أنا الهارب من بلادي!

المشهد :
فرعون في بلاطه يتربع علي كرسي العرش الموشي بالدماء، يرتفع الكرسي بمقدار ما يذل هامات الرجال من حوله
والملأ في ترقب ينتظرون فعله بموسي الذي أتي من بلاد ما خلف البحار ليقف أمام الفرعون يناقشه في ألوهية غيره، كيف يجرؤ هذا الضعيف علي الوقوف بين يدي إله يملك الأرض ويعبث بمستقبلها من شرقها لغربها، بل ويحدد مصيرها من حرب لسلام بكلمة منه، ويدعوه لعبادة إله آخر غيره؟ ليس هذا فقط، وإنما تحرير بني إسرائيل من عبوديته وإطلاق سراح الضعفاء معه ليرحلوا في سلام من أرض الطاغية. حالة من الترقب والصمت والانبهار والخوف من غضب الفرعون وما يتوقع من عقاب يمكن أن ينزله بهذا المهاجر الهارب .
لكن فرعون المختال كالطاووس يقف مستهزئا يضيق فتحتي عينيه ويشير بطرف سبابته ساخرا: ألست أنت ذلك الوليد الذي انتشلناه من الغرق وربيناه فينا؟ ألست أنت الضائع الملقي في صندوق في عرض البحر بعدما نبذتك أرضك وضاقت بك بلادك فخرجت في سفن هالكة هاربا بلا هوية لا تدري لك ملجأ إلا في بلاد النور والحرية ملتمسا الأمان والغني والعلم؟ ثم ألست أنت من ” فعلت فعلتك” قتلت الأبرياء، ونشرت الإرهاب، ولوثت أرضنا بجهلك وتخلفك؟ ألست أنت ذلك الفتي ؟
رفع موسي هامته قائلا في طلاقة لم يكن يتحلي بها من قبل :
نعم أنا الهارب من بلادي المكبلة المدمرة الفقيرة الجاهلة المريضة، أنا القادم إليكم من بلادي البعيدة التي غرستم فيها قنابلكم لتطرح جماجم ترفعون بها عروشكم، قادم بغير هوية لأسألكم غيرها بعدما منعتمونا بسلاحكم وقوتكم حق الاختيار، وحق الأمان، وحق الحياة .
أي نعمة تلك التي تمنها علينا أيها الفرعون “وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل”؟ أنت من اضطررت أمي لإلقائي في اليم بذبحك الآلاف منا صغارا . أنت من انتزعت الأمان من ذويَّ ليحاولوا إنقاذي من جنودك فألقوا بي في اليم علك تمنحني أمانا سرقته أنت من بلادي، نعم يا أيها الملك المجنون.
أنا طريد بلادي ، طريدكم ، ضحيتكم ، دمائي تلك أنتم من سفكتموها، جروحي أنتم صانعوها، أنا المهاجر الذي لم يتخل عن مهمته .
أنا الذي أحمل بين ضلوعي دينا تقاتلونه جهلا، وهوية مزقتموها لتحاسبوني عليها، أنتم أصحاب الخطيئة لا أنا، قتلتم منا الآلاف بلا ذنب إلا لِوَهمٍ في رؤوسكم، وَهْم أنتم صانعوه، بإرهاب مصنوع ببلادكم، ثم أنت تحاسبني أيها الملك أن هربت من الموت إليكم؟ ثم هربت لما خفتكم، ثم ها أنا ما زلت أحمل هويتي في صدري وبها أتحرك تجاهكم، هاربا من أرضي وعروبتي بديني ، أنتم أيها الفرعون من أَبَدْتُم قري بأكملها في أفغانستان بدم بارد، قري كان بها شباب عزل ونساء لا يملكن زاد يومهن، وأطفال قتلتم آباءهم من دون جريرة، وبنات كن يملكن أحلاما لا تتخطي نور الصباح، حَجَبَتْ أحلامهم جيوشكم التي تحجب نور الشمس، وأمهات لم يكن لهن رغبة سوي حماية أبنائهن من رصاصكم الموجه صوب الصدور العارية .
أنتم أيها الفرعون من حرقتم آمالنا في وطن حر ووأدتم أحلامنا في “أبو غريب”. أم أنك لا تذكر أيها الفرعون. أنتم من أجهضتم فينا كل شعور بالرجولة والمروءة حين داسته أقدامكم في أحقر سجن عرفته البشرية : غوانتانامو المخصص لمن لا تستطيعون طيه تحت جناحكم منا، أهوال يا سيدي يندي لها جبين الإنسانية ولست أستطيع ذكرها من شدة هولها، حين عريتم الرجولة فينا لتكسروها فخرجنا نلتمس في بلادكم بعض الرجولة، وبعض الآدمية، وبعض الحياة.
أنتم من أحرقتم سماءنا في حلب والموصل وتعز، وألقيتم علينا براميل محروقاتكم الفاجرة تقتل فينا الإنسانية، وتقتل فينا مجرد الرغبة في الحياة، فجئناكم نلتمس تلك الرغبة علنا نجدها من جديد.
أنتم يا سيدي من سلطتم علينا كلابكم، تحكمنا باسمكم، تجلدنا بأمركم، تفتح سجونها بحمايتكم، وتقتلنا بسلاحكم، أنتم من كلفتموهم بالمهمة، وأطمئنك يا سيدي أنهم يقومون بها كما تريدون وأكثر، فلم تغلقون أبوابكم في وجوهنا بينما خسرنا أكثر من نصفنا في صناديق اليم ونحن في الطريق إليكم؟ لم يكن البحر بنا رحيما، لم يكن مع أطفالنا كريما، فكيف تغلقون أنتم أبوابكم؟ وكيف تمنون علينا بها، وأنتم من أغلقتم دوننا الأوطان؟
أنتم أيها الفرعون من استبحتم أرضنا، وملَّكتُموها لبني صهيون في قلب عروبتنا. أنتم من انتهكتم مساجدنا، وجرفتم مزارعنا، وحرقتم أشجار الزيتون لتغرسوا مكانها الغرقد والشوك والكراهية، أنتم غيرتم المعالم في تل الربيع والقدس وحيفا وعكا، أنتم من وضعتم الحواجز ولجان التفتيش ومنحتمونا في بلادنا هوية ليست لنا، هي أرضنا أيها الفرعون، هي خيراتنا تلك التي تمنحوننا منها البقايا، هي بلادنا تلك التي تغيرون معالمها، هي أوطاننا التي نفر منها إليكم في صندوق باليم، فبم تمن علينا يا أيها الفرعون الساخر؟
أنتم أيها الفرعون من تعيثون في بلادنا فسادا، أنتم من سفاراتكم ومبعوثيكم في تل الربيع العربية تصنعون الانقلابات العسكرية، وتصنعون الحروب الأهلية، وتمنحوننا السفن المتهالكة، وتوجهون رؤوسكم النووية تجاه صدورنا وحدنا.
أنتم الإرهاب أيها الرجل الأبيض الغاضب .
أنتم الطواغيت أيها الفرعون الساخر.
أنتم القتلة أيها الملك المتوج بجماجم الضعفاء.
فأية نعمة تمنها علينا؟ “وتلك نعمة تمنها علي؟” .
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
