نتائج استفتاء تركيا .. قراءة في الأرقام والتداعيات

رغم أن الاستفتاء الحالي، هو خامس استحقاق تصويتي خلال حوالي ثلاث سنوات إلا أن الآثار المترتبة عليه تحديداً سوف تتمدد داخلياً وخارجياً ، على نحو ربما يعيد تشكيل المشهد برمته من جديد
بنسبة مشاركة مرتفعة تخطت ٨٥٪ أعلن الشعب التركي، موافقته على التعديلات الدستورية ، بنسبة ٥١.٤٪ والتي تضمنت تعديل ثماني عشرة مادة، أهمها تلك التي تضمن انتقال نظام إدارة البلاد من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، إضافة إلى مواد أخرى تتعلق بإلغاء المحاكم العسكرية، وخفض سن الترشح، وزيادة عدد مقاعد البرلمان …. إلخ.
وبالرغم من أن النتائج ضمنت إقراراً للتعديلات الدستورية، إلا أنها جاءت على خلاف المتوقع ، إذ توقعت العديد من مراكز الاستطلاع، خروج النتيجة بالموافقة بنسبة من 55 إلى 60% ، فيما كان يتوقع حزب العدالة والتنمية ألا تقل نسبة الموافقة عن 53% .
نتائج الاستفتاء حفزت المعارضة على التشكيك فيها، فيما لمح رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو، خلال مؤتمر صحفي عقب إعلان النتائج، إلى إمكانية اللجوء إلى القضاء طاعناً في بعض الأخطاء التي يرى أنها مؤثرة على سير عملية الاقتراع.
لكن وعلى الرغم من الفرحة العارمة التي عاشها أنصار التعديلات الدستورية ، ليلة السادس عشر من أبريل/نيسان بعد ساعات من حبس الأنفاس، مع توالي فرز الصناديق وتقارب النتائج، فإن قراءة الأرقام التي أسفرت عنها صناديق الاقتراع ، قد تقرب إلينا صورة ما سيؤول إليه الوضع التركي خلال المرحلة المقبلة، وذلك من خلال معطيين رئيسيين الأول : يركز على قراءة الأرقام التي خرجت بها الصناديق ، والثاني : من خلال محاولة استشراف تداعيات نتائج الاستفتاء داخلياً وخارجياً.
لم تسجل الأرقام المعلنة في الولايات المختلفة ، مفاجأة خارجة عن السياق، فولايات الأناضول ومنطقة البحر الأسود انحازت في أغلبيتها، إلى خيار الموافقة بنسب وصلت في بعض الولايات مثل ولاية بيبروت إلى 81% ، فيما سجلت ولاية ريزة مسقط رأس أردوغان 75.5% ، أما ولاية قونيا مسقط رأس رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو فقد سجلت نسبة الموافقة فيها 72.8% .
وفي الطرف المقابل، سجلت ولايات الجنوب، والجنوب الشرقي، والغرب معارضتها للتعديلات بنسب متفاوتة. وبمطالعة الجدول التالي والذي يبين نسب الرفض والموافقة في عموم تركيا ، إضافة إلى المدن الأربع الكبرى أنقرة ، وإسطنبول ، وديار بكر ( كبرى مدن الجنوب الشرقي ذات الغالبية الكردية)، وإزمير ( معقل حزب الشعب الجمهوري) مقارنة بنتائج الانتخابات البرلمانية في نوفمبر/تشرين الثاني 2015 ، ونتائج الانتخابات الرئاسية في أغسطس/آب 2014
|
المدينة |
الرئاسية 2014 |
البرلمانية نوفمبر 2015 |
استفتاء أبريل 2017 | ||||||
|
أردوغان |
إحسان أوغلو |
دميرطاش |
العدالة والتنمية |
الشعب الجمهوري |
الحركة القومية |
الشعوب الديمقراطي |
نعم |
لا | |
|
عموم تركيا |
٥١.٧٪ |
٣٨.٤٪ |
٩.٧٪ |
٤٩.٥٪ |
٢٥.٣٪ |
١١.٩٪ |
١٠.٧٪ |
٥١.٤٪ |
٤٨.٦٪ |
|
أنقرة |
51.3% |
45.2% |
3.4% |
49% |
30.4% |
14% |
4.4% |
48.85% |
51.15% |
|
اسطنبول |
49.8% |
41% |
9.9% |
48.95% |
30% |
10.2% |
8.5% |
48.65% |
51.35% |
|
إزمير |
33.3% |
58.6% |
7.9% |
31.7% |
45.9% |
11.2% |
8.9% |
31.2% |
68.8% |
|
ديار بكر |
33.4% |
2.3% |
64.1% |
22.3% |
1.9% |
— |
71.3% |
32.4% |
67.5% |
يتضح لنا التالي:
- تفوق نسبة الرافضين على المؤيدين ، في كل من أنقرة وإسطنبول ، وإن بفوارق بسيطة ، مثَّل مفاجأة كبيرة ؛ إذ من المعروف أن الولايتين يحظى فيهما حزب العدالة والتنمية بتفوق ملحوظ ، تعكسه أرقام الجدول السابق، بل إن بلديات معروفة في إسطنبول بدعمها للحزب الحاكم مثل الفاتح وبشاكشاهير واسكودار وغيرها جاءت نتائجها مخيبة للتوقعات ، في حين سجلت البلديات المعروفة بدعمها لحزب الشعب الجمهوري مثل شيشلي وبيشكتاش وكاديكوي نسب رفض مرتفعة.
- مدينة ديار بكر معقل حزب الشعوب “الكردي” ، رغم تصويتها لصالح الرفض إلا أن الملاحظة المهمة ، ارتفاع نسبة تأييد حزب العدالة والتنمية بنحو ١٠٪ عن انتخابات نوفمبر ٢٠١٥ ، وهو أمر لم يكن قاصراً على ديار بكر وحدها بل امتد إلى معظم ولايات الجنوب الشرقي ذات الكثافة الكردية ، التي لعبت دوراً بارزاً في ترجيح كفة ” نعم” في عموم تركيا.
- يلاحظ التقارب الشديد بين نتيجة الاستفتاء ونتيجة الانتخابات الرئاسية التي فاز بها أردوغان في ٢٠١٤، وواجه فيها أكمل الدين إحسان أوغلو الذي كان مدعوماً من حزبي الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية، إضافة إلى مرشح حزب الشعوب ” الكردي ” صلاح الدين دميرطاش ، كما تتقارب نتيجة الاستفتاء أيضاً مع النسبة العامة التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية في آخر انتخابات برلمانية ، ما يعني أن تأييد حزب الحركة القومية للتعديلات، لم يصنع الفارق الذي كان يُعول عليه، الذي على أساسه توقع كثيرون أن تتراوح نسبة التأييد ما بين ٥٥ إلى ٦٠٪ ، بل من الواضح أن غالبية القاعدة الانتخابية للقوميين اختارت التصويت بـ ” لا ” .
- كما تعكس النتائج، وخاصة المسجلة في أنقرة وإسطنبول ، تصويت جزء، ولو صغيراً، من قاعدة العدالة والتنمية الحزبية والجماهيرية لصالح الرفض ، وهو أمر كان يتوقعه البعض ، لكن من المستبعد أن يتطور ذلك إلى حدوث انشقاقات أو تصدعات في المستقبل.
رغم أن الاستفتاء الحالي ، هو خامس استحقاق تصويتي خلال حوالي ثلاث سنوات إلا أن الآثار المترتبة عليه تحديداً سوف تتمدد داخلياً وخارجياً ، على نحو ربما يعيد تشكيل المشهد برمته من جديد.
فعلى صعيد الخارج، وفي الوقت الذي توقع فيه كثيرون أن تهدأ حدة التوتر بيت تركيا وأوربا ، لا يبدو أن ذلك سيتحقق على المدى المنظور ، إذ يقف الطرفان على أعتاب أزمة جديدة ، إذ قابلت أوربا نتائج الاستفتاء بالحديث عن انتهاكات وخروقات شابت عملية الاستفتاء، بناء على تقرير بعثة مراقبين أوربية، رد عليها أردوغان رداً عنيفاً في حشد جماهيري بالقصر الرئاسي مساء اليوم التالي للاستفتاء، مؤكداً أنه لن يلتفت إلى تلك التقارير ، بل ومهدداً بإمكانية اللجوء إلى استفتاء شعبي لسحب ملف تركيا من الانضمام إلى الاتحاد الأوربي ، وأعاد التذكير بالاعتداء على أفراد من الجالية التركية بهولندا، مؤكداً أنه لن يمر بسهولة ، ومن هنا فإن الأيام المقبلة قد تشهد مزيداً من التصعيد المتبادل ، على العكس من العلاقة مع الولايات المتحدة ، التي بادر رئيسها دونالد ترامب إلى الاتصال بأردوغان مهنئاً إياه بنتيجة الاستفتاء ، الأمر الذي ينتظر انعكاساته على الملف السوري ، خاصة فيما يتعلق بإنشاء المناطق الآمنة .
وعلى صعيد العمل العسكري ، فقد ألمح أردوغان إلى احتمالية القيام بعمليات أخرى مشابهة لدرع الفرات، التي أكد أنها لن تكون الأخيرة ، والوجهة المحتملة للعملية الجديدة هي سنجار في شمال العراق حيث يتمركز حزب العمال الانفصالي، وسبق وأكدت أنقرة أنها لن تنتظر حتى تتحول البلدة إلى جبال قنديل أخرى .
لكن على صعيد الداخل، فإن تغييراً كبيراً ينتظر جميع الأحزاب التركية الكبرى دونما استثناء، فحزب العدالة والتنمية سيشهد وفق التعديلات الدستورية، عودة أردوغان إليه نهاية الشهر الجاري ، حيث من المنتظر أن يتسلم دفة القيادة بصورة رسمية، ويتحتم عليه أن يبدأ حركة تجديد واسعة داخل صفوف الحزب، لمعالجة أوجه القصور التي أدت إلى التراجع في معاقل الحزب التقليدية ، والاستعداد للانتخابات البرلمانية والرئاسية عام ٢٠١٩.
أما حزب الشعب الجمهوري فتبدو أزمته عميقه في ظل قيادته الحالية بقيادة كمال كليتشدار أوغلو ، الذي فشل في تحقيق أي فوز على مدار ما يقرب من سبع استحقاقات انتخابية، والتحدي الذي يواجه الحزب في قدرته على اختيار رئيس جديد، في ظل إصرار كليتشدار أوغلو على الهروب إلى الأمام ، عبر تصعيد ما يعتبره تزويراً شاب عملية الاستفتاء، والتلميح باحتمالية اللجوء إلى المحكمة الدستورية العليا، والمحكمة الأوربية ، لكن حتى لو قرر الحزب الذهاب إلى انتخابات داخلية فإن ثمة مشاكل حقيقية ستواجهه في اختيار الرئيس الجديد.
كما أن النتائج أوضحت عدم سيطرة رئيس حزب الحركة القومية دولت بهشلي على قواعد الحزب ، في ظل قناعة كثير من الأتراك المؤيدين للعدالة والتنمية ( استمعت إلى بعض منها) أن الحزب القومي خذلهم، بل وصوت أعضاؤه ضد التعديلات، ومن هنا فإن حركة الإطاحة ببهشلي قد تشتعل مرة أخرى ، بعد هدوئها عقب محاولة الانقلاب الفاشلة.
أما حزب الشعوب الديمقراطي ( الكردي) فيعيش أزمة كبيرة ، بعد سجن كثير من قياداته وعلى رأسهم الرئيسان المشاركان صلاح الدين دميرطاش ، وفيجين يوكساكداغ، على خلفية اتهامات بالارتباط مع حزب العمال الكردستاني، فهل يعدل الحزب من مساره ويراجع مواقفه السابقة؟ أم تتغلب التحيزات الإيديولوجية على المصالح العليا للحزب؟!
الموافقة على التعديلات، قد تمنح لأردوغان فرصة ، لبناء إستراتيجية جديدة لحل المشكلة الكردية، في ظل توفر متغيرين مهمين الأول يتمثل في زيادة نسب التأييد لحزب العدالة والتنمية في المدن الكردية المؤيدة لحزب الشعوب مثل ديار بكر وهكاري وشرناق..إلخ ، إضافة إلى المدن الكردية الأخرى المعروفة بتأييدها للعدالة والتنمية مثل غازي عنتاب وبنجول وشانلي أورفة وغيرهم. ، أما المتغير الثاني فيتمثل في ضعف قدرات حزب العمال بعد الحملة العسكرية الناجحة والمستمرة في الداخل التركي ، والتي أدت إلى إضعاف التنظيم عسكرياً بصورة كبيرة ، ومحاصرته خاصة عقب التدخل العسكري التركي في الشمال السوري، الذي مثل رافداً مهماً للإعداد للعمليات الإرهابية التي ضربت المدن التركية المختلفة
وبالجملة فإن السادس عشر من أبريل/ نيسان يعد بمثابة التأسيس الثاني للجمهورية التركية ، وستطول تداعياته الداخل والخارج ، لكن يبقى من الضروري ، المسارعة بطرح مزيد من الخطط والرؤى ، تقنع المؤيد والمعارض على حد سواء أن التعديلات الدستورية ، كانت هي الخيار الأنسب .
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
