حقوق الفقراء في فقه الإمام ابن حزم

تباينت ردود الفعل في مصر على ما سُمِّيَ بـ (انتفاضة التموين) ما بين مشجع ومؤازر ومطالب بحقوق الفقراء ومساندتهم، وما بين سابّ وشاتم بأنه لا خير فيمن يثور لبطنه؛ إذ لم يثر للدماء والأعراض والكرامة والحرية!

ونحن هنا لسنا بصدد الحكم على أحد من الرأيين، ولكن بصدد الحديث عن حقوق الفقراء عند الأغنياء وعند المجتمع، وربما لا يعلم الكثيرون أن للإمام ابن حزم الظاهري فكرًا اقتصاديا متميزا يستحق الاستقصاء والدراسة والإفادة منه؛ حيث يبين فيه حق الفقراء وواجبهم نحو هذا الحق، وينصفهم فيه من الأغنياء، ويعيد إليهم اعتبارهم بما أعادته إليهم شريعة الإسلام الغراء.

وسأقتصر فقط في بيان هذا الفقه العظيم على موضع واحد فقط، ومن كتاب واحد فقط لابن حزم، وهو مدونته الفقهية العبقرية (المحلى بالآثار) في نهاية كتاب الزكاة من الفقرة (725).

القيام بالفقراء واجب الأغنياء

في البداية يرى ابن حزم أن القيام بحق الفقراء وكفالتهم فرض على الأغنياء، وللحاكم أن يجبر الأغنياء على ذلك حتى لو لم تكفهم الزكوات فيفرض على الأغنياء وظائف مالية أخرى بما يحقق كفاية الفقراء، قال: (وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك، إن لم تقم الزكوات بهم، ولا في سائر أموال المسلمين).

بل ذهب ابن حزم في ضبط حد الكفاية بأن يتوفر لهم (ما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر، والصيف والشمس، وعيون المارة). فهل بلغت شريعة أخرى أو قانون أرضي هذا المبلغ من توفير العفاف والعيش الكريم للفقراء؟!

واستدل لذلك بقول الله تعالى: {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل}. وقوله تعالى: {وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم}.

قال ابن حزم: (فأوجب تعالى حق المساكين، وابن السبيل، وما ملكت اليمين مع حق ذي القربى، وافترض الإحسان إلى الأبوين، وذي القربى، والمساكين، والجار، وما ملكت اليمين .. والإحسان يقتضي كل ما ذكرنا، ومنعه إساءة بلا شك؟ وقال تعالى: {ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين} . فقرن الله تعالى إطعام المسكين بوجوب الصلاة).

واستدل لذلك من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق كثيرة في غاية الصحة أنه قال: {من لا يرحم الناس لا يرحمه الله}.

قال ابن حزم: (ومن كان على فضلَةٍ ورأى المسلمُ أخاه جائعًا عريانَ ضائعًا فلم يُغثه – : فما رحمه بلا شك).

للفقراء أن يقاتلوا دون حقوقهم

ومن عجائب الفقه الاقتصادي وإنصاف الفقراء عند ابن حزم أنه فرض على الفقراء أن يقاتلوا دون حقوقهم، قال: (ويقولون: من عطش فخاف الموت ففرض عليه أن يأخذ الماء حيث وجده وأن يقاتل عليه . قال أبو محمد – يعني ابن حزم – : فأي فرق بين ما أباحوا له من القتال على ما يدفع به عن نفسه الموت من العطش، وبين ما منعوه من القتال عن نفسه فيما يدفع به عنها الموت من الجوع والعري. وهذا خلاف للإجماع، وللقرآن، وللسنن، وللقياس).

بل ذهب ابن حزم إلى تحريم أكل الميتة عليه أو لحم الخنزير وهو يجد طعاما فيه فضل عن صاحبه سواء أكان هذا مسلما أم ذميا!!؛ حيث إنه والأمر كذلك يعتبر خارج حالة الضرورة، قال: (ولا يحل لمسلم اضطر أن يأكل ميتة أو لحم خنزير وهو يجد طعاما فيه فضل عن صاحبه، لمسلم أو لذمي؛ لأن فرضًا على صاحب الطعام إطعامُ الجائع، فإذا كان ذلك كذلك فليس بمضطر إلى الميتة ولا إلى لحم الخنزير – وبالله تعالى التوفيق).

مانع الحق باغٍ ويجب قتالُه

ومن عجيب فقه ابن حزم في حقوق الفقراء أنه أباح لهم قتال من يمنعوهم حقوقهم، بل ذهب إلى أن الفقير إذا قُتل فعلى القاتل القصاص، وإذا قُتل المانع فدمه هدر؛ لأنه طائفة باغية ومنع حقا، يقول: (وله أن يقاتل عن ذلك، فإن قُتل – يعني الفقير – فعلى قاتله القود، وإن قُتل المانع فإلى لعنة الله؛ لأنه منع حقا، وهو طائفة باغية، قال تعالى: {فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله}. ومانع الحق باغٍ على أخيه الذي له الحق، وبهذا قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه مانع الزكاة – وبالله تعالى التوفيق). أ.هـ.

بهذا يتبين ما وضعه الفقه الإسلامي عند إمام من أئمته للفقراء من حقوق، ومن بيان لواجباتهم نحو تحصيل هذه الحقوق، وهو ما يجعل الفقير مرفوع الرأس في المجتمع، حرا أبيا كريما، يطالب بحقه دون أن يحسب ذلك صدقة من أحد إليه أو منة منه عليه، وإنما هو حقه المقرر الذي يجب عليه أن يقاتل دونه.

ما لم يذكره ابن حزم

وإذا كان فقيهنا العبقري ابن حزم قرر أنه (فرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك، إن لم تقم الزكوات بهم، ولا في سائر أموال المسلمين) فإن هناك مسألة مهمة لم يذكرها ابن حزم؛ لأنها لم تكن في عصره، وهي إذا منع الحاكمُ نفسُه حقَّ الفقراء، واستأثر بالمال له ولنظام حكمه فماذا يفعل الفقراء؟!

في هذه الحالة تكون أسباب المطالبة بالحق والقتال دونه أعظم وأكبر؛ إذ يجتمع في ذلك أمران: أمر منع الحاكم المستبد الفاسد المفسد من فساده وأطْره على الحق أطرا، وأخذ الفقراء حقوقهم منه كما يأخذونها من الأغنياء؛ إذ إن فعل السلطان أو الحاكم أعم فسادا وأعظم خرابا من فعل الأغنياء؛ ذلك أن دوائر آثار فعل الحاكم أوسع بكثير من فعل أفراد الرعية. والله تعالى أعلم.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان