الجانب الآخر من زيارة السيسي إلى ألمانيا

وفق وزيرة الاقتصاد الألماني، فإن الاستثمار لن يأتي لمصر في ظل وجود هذا التشدد الأمني الكبير، وقالت الوزيرة الألمانية في هذا الصدد :”إن الأمن وحدة لا يدعم مجتمعا

خلت زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى ألمانيا هذه المرة، من مظاهر الصخب،  والضوضاء التي تصحب زيارته عادة، فلا فنانين،  ولا رجال مال،  ولا أي مظهر من مظاهر الدعاية التي ترافقه عادة في زيارته الخارجية، من Hجل إظهار الدعم والولاء له أمام الإعلام الغربي.

السيسي ترك القاهرة وهي مشتعلة بسبب الإصرار على مناقشة قضية سعودة تيران وصنافير في البرلمان المصري،  رغم أن هناك حكما قضائيا باتا ونهائيا صادر من أعلى محكمة قضائية مصرية بأحقية مصر في الجزيرتين،  وفضل المشاركة في القمة المصغرة التي دعت إليها المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل للشراكة في أفريقيا.

إذا كانت نسمات صيف ألمانيا الباردة داعبت وجوه الوفد المصري عندما حطت طائراتهم في برلين،  فإن زوابع وعواصف رمال قضية تيران وصنافير عكرت مزاجهم،  وأقلقت مضجعهم في ألمانيا، فقد طغت أخبارالجزيرتين على أخبار الزيارة رغم أن السيسي قابل عددا من المسؤولين الألمان الكبار،  علي رأسهم المستشارة الألمانية ميركل طالبا المزيد من الاستثمارات ، وعودة السياحة الألمانية إلى مصر كسابق عهدها.

ألمانيا ترحب طبعا بالتعاون الاقتصادي مع مصر، لأنه يعود بالفائدة بالدرجة الأولى عليها،  لذلك فإنه يلاحظ أن هناك تناميا متزايدا في حجم الاستثمارات بين البلدين، ووفق السفير المصري في ألمانيا بدر عبد العاطي فإن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ 5.567 مليارات يورو في العام الماضي، بزيادة قدرها 10% عن عام .2015 كما وصلت قيمة الاستثمارات الألمانية في مصر حتى يناير/كانون الثاني الماضي نحو 619.2 مليون دولار في قطاعات المواد الكيميائية، وصناعة السيارات، والاتصالات، والحديد والصلب، والنفط والغاز، والأدوات الصحية، ومكونات السيارات.

التشدد الأمني

ألمانيا أيضا تسعي إلى مزيد من الاستثمارات مع الجانب المصري، ووفق “بيرجيتا تسيبريز” وزيرة الاقتصاد الألماني، فإن الاستثمار لن يأتي لمصر في ظل وجود هذا التشدد الأمني الكبير، وقالت الوزيرة الألمانية في هذا الصدد :”إن الأمن وحده لا يدعم مجتمعا مزدهرا”،  ونبهت أيضا الساسة المصريين في مؤتمر صحفي إلى أن الاستقرار والنمو يجب أن يرتبطا بمجتمع وحوار منفتحين،  وبسيادة القانون،  والتعددية الدينية.

تحرص ألمانيا دائما على تذكير النظام المصري،  بأنه إذا كان جادا في جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية فإن عليه العمل على تعزيز سيادة القانون،  وإتاحة المزيد من الحريات الدينية،  ومراعاة حقوق الإنسان.

في هذا الإطار تحرص الصحافة الألمانية دائما على استقبال السيسي بتذكيره بملف حقوق الإنسان المصري،   وتراجع الحريات في مصر،  والتشدد الأمني،  وإغلاق المراكز الحقوقية في البلاد،   فقد نشرت جريدة ” دي تسايت” مقالا بمناسبة هذه الزيارة قالت فيه: إن سجون مصر تزدحم بأكثر من 60 ألف مسجون سياسي،  بعضهم زج بهم في السجون دون أي محاكمة،  كما أن هناك 7.400 شخص من المدنين فقط قد تم إحالتهم إلى محاكمات عسكرية في سنة 2014 ، ونبهت الصحيفة إلى تقرير مؤسسة هيومن رايتش واتش الذي ذكر أن هناك أعمال تعذيب مريعة تجري في السجون المصرية، وقالت الصحيفة إن حرية الصحافة في مصر قد انتهت للأبد، ومن ثم كتبت عن قيام السلطات مؤخرا بإغلاق وحجب العديد من المواقع الإخبارية علي شبكة الإنترنت.

أيضا ووفقا لتقرير صادر من مؤسسة “هاينريش بول” الألمانية فإن السفارة المصرية في برلين تتابع وتراقب نشاطات المصريين السياسية في ألمانيا، كذلك المعارضين للنظام، وتقول الصحيفة إن ممثلي البعثات الدبلوماسية في روما وإسطنبول ولندن يسيرون على نفس النهج،  حيث يعتبرون امتدادا للأذرع المصرية الأمنية،  وتذكر في هذا الصدد أن النائب المصري مصطفي بكري المحسوب علي النظام هدد المعارضين المصريين علانية وقال: ماذا يفعل هؤلاء في الخارج؟، إن علي الدولة إعادتهم إلى مصر حتي ولو في نعوش!!!

حس وطني ملتهب

المتابع للشأن الداخلي الألماني يعرف أن ألمانيا لا تهتم كثيرا بالشأن الداخلي المصري قدر اهتمامها باتفاقيات المصالح الاقتصادية،  أو السياسية بين البلدين، لهذا فهي لا تتبنى المطالب الشعبية المصرية الخاصة بالحقوق والحريات،  ولا تقوم بالضغط على مصر من أجل القيام  بالإصلاحات السياسية، وتحسين الأوضاع، والمساعدة في بناء  ديمقراطي في المجتمع،  فمثل هذه المطالب ليست في الوقت الراهن من أولويات السياسة الخارجية الألمانية ـ خاصة بعد أن أبرمت الحكومة المصرية في يونيو 2015  مع شركة سيمنز اتفاقية أطلقت عليها آنذاك اتفاقية الصفقة الكبري حيث تبلغ قيمتها 8 مليارات يورو من أجل إنشاء عدد من محطات توليد الكهرباء التي تعمل بالغاز والرياح  في مصر .

ألمانيا أيضا مهتمة بوقف الهجرة إلى أوربا عبر المتوسط؛ لذلك فهي تعول كثيرا على مصر في مساعدتها في وقف تلك الهجرة القادمة من شمال أفريقيا عبر الأطلسي لهذا كانت المستشارة الألمانية قد أجرت مباحثات مع الجانب المصري أثناء زيارتها للقاهرة العام الماضي أعلنت في ختامها عن مساعدة سنوية مالية لمصر بقيمة 500 مليون يورو تحصل عليها مصر مقابل الدور الذي تلعبه في وقف تلك الهجرة .

إذن انتهت الزيارة الباهتة، ولم تستطيع جذب الاهتمام من المناقشات الجارية الآن بشأن تيران وصنافير، وظلت أخبار الجزيرتين في الصدارة لتكشف عن حس وطني ملتهب رغم محاولات التغطية عليها.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان