طريق نجّسه التطبيع

بعد شهر و نيفٍ على زيارة الرئيس الأمريكي إلى السّعودية ثم إلى إسرائيل، مازال الإعلام الأمريكي و الإسرائيلي -خصوصا- يرصد مدى وفاء ترمب بجزء من وعوده لناخبيه بتنشيط عجلة الاقتصاد و خلق فُرص عمل أكثر. ربّما تبدو الأرقام المهولة من الأموال التي قطفها الرّجل في زيارته هي المُعطى الفاقع لطمأنه عموم الأمريكيين، لكن البشائر التي زفّها إلى الإسرائيليين فاقت في قيمتها الأموال التي جناها، لدرجة أنّه طار بها مباشرة من أرض الحرمين إلى “أرض الميعاد” في سابقة تاريخية. الأمر الذي جعل الإعلام الإسرائيلي يعتبرها رسالة رمزيّة لتفعيل حلم ربط مطارات السّعودية بمطار بن غوريون حتّى ولو تمّ تحت غطاء الرّفق بحجيج فلسطينيّي الداخل. فما حقيقة هذه الأخبار؟
اِصطلاحا يعتبر الأمريكيّون دونالد ترمب “واسب” أصيلا وهو اختصار للأربعة أحرف الأولى من كلمات إنجليزية ترجَمَتُها “أبيض، أنغلو ساكسوني، بروتستانتي”. مع العلم أنّ اللّفظ لُغويّا يعني بالعربيّة “دبّور”، و اِجتماعيا حين يُطلق هذا اللّفظ على شخصيّة سياسيّة ما، فحتما هو يجمع المعنيينِ. و بناء عليه فترامب هو الدّبور الابيض الأنغلوساكسوني، البروتستانتي الذي يُتقن اختيار وجهة لسعاته
لم يجد الرّجل حرجًا في برمجة الرّياض أوّل محطّات رحلته إلى الشرق الأوسط رغم مسحة العنصرية والتّحقير للعرب والمُسلمين التي ميّزت خطاباته واِعتبار حكوماتهم مصدر تمويل للولايات المُتحدة لا أكثر. فطار إليها بوجهه الاِنتهازيّ العنصري دون أدنى تجميلٍ، باعتباره ضامنًا أنّه محلّ ترحيب و حفاوةٍ و دعمٍ لا نظير له. في المُقابل ورغم أنّ مُستقبليه كانوا على علمٍ بمحطّة ضيفِهم الثّانية فقد آثروا على أنفسهم وهم القائلون أنّ بهم خصاصة عابرة، وأغدقوا عليه لدرجة أنّ كرمهم اِمتدّ إلى حُلفائه في تلّ أبيب وحمّلوه رسائل ودٍّ وتعاونٍ لتدشين مرحلة جديدة من العلاقات اِستعصى الجهرُ بها على كل حكومات الماضي. اِنطلقت مرحلة التّعاون بفتح المجال الجوّي للطائرة الرئاسيّة الأمريكية فحلّقت من الرّياض إلى تل أبيب، في سابقةٌ تاريخية أنْسَت المتابعين للشأن السّياسي باقي تفاصيل ما جناه الرّجل من الخزينة الخليجية لنفسه و لحليفه نتنياهو من جهة، وما أجّجه من فتنة بين أهل البيت الواحد من جهة أخرى.
وفي الوقت الذي هنّأ فيه نتانياهو ترمب قائلا “أحلم بيومٍ يسافر فيه أيضا وزير إسرائيلي أوّل من تل أبيب إلى الرّياض”، مَضَت وِكالات الأسفار الإسرائيليّة قُدُما في وُعودِها لعملائها ببشائر تَفعيل الرّحلات الجوّية المباشرة بين مطار بن غوريون ومطارات السّعوديّة. و كأنّ تدشين هذا الخطّ الذي لم يحلم به أحد حتّى ذلك اليوم تمّ رسميًّا بمباركة أمريكية وما لباقي تفاصيل التّنسيق إلّا بعضُ وقتٍ. هذه الوعود في الحقيقة روّج لها الإعلام الإسرائيلي منذ مدّة تحت رعاية سياسية بالتأكيد.
يحِقّ لترمب ونتنياهو معا أن يستخفّا بالمسلمين ويجبرا أصحاب القرار السّياسي في دول جوار إسرائيل على التّطبيع بذريعة الحِرص على راحة حجيج الفلسطينيّين. لكن، منذ متى يحسب نتنياهو أو ترمب حسابا لعقيدة المسلمين بصلاتها و حجّها؟ بل أليس تهويد القدس هو المشروع الذي يتحدّى من أجله كلاهما كلّ القوانين الدّوليّة بغاية طمس كل تفاصيل إسلامية المكان؟ و إذا كان فتح خطّ جوّيّ بين تل أبيب والرّياض قائمٌ بتعلّة الرّفق بالحجيج، أليس حجيج و مرضى معبر رفح أولى بالرّفق؟
رُبّما يكاد يكون من العيب أن نُذكّر أنّ ربط تل أبيب بالرّياض تحت هذه الذّريعة يُعتبر من أجرأ الخطوات نحو التّطبيع، فهي خطوة تستهدف أغلى رمزين للأمة الإسلامية، إذ ماذا بقي لهذه الأمّة من قرار و يد إسرائيل تطال المسجد الاقصى وتصل إلى المسجد الحرام؟ استخفاف يكشف ثقة عالية من الطّرف الأمريكي والإسرائيلي باستجابة مكشوفة أو مستترة من حكومات العرب وشعوبها أيضا هذه المرّة. أليس الحجّ فريضة إسلامية مرتبطة بالاستطاعة؟
إذا سلّمنا بتوفّر العامل المادّي للحجيج الفلسطينيّين، كيف لهم ان يؤدّوا هذه الفريضة وهم يتّخذون طريق وصول نجّسه التّطبيع؟ أعلم أن هذه التّساؤلات تجلب اللّعنة وريّما التّكفير أحيانا، لكن ألا يجدر بنا أن نُراجع بعض خطواتنا ونحن نكتوي بِلَسعات ترمب التي ألّبت الأخ على أخيه وآلفت بين قلوب الأعداء؟
ألفةٌ ما كان لإسرائيل أن تحلم بها لولا التنسيق المُحكم مع الطّرفين السّعودي و المصري بشكلٍ ضمن لها في وقت قياسي حصّتها من حركة الملاحة في البحر الأحمر ومن مياه النّيل عبر وكيلتها أثيوبيا، في المستقبل القريب، ناهيك عن الوعود الواثقة برفع سقف الحرّية في التّصرف في المجال الجوّي الذي كان محظوراً.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
