بنس .. الخطاب المتعصب والسلام المستحيل!

ما الفارق بين بنس الذي يتحدث بهذه اللغة الدينية غير السياسية المتشددة، وبين لغة أبوبكر البغدادي زعيم داعش.
من خلاصة خطاب مايكل بنس نائب الرئيس الأمريكي في الكنيست الإسرائيلي قبل أيام، والتعليقات التي تتحرى الإنصاف بشأنه نسأل: ما الفارق بين بنس الذي يتحدث بهذه اللغة الدينية غير السياسية المتشددة، وبين لغة أبوبكر البغدادي زعيم “داعش”، أو أي شخص آخر من الذين تعتبرهم واشنطن نموذجاً للتطرف الإسلامي، وتتهمهم بالبربرية، وتهديد قيم الحضارة الغربية، وضرب التعايش الإنساني المشترك؟
التطرف ملة واحدة، مهما اختلفت أديان وعقائد ولغات وألوان وأشكال وحتى طبيعة ملابس من ينتهجون هذا المسار الذي يغالي في التعصب لرؤية أو فكرة أو موقف، وقد يتطور الأمر إلى العنف المادي.
وليس معنى أن بنس نائباً لرئيس أمريكا أقوى دولة في العالم أن ما يقوله لا بد أن يكون صحيحاً وموضوعياً ومعتدلاً ومُصّدقاً ومقبولاً، فما وراء الوجه الباسم، والملابس الأنيقة، والمنصب الرفيع، هناك في الرأس عقل أقرب للتطرف، وعندما تُنصت لما كان يقوله في الكنيست في خطبته الدينية التوراتية المكتوبة بمداد من أساطير التاريخ والرؤى الصهيونية فإن أي أثر للحداثة والأناقة الظاهرة سيزولان فوراً، وسينشأ القلق من أفكار مسيحية إنجيلية غاية في التشدد، أو مسيحية صهيونية تمثل عقيدة المسؤول الأهم بعد الرئيس في منظومة الحكم الأمريكية، والذي يمتلك تأثيراً كبيراً في القرارات الرئاسية، ويمكن في أي لحظة أن يحل محل الرئيس.
ليس البغدادي، وكل بغدادي آخر، هو الخطر الأوحد على العالم، وروح السلام والتعايش فيه، ونبذ أفكار الكراهية والأحقاد والصراعات والحروب الدينية والطائفية، ففي مراكز السلطة في أمريكا والغرب هناك من يمثلون تهديداً حقيقياً للبشرية، وأشد من الدواعش بما تحت أياديهم من قوة هائلة.
نورد هنا شهادة ذات دلالة سجلتها الإسرائيلية “نوعا لانداو”، المراسلة السياسية في صحيفة “هآرتس”، وهي من الكيان الذي ذهب إليه بنس في زيارة تاريخية فعلاً، لكنها تاريخية في التلفيق الديني، والتجهيل الفكري، والتدليس السياسي، وصفت لانداو خطاب بنس قائلة: ” كان أشبه بخطبة الواعظ الإنجيلي خلال رحلة في الأراضي المقدسة، وليس خطاب القائد الذي يسعى إلى تقديم خطة سياسية جديدة للسلام في الشرق الأوسط، ومعلوم أن نائب الرئيس، مسيحي متعصب، وقد قسّم العالم إلى أخيار وأشرار، إلى أصدقاء وأعداء، إلى جنة وجحيم، فمن جهة هناك إسرائيل، الشعب المختار، الذي وعده الله بهذه الأرض، وبنفس القدر من الأهمية فإن عودة الشعب اليهودي إلى أرضه الموعودة هي أمر حتمي، في وجهة النظر المسيحية الإنجيلية، من أجل تقريب يوم القيامة وعودة يسوع”. وتابعت: ” أراد بنس أن يقول ببساطة: نحن نؤيد إسرائيل لأننا نؤمن بالخير على الشر، ومزج كلماته بزخارف توراتية، في قصة إنقاذ الشعب اليهودي، ومقارنة دولة إسرائيل الحالية بمملكة داود، وتمني السلام بين إسحاق وإسماعيل”.
اللغة التي تحدث بها بنس لا يمكن أن تكون لغة ونهج رجل سياسة ووسيط عادل في عملية سلام هدفها تحقيق العدل وإعادة الحقوق المشروعة لأصحابها والالتزام بتنفيذ القوانين الدولية في هذا الصدد، إنما هي لغة وعقلية كاهن أو حاخام متشبع بأمور دينية غير حقيقية يعتبرها مقدسات ولا يحيد عنها أبداً ومن خلالها وحدها ينظر للقضية الفلسطينية وللقدس المحتلة ولطبيعة الصراع وجذوره، والحل عنده يأتي من خلال هذه العين الصهيونية الاستعمارية الاستيطانية التي تزايد على نتنياهو وليبرمان الأشد تطرفاً في الكيان الصهيوني اليوم، بل وتزايد على وايزمان وبن غوريون وأشكول وهرتزل وروتشيلد أنفسهم لو عادوا للحياة.
كان القيادي الفلسطيني صائب عريقات طيباً ومتسامحاً مقارنة بالإسرائيلية “نوعا لانداو” وهو يصف خطاب بنس بأنه “تبشيري”، ثم يحاول أن يخفف من هذه الكلمة المخففة أصلاً قائلاً إن الخطاب هدية للمتطرفين، ولا ندري من هم المتطرفون؟، إذا كان يقصد الإسرائيليين فهو محق، وكان عليه إعلانها صراحة، أما إذا كان يغازل الأمريكان، كما يفعل الرسميون العرب الذين يرددون نفس الكلمة مع كل قرار أمريكي وإسرائيلي أحمق، ويرمونها على متطرفين من بني جلدتهم حتى لا يغضبون رعاتهم، وهم بذلك يتعامون عن أن أحد أهم مصادر صناعة التطرف هي إسرائيل، وحليفتها المخلصة أمريكا، والغرب غير المنصف، وإدارة ترامب التي تتقدم خطوات على ما سبقها من إدارات في توفير دعم كامل ومطلق لدولة دينية يهودية تمارس الإرهاب الرسمي.
لم يتحدث بنس عن الاستيطان مطلقاً، ولم يأت على ذكر الفلسطينيين بكلمة حق واحدة، ولم يكن عادلاً بالمرة مع الطرف المظلوم المستضعف المنتهك، ولن يكون كذلك لأن الأمريكي منحاز تماماً للكيان الصهيوني الذي يسبغ عليه حماية شاملة مستغلاً قوته ونفوذه الدولي الهائل، ومستفيداً من ضعف العرب وتمزقهم وتسليمهم بالانهزامية أمام الحلف الصهيوني الأمريكي، والاستسلام العربي وصل مرحلة غير مسبوقة مع إدارة ترامب فاقد الأهلية للحكم، ومن خلفه العقل العقائدي الأخطر والمنظم وهو نائبه بنس.
الرجل القادم من إنديانا التي كان يحكمها يوماً يمارس التزييف بأكثر من التصور عندما يدعي أن الاعتراف بمدينة القدس عاصمة للدولة العبرية سيفسح الفرصة أمام التقدم في مفاوضات ذات معنى لتحقيق سلام دائم وإنهاء الصراع المستمر منذ عقود!
كيف يكون ذلك وأهم قضايا الحل النهائي تشطبها إدارته من الحل وتطوي صفحتها وبالتالي يستحيل أن يكون هناك حل وسلام بدونها، والمماحكات في صنع قدس أخرى مزيفة في “أبوديس” لن تمر، ولن يجرؤ أحد في فلسطين أن يمررها، ومن سيتم ضبطه من العرب يروج رسمياً لذلك الحل سيكون العار من نصيبه للأبد.
إدارة ترامب تقتل الأمل في السلام بقرارها الجنوني، ولعل الأسابيع الماضية كشفت لها استحالة نزع ورقة القدس، حتى لو وقع ترامب القرار، وجاء بنس ليعلن البرنامج الزمني لنقل السفارة مع نهاية العام المقبل، فلا يدري أحد ماذا يمكن أن يحدث غداً، ولو جاء الأوان وانتقلت السفارة فعلياً فلن يعني ذلك نهاية القدس وفلسطين، بل بداية مرحلة جديدة في الكفاح من أجل تحريرهما، ولو استمر ذلك أجيالاً وعقوداً، وبالتالي لا حلول سياسية تفاوضية ستكون مجدية في ظل الانحياز الأعمى من إدارة ترامب لإسرائيل.
تأتي الأحداث الكبرى كاشفة لحقيقة ما هو مُختزن في العقول، وكامن في الصدور، فتخرجها للعلن بشكل أكثر وضوحاً من ذي قبل، ونائب الرئيس الأمريكي لا ينكشف إلا لمن لا يتابعون، ووجوده في إسرائيل يؤكد حقيقة عقيدته السياسية والدينية، معروف عنه أنه مسيحي إنجيلي محافظ أولاً، وسياسي جمهوري ثانياً، وهو بهذا الترتيب يصطف في أقصى تيار اليمين الديني المتشدد المتعصب داخل الحزب الجمهوري، وعندما جاء أوان الاختبار في زيارته الأولى للمنطقة فإنه يُثبت عمق ولائه لإسرائيل، وهذا ينفي عنه وعن دعوته للفلسطينين للسلام صفة النزاهة والعدالة كوسيط .
وإذا كانت إسرائيل ضمت القدس واعتبرتها كلها عاصمتها الموحدة عام 1980 فإن بنس يزايد عليها في اعتبارها العاصمة الأبدية لها منذ عام 1948، تاريخ تأسيس الدولة العبرية، فقد قال خلال زيارته أن قرار ترامب – وهو قرارعدواني – جاء تصحيحاً لخطأ عمره 70 عاماً، الصهاينة وقبل هزيمة 67 كانوا يعتبرون القدس الغربية وحدها عاصمتهم، ولم يتحدثوا علناً عن القدس الشرقية إلا بعد سقوطها في تلك الحرب، وبعد تأكدهم مع مرور السنوات أن العرب ليسوا في وارد الدخول في حروب جديدة معهم، أو تحرير شبر آخر من الأرض المحتلة بالسلاح بعد ذهاب السادات للقدس، وتفكك الموقف العربي الموحد من طريقة حسم الصراع.
إذا كان ترامب غوغائياً، ويصعب أن يكون عقائدياً مماثلاً لنائبه، فإن مايكل بنس يشكل مع جاريد كوشنر صهر ترامب العقل الذي يخطط لنسف قضايا الحل النهائي، وتلبية كل مطالب وشروط إسرائيل فيما يسمى “صفقة القرن”، أو “صفعة القرن” كما يصفها عباس، أو “عار القرن” على العرب والمسلمين لو مرروا الصفقة اللعينة التي تفرط في القضية والمقدسات والدماء والتاريخ والشرف والكرامة.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
