراع بعيدا عن انخراطها في الصيد والتسويق والتصدير، وإنشاء الشركة الوطنية للاستزراع السمكي وتوريطها في الاستزراع والإنتاج والتصدير.

وفي الوقت الذي تستولي فيه القوات المسلحة على المزرعة وتحرم صيادي المنطقة منها، وذكر المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية إن السفارة المصرية في تونس تتابع موقف عدد من مراكب الصيد المصرية المحتجزة هناك بتهمة  الصيد غير المشروع في المياه الإقليمية التونسية في 14 يناير الحالي، وتحاول ترحيل أكبر عدد من المحتجزين على ذمة القضية والبالغ عددهم 16 صيادًا جميعهم من قرية برج مغيزل المطلة على المزرعة، بالرغم من وجود فرصة للصيد في المزرعة لكن القوات المسلحة تحرمهم.

المتحدث صرح بأن السفارة تتابع أيضًا مسار القضية الخاصة بمركب صيد أخرى محتجزة في ميناء صفاقس البحري منذ أكتوبر 2016، وعلى متنها 3 صيادين، ومتهمة أيضًا بالصيد غير المشروع في المياه الإقليمية التونسية.

وفي أكتوبر 2015، ألقت السلطات التونسية القبض على 9 صيادين من قرية برج مغيزل أيضا، ثم أفرجت عنهم بعد 20 يوما وهم في حالة سيئة يعيش فيها ذويهم، واحتجزت مراكب الصيادين بحسب رواية نقيب صيادي كفر الشيخ.

ورغم أن تكاليف البنية التحتية والطرق والمصانع تتم بتمويل من الموازنة العامة لمحافظة كفر الشيخ وخصما من مشاريع المستشفيات والمدارس ومحطات المياه والطرق الحيوية التي تفتقدها المحافظة البعيدة عن أضواء القاهرة العاصمة، ورغم أن الجيش المستفيد الوحيد من المشروع، إلا أنه لا يتحمل ثمن الأرض ولا تكاليف الإنشاءات من موازنته الخاصة عكس ما ادعاه السيسي في حواره مع رؤساء تحرير الصحف القومية عن أن الجيش ينشئ أكبر 3 مزارع سمكية في المنطقة، ضمن مجموعة مشروعات من موازنتها دون أعباء على موازنة الدولة!

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان