كيف تحول الزواج في السودان إلى قضية سياسية؟

دعوة البشير أثارت رود افعال هائلة، على مواقع التواصل الإجتماعي، وفتحت المجال واسعاٌ لاستدعاء مذاهب غير معمول بها
ليست هى المرة الأولى التي يبدي فيها الرئيس السوداني عمر البشير اهتمامه بأمر الزواج، ويقدم نصائحه للحد من ارتفاع نسبة الطلاق وسط السودانيين، وحثهم على التعدد لمحاربة تفشي العنوسة، بجانب مطالبته المتكررة برفع القيمة المادية لـ(مؤخر الصداق) ليكون بمثابة استحقاق للمرأة، أو فوائد ما بعد الخدمة، على ما وصفه .
دعوة البشير أثارت رود افعال هائلة، على مواقع التواصل الإجتماعي، وفتحت المجال واسعاٌ لإستدعاء مذاهب غير معمول بها، لكنها قطعاً لا تنفى حقيقة دامغة وهى أن الزواج في السودان نفسه يختلف من قبيلة إلى أخرى، وتتحكم فيها الثقافات المتباينة، بل يصعب أن تتنزل طقوسه كمراسيم جمهورية .
لم يكن أحد يتصور -على الإطلاق- أن يتحول مقترح تعديل في الدستور بخصوص (زواج التراضي) إلى صراع سياسي كاد يفسد حفل مشروع الحوار الوطني، وهذا ما حدث بالفعل عندما اقترح حزب المؤتمر الشعبي الذي أسسه الزعيم الراحل حسن الترابي تعديل دستوري يقضي بإمكانية زواج الشاب والشابة دون الحصول على إذن ولي الأمر، طالما بلغا السن القانونية. هنا ثارت عليهم ثائرة علماء الدين قبل أن يتدخل الرئيس البشير ويطلق على المقترح رصاصة الرحمة ، ويحوله بسهولة إلى مجرد وجهة نظر غير مُلزمة .
المزاوجة بين رفض زواج التراضي ورفع قيمة مؤخر الصداق من جنيهات معدودة إلى ملايين الجنيهات، هى القضية التي شغلت وسائل الإعلام خلال الأسابيع الماضية، وانتقلت إلى منابر المساجد، لينبري تيار داعم للشق الأول المتعلق بسحق مقترح حزب المؤتمر الشعبي، ورافض لرفع قيمة مؤخر الصداق، ومعظمهم بالضرورة من الرجال، الذي يشعرون بأن زيادة المؤخر ليصل مثلاً إلى نحو خمسين ألف دولار سيضع سطوتهم على المحك، وربما يكون بالأساس دافعاً لعزوف شباب آخرين عن الزواج، بل أن الهاجس الأكبر، والذي لا يمكن التغاضي عنه هو ماذا لو لجأت بعض النساء للتخلص من أزواجهن بأي حيلة للحصول على مؤخر الصداق، والذي يمكن أي يصنع منهن سيدات أعمال ؟!
لم يسلم وصف (مؤخر الصداق) باعتباره “فوائد ما بعد الخدمة” من الرسومات الكاريكاتورية، والتي أظهرت بخطوط ساخرة جموع المطلقات وهن يصطفن قبالة صندوق المعاشات الزوجية، وبالمقابل يظهر الرجال بروح منكسرة معلقين على منصات المحاكم، ورغم الطابع الدرامي للجدل، إلا أن التمهيد الرسمي يمضي إلى هذا الحتف، لا سيما وأن دعوة البشير وضعت المقترح في حيز الأمر الرئاسي واجب التنفيذ، وانطلقت من مبدأ انصاف المرأة، وحمايتها من الضياع .
من المفارقات المدهشة أن كل ما يدخره الرجل السوداني من أموال، أو جله -على الأقل- يبدده في مراسم زواجه المترفة، ويكون ذلك برغبة أهل العروس، ومثار حفاوتهم، فينطلي الإحساس الخادع بأن المبالغة في تكاليف الزواج تحمل تقديراً لمكانتهم الاجتماعية، لكنهم أبداَ لا يحرصون على وضع مؤخر الصداق كشرط في قسيمة الزواج – وأنا شخصياً لا أمتلك أي تفسير لهذا – إلا كونه نوع من التفاخر المؤقت الذي يجسد عدم حرصهم على مستقبل ابنتهم !
إذن الهاجس الأكبر لدى الأسر يتعلق بقدرة الشاب المتقدم لخطبة ابنتهم على إنجاز زواج ارستقراطي وباذخ يبدا بالمهر العالي والقناطير المقنطرة من الذهب والحفل البهيج وينتهي بشهر عسل في أي عاصمة أوربية، وهنا تنتصر اللحظة العابرة على روح الدين .. وبالتالي يمكن ببساطة أن تسقط أي دعوة لتسهيل تكاليف الزواج ورفع قيمة مؤخر الصداق، خصوصاً وأن السودانيين لديهم حساسية مع كل ما من شأنه أن يأخذ منحى سياسي، أو بالأحرى أي قرار يريد أن يحدد لهم كيف ومتى يتزوجون ويطلقون .
لو حاولنا أن نقترب أكثر من المنطقة الساخنة فهى لا تتعلق بزواج التراضي، أو مؤخر الصداق، ولكنها تتصل بجملة مؤشرات، أخطرها ارتفاع عدد النساء في السودان خلال الأعوام الخمسة الأخيرة لتصل إلى أكثر من 18 مليون امرأة تقريباً، فيما يقدر عدد النساء المتزوجات بـ6 ملايين و375 ألفًا، في وقت أعلنت فيه المنظمة الوطنية للأرامل واليتامى ارتفاع عدد الأرامل المسجلات في العاصمة الخرطوم وحدها إلى أكثر من سبعة آلاف أرملة، وترمي هذه الإحصاءات إلى أزمة عميقة تتعلق بنقص في الرجال عموماً، وبصورة أكثر الذين يتوقون للزواج، وبالتالي يسهل أن تحول أي شروط تعسفية دون إكمال نصف دينهم .
لا خلاف أبدا بين حزب الأمة الذي يقوده الإمام الصادق المهدي والمؤتمر الشعبي فيما يتعلق بزواج التراضي، ومع ذلك غض المهدي الطرف تماماً لكي لا يبدو داعما لخصم قديم، كما أنه أيضاً لا خلاف بين الرئيس البشير واليسار السوداني بخصوص تضمين شرط يكفل للنساء كافة حقوقهن المادية عند الطلاق، ومع ذلك لم تصدر منهم حفاوة وترحيب بدعوة البشير، وربما – وهذه ليست مجازفة بالظن- أن المشكلة فقط في صاحب الاقتراح
إذن فإن الزواج في السودان تحول إلى قضية سياسية، بحيث يتبنى حزب المؤتمر الشعبى الإسلامي دعوة تتوافق مع دعوات ليبرالية فيما يخص حق المرأة في اختيار شريك حياتها، وتتنتصر في المقام الأول لأصل الدين، لكنها تطعن في شرف مجتمع وقبيلة يحاول الحزب الحاكم الذود عن حياضها.
وهنا تتعقد المسألة شيئاً فشيئاً .
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
