سامي عنان.. العتلة

يمكن لكل محاصر أن يفكر في طبيعة المقارنة بين سامي عنان (الأداة) وبين “اليد” الذي ترتبط بجسده (التنظيمي) أو برأسه (الأيديولوجي).

(1)

ذات نهار مشمس في أيام الشتاء، انطلق “ثاء ياء” في عمق الغابة الممتدة يطارد غزالاً، فلطالما حلم باصطياد غزال بعد أن عاش سنواته الطويلة يأكل العشب وأوراق الشجر، وبعد زمنٍ من الكر والفر، وصلت المطاردة إلى ممر ضيق بين جبلين، وفجأة حدث ما يشبه الزلزال، وانهالت الصخور من القمة فردمت طريق العودة من خلفه، وأغلقت الممر أمامه بصخرة كبيرة وثقيلة، حالت بينه وبين الغزال، كما حالت بينه وبين حريته وأمله في استعادة بيته المفقود وحياته المهددة بالانقضاء بين صخرتين.

وبعد محاولات كثيرة فاشلة لرفع الصخرة، أو محاولة إزاحتها بيديه جلس “الثاء” منهكا يفكر في حل للخروج من هذا الحصار، وكلما استراح قليلا قام محاولا استخدام كتفه ويديه بدون فائدة، فيعود للقعاد متململاً بين اليأس والترقب، يرافقه شعور خانق بالحيرة والغيظ، وبينما يجلس قبالة الصخرة يرمقها بكراهية ويقذفها بالحصى، شاهد بين الصخور المتكسرة التي سدت الممر من خلفه قضيباً حديدياً بطول حربته التي فقدها أثناء الزلزال، فنهض من مكانه واستخرج القضيب السميك من وسط الصخور، وجرب استخدامه في رفع ودفع الصخرة حتى نجح في تحريكها إلى نقطة يتسع عندها الممر قليلا، فاستعاد حريته واستعاد معها فرصة الاستمرار في مطاردة حلمه الهارب، وكما سجل تاريخ الحكايات الخيالية كانت هذه الحادثة أول اختراع للعتلة.

(2)

القصة ليست مهمة بالمرة، لأنها قصة رمزية، لذلك فإن المغزى هو المهم، والمغزى المباشر بكل وضوح وبما تيسر من اختصار أن “سامي عنان” ليس يدك، وليس بقية جسدك، وليس من بقية أهلك، لكنه “عتلة” قد تساعدك في إزاحة الحجر الذي يسد طريقك نحو غزالك ونحو حريتك ونحو حياتك المهددة بالانتهاء في الحصار.

(3)

عندما أصدر الدكتور إدوارد سعيد درته البحثية عن “الاستشراق”، قرأت واستمعت إلى عشرات المفكرين والباحثين يمتدحون الكتاب البديع، لكنني عجزت عن إدراك قيمة هذا الكتاب الثقيل في لغته والخالي من المتعة التي أطلبها في القراءة، وفي أثناء حوار مع أحد الدكاترة البارزين المشتغلين بالفلسفة، حدثني عن عظمة كتاب سعيد، ثم أوضح أن هذه العظمة تظل منقوصة، إذا لم نبدأ على الفور في تأسيس حقل معرفي مضاد لـ”الاستشراق”، أطلق عليه علم “الاستغراب”، ومع تدفق الحوار توصلت لفكرة مبسطة عن الصراع الذي أراده الدكتور حنفي بين الاستشراق والاستغراب، فالاستشراق هو محاولة من الغرب لجعل الشرق موضوعاً لأبحاثه ودراساته، وهذا يعني تفوق الباحث وتحكمه في موضوع بحثه، إذ يُصبح الغرب هو “العالِم” ويصبح الشرق هو النبات أو الضفدعة أو فئران التجارب، التي تساعد الباحث على استخلاص النتائج التي يريدها، وبهذا يكون التفوق لمن يتمكن من استخدام الآخر، لمن يجعل من الآخر “أداة”، لمن يوظف الآخر (حتى لو كان قطعة حديد) في تحقيق مصلحته، وهذا يعني أن التفوق يرتبط بالاستخدام والتحكم والتوظيف أكثر مما يرتبط بالعضوية والانتماء، فاليد عضو من جسدك ولا ينبغي مقارنتها بالعتلة من زاوية الانتماء والتشابه في النسيج والارتباط العضوي، لكن العتلة قد تكون أكثر قوة، وأكثر فائدة في تحقيق الغرض، وغالبا ما يكون في استخدامها حماية لليد من التمزق، ورشدا في إنفاق الجهد بلا طائل.

(4)

من هذه المقاربة يمكن لكل محاصر أن يفكر في طبيعة المقارنة بين سامي عنان (الأداة) وبين “اليد” الذي ترتبط بجسده (التنظيمي) أو برأسه (الأيديولوجي)، خاصة لو كانت اليد مغلولة نهائيا (مثل الدكتور السجين محمد مرسي)، أو مقيدة وضعيفة نسبياً (مثل المحامي المهدد بحكم قضائي مخل بالشرف خالد علي)، أو رهن الأسر والحصار والصمت الإجباري مثل عشرات الوطنيين الشرفاء، الذين يمثلون الحلم والأمل، أكثر مما يمثلون القدرة على الفعل، والقدرة على إزاحة الصخرة.

(5)

لست ميكافيلياً، لأدافع عن صدأ الوسيلة بلمعان الغاية، لكنني أيضا لست غبيا لأخلط بين الأداة وبين الهدف أو الانتماء، فقد تتعدد أشكال وألوان وأسعار وسائل المواصلات التي تؤدي بك إلى المكان الذي تقصد الحج إليه، وأظنك تعرف أن الطريق إلى الثورة لمن استطاع إليها سبيلاً..

(6)

يبقى أن أترك لكم بقية مساحة المقال لاستكمالها، فأنا أتامل معكم باعتباركم علماء تقدرون على البحث والفحص والاستنباط والتفوق، لا أوعية سلبية لتلقي الوصايا والتعليمات من الآخرين، ولمزيد من التواصل وفك الشيفرات أترك لكم بعض “كلمات السر” للتخفف والتودد والتفاكه، فالغزال قد يكون الثورة أو الحرية أو الحلم الذي نشتهيه، والصياد “ثاء ياء” هو “ثائر يناير”.. هو كل مصري من ثوار يناير، خرج لاصطياد غزال العيش والحرية والكرامة، فسد الزلزال طريقه، وأي محاولة للسكون والركون داخل الممر المحاصر هي خيانة للحلم.. خيانة للثورة، فلا تتهاونوا في دفع ورفع الصخرة التي تسد طريقنا، ولا تتنازعوا على الأداة، فعتلة من الحديد أكثر فائدة من عتلة من الذهب.

(بعد المقال)

تذكر وأنت تخرج من الممر أن يدك معك ولم تنسها، فمهما كانت ضعيفة فهي يدك (ذلك هو الانتماء)، وتذكر أنك قد ترمي العتلة فور تحررك، وتذكر أن غيرك قد يحتفظ بها إذا ظن أن الطريق مليء بالعقبات، وقد يحتاجها مرة ومرات، لكن هذا الاحتياط يؤكد أنه يحتفظ بها بالوعي، وأنه يتحسب للظروف، والأهم أنه هو الذي يستخدمها وليست هي التي تستخدمه، فالإنسان العاقل يتوسع في استخدام الأدوات، وتتضاءل إنسانيته وقيمته كلما كان أداة يستخدمها الآخرون، ما بالك لو استخدمتنا الأداوت؟!.. حينها سنكون أقل من أن نأمل ونحلم ونعيش، وحينها لا يكون لهذا المقال، ولا للكلام كله أي نفع. 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان