التوتر السياسي يقلل جاذبية الاستثمار

هذا بخلاف الخسائر الداخلية بين تلك الدول الخليجية نتيجة توقف التجارة البينية، وتضرر شركات عديدة نتيجة توقف منتجاتها عن النفاذ لقطر أو العكس.

في منطقة الصعيد جنوب مصر مازالت عادة الأخذ بالثأر منتشرة بين بعض العائلات، ومن ضمن طقوس ذلك حرص كل طرف على امتلاك قدر أكبر من السلاح وأكثر مما يمتلكه الخصم، بل أن بعض العائلات المتناحرة تفرض مبالغ على أبناءها العاملين بالخارج من أجل المساهمة في عملية التسليح ، ومن هنا نشأت تجارة رائجة للسلاح ، حتى أن منطقة مثل دشنا بمحافظة قنا أصبح معروفا عنها بيع السلاح بالصندوق وليس بالقطاعي .

ومن طقوس الثأر أيضا إحراق المحصول الزراعي للخصم قبيل حصاده، ما أدى لعدم زراعة مساحات من الأراضي الزراعية خشية تعرضها للدمار قبيل الحصاد، حتى تأجير تلك المساحات الزراعية للغير ممنوع عُرفا، ويعتبرون من يستأجرها خصما لهم .

ومن الطبيعي أن يحجم أفراد العائلات المتصارعة عن إنشاء مشروعات اقتصادية لأنهم بذلك يعطون للخصوم فرصة سهلة لتدميرها، وتسبب هذا المناخ في ضعف الاستثمارات بالصعيد وعزوف المستثمرين من خارج الصعيد عن التواجد، ما زاد من البطالة وجعلها مناطق طاردة للعمالة.

الاستثمار السلبي

ويتكرر هذا المشهد الداخلي بالعديد من الدول حيث عزف المستثمرون عن الذهاب لجنوب السودان والصومال وليبيا وسوريا واليمن وغيرها بسبب أحداث العنف بها، وهو ما تترجمه أرقام الاستثمار الأجنبي المباشر الواردة بتقرير الأونكتاد عن عام 2016 ، حيث بلغ الاستثمار الأجنبي المباشر بجنوب السودان بالعام الماضي سالب 17 مليون دولار وبالعام الأسبق سالب 71 مليون دولار، كما تحول الاستثمار الأجنبي المباشر الى أرقام سلبية باليمن خلال السنوات الست الأخيرة، حيث بلغ بالعام الماضي سالب 561 مليون دولار .

كذلك تسبب الإضرابات السياسية في فنزويلا في تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر الوارد إليها، ليصل الى 1.8مليار دولار بالعام الماضي مقابل حوالى 6 مليارات دولار قبل خمس سنوات .

ويرتبط ذلك بتضمن مؤشر ضمان جاذبية الاستثمار عالميا مؤشرا فرعيا حول الاستقرار السياسي، ولذلك تسبب غياب الاستقرار السياسي بمصر بعد يوليو 2013 في تأجيل كثير من المستثمرين الأجانب والعرب الإسهام في مشروعات بها، كما يؤثر عدم الاستقرار السياسي في تراجع أعداد السياح، بل إن حدوث أعمال فدائية داخل إسرائيل أو أعمال عنف ضد السياح بتونس، كان  السياح الأجانب يعتبرونه  حالة من عدم الاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط، وبالتالي يتجنبون السفر الى المنطقة بكاملها ويختارون أماكن بديلة .

ويرتبط كل ما سبق بحالة التوتر السياسي الحالية بمنطقة الخليج بعد قرارات الحصار من قبل السعودية والإمارات والبحرين ضد قطر، حيث ينظر المستثمرون الأجانب للمنطقة ككل بأنها منطقة ذات مخاطر عالية، وبالتالي يؤجلون قرارات الاستثمار بها، أو يقللون من استثماراتهم بها أو  يسحبون أرصدتهم الموجودة بها.

النظرة نفسها  تحكم السياح الأجانب فيعزفون عن الذهاب للمنطقة ذات المخاطر العالية، وقد تصل بعض الآثار لشركات طيران دولية، والمحصلة هي تضرر كل دول النزاع وحتى دول الجوار، خاصة مع وجود بؤرة ملتهبة باليمن غير معروف متى وكيف ستخمد، ووجود خلافات سياسية حادة مع إيران، وتدخل من قبل بعض تلك الدول الخليجية في ملفات العراق وسوريا ولبنان وليبيا .

 حالة عدم اليقين                          

ومن صور تلك الخسارة العامة ، أنه عندما تتجه إحدى تلك الدول للاقتراض من الخارج فسوف تتم إضافة علاوة مخاطر، ما يزيد من تكلفة الدين، وسوف تتأخر برامج خصخصة بعض المشروعات مثلما تتجه السعودية لخصخصة مشروعات للرعاية الصحية والتعليم ، وقد تؤجل بعض تلك الدول طرح شركات حكومية في ظل حالة عدم اليقين السياسي الحالية بالنسبة للمستثمرين .

أيضا تحول نقل بعض شحنات النقل من سفن عملاقة تحمل نحو مليوني طن من النفط، إلى سفن أصغر أكثر تكلفة سيزيد من تكاليف شحن النفط، ولهذا كانت مقولة وزير المالية القطري أننا إذا خسرنا دولارا فتخسر دول الحصار دولارا أيضا .

 كذلك يتيح التوتر السياسي مجالا للابتزاز من بعض الدول الكبرى للحصول على مزايا فى عقودهم النفطية والغازية أو بمبيعات السلاح والسلع،  كما يفتح مجالا للابتزاز من قبل دول أخرى صغيرة للحصول على معونات وشحنات وقود مجانية أو بأسعار مخفضة.

   أزمة الثقة                              

هذا بخلاف الخسائر الداخلية بين تلك الدول الخليجية نتيجة توقف التجارة البينية، وتضرر شركات عديدة نتيجة توقف منتجاتها عن النفاذ لقطر أو العكس، وتأثر استثمارات مشتركة سواء بمشروعات أو بالبورصات وصناديق الاستثمار وبالودائع بالبنوك، وخسر ميناء جبل علي كثيرا من موارده نتيجة المقاطعة وخسرت شركة الخليج للسكر الإماراتية وشركة المراعي السعودية وغيرها .

ويدخل في ذلك أزمة الثقة التي نجمت عن أزمة الحصار وتغلب العوامل السياسية على العوامل الاقتصادية، وتحول العلاقات إلى النقيض خلال ساعات قليلة، من السعي لفتح الحدود ومنح حق الإقامة والعمل الى ترحيل المواطنين ومنع دخولهم ، وهو أمر سيظل فترة من الوقت حاجزا أمام المشروعات المشتركة، بل وحتى أمام السياحة ما بين دول الخليج خشية تكرار مثل تلك القرارات الفجائية  .

ففي الوقت الذى تراجعت فيه موجة المقاطعة العربية للشركات الإسرائيلية، بعد أن كانت هناك مقاطعة سابقة للشركات الأجنبية التي تتعامل مع إسرائيل، تحول سلاح المقاطعة الى صدر الجار والحليف، بينما أصبح التعامل مع الشركات الإسرائيلية أمرا عاديا، بل ومقننا في ظل اتفاقية الكويز التي تشترط لنفاذ السلع المصرية للولايات المتحدة الأمريكية أن تحتوى على مكون إسرائيلي بنسبة 10 %.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان