والمُوْعِد الله

 

كثيرون من قراء الأستاذ الكبير الراحل خالد محمد خالد يعرفون كتابه: (رجال حول الرسول)، وبعض كتبه الأخرى، والتي يتحدث فيها بكثرة عن الحرية والديمقراطية، لكن القليل من يعرف أن خالد بدأ صوفيا وظل صوفيا لا يعلن بذلك، ولكن كتابه: (والموعد الله) كشف عن عقلية وقلب صوفي كبير، وقد قال في مقدمة الكتاب: (ولقد أتيح لي في فترة مبكرة من حياتي – ليتها دامت – أن أصحب هذا الرعيل الطاهر في أخبارهم وآثارهم)، وقد كتب خالد في نهاية أربعينيات القرن العشرين سلسلة مقالات نشرت في مجلة (الاعتصام) التي تعبر عن خط الجمعية الشرعية آنذاك، وكان رئيس تحريرها الشيخ أحمد عيسى عاشور، وكانت تنشر مقالات خالد جنبا إلى جنب مع (حديث الثلاثاء) للشيخ حسن البنا، رحم الله الجميع.

الاقتراب من عبارات الصوفية

اقترب خالد محمد خالد في كتابه: (والموعد الله) من الصوفية التي تنطلق من الكتاب والسنة، التصوف السني لا الفلسفي، البعيد عن شطحات التصوف، فالرجل خبير بعبارات الصوفية، ومصطلحاتها، وفي كتابه هذا تحديدا، انتقى ما يخدم موضوعه، فالكتاب يتحدث عن (أهل الله) أو (أولياء الله) أو (أهل الطريق)، كما عبر عن ذلك خالد بأن أحب الأوصاف إليه لهم: (أولياء الله) و(أهل الله).

لغة خالد محمد خالد الآسرة والرائعة لا تخلو من الكتاب كله، حتى عند صياغة عبارات (أولياء الله)، قبل العبارة يمهد لها، وبعدها يؤكد عليها، وتجدها منسابة رقراقة بين كلامه، لا تستطيع نزعها وحدها دون كلمات خالد، فيحدثنا عن أوصاف أولياء الله وأهله. فهدفهم في البدء والانتهاء: (الله)، جل جلاله، فمن أشواقهم إليه يبدؤون، وإلى مثولهم بين يديه ينتهون، من الله الملك الحي القيوم تبدأ مسيرتهم.

وأولياء الله كلهم ثقة في رحمة ربهم بهم، يقول أبو وائل شقيق بن سلمة: (نعم الرب ربنا لو أطعناه ما عصانا)!! وهي عبارة تثير الدهش لا محالة من حيث الصياغة والتركيب، فهل يجوز لنا أن نقول عن الله سبحانه: (ما عصانا)؟

وما نحن بكل أبرارنا وقديسينا، حتى يطيعنا الله أو حتى يعصينا؟!

يسترسل خالد في الحديث والشرح فيقول: (لكن أهل الله لهم لغتهم التي أُذن لهم بها، ولهم أذواقهم وأحاسيسهم ومن ثم تعبيراتهم التي تستمد من أبعد الأعماق، وأرحب الآفاق. إنهم يعرفون كم يدل الله عباده، ألم يقل لهم: “من أتاني يمشي، أتيته هرولة”؟

فمن نحن حتى يهرول الله إلينا، إذا جئناه مشاة…؟!

وألم يقل سبحانه: “قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل”؟!

فمن نحن حتى يرفعنا الله إلى هذا المستوى من المنزلة عنده، بل من المنزلة معه؟!

إن (أهل الله) يتحدثون بلغة قريبة، تصور ما أترعت به نفوسهم ومشاعرهم من فهم عن الله وحب له، بل ودلال منهم عليه! وهكذا قال أبو وائل: (لو أطعناه ما عصانا)…!!

وأهل الله لا يفرحون بطاعتهم، ولا يعيرون العصاة بمعصيتهم، يقول أبو علي الهروي: (اعرف أن كل طاعة رضيتها منك فهي عليك، وكل معصية عيرت بها أخاك فهي إليك).

ويقول ابن القيم: (تعييرك أخاك بذنبه، أكبر إثما من ذنبه، ففى تعييرك هذا تبدو صولة الطاعة وتزكية النفس والمناداة عليها بالبراءه من الذنب. ولعل انكسار الذي عيرته بذنبه وإزراءه على نفسه وتخلصه مما أصابك من كبر وعجب وادعاء، ووقوفه بين يدي ربه ناكس الرأس، خاشع الطرف، منكسر القلب، أنفع له من صولة طاعتك ومنِّك بها على الله.

ألا ما أقرب هذا العاصي من رحمة الله، وما أقرب ذلك المدل من مقت الله، فذنب تذل به لديه، أحب من طاعة تدل بها عليه، ولأن تبيت نائما وتصبح نادما، خير من أن تبيت قائما وتصبح معجبا، فإن المعجب لا يصعد له عمل، وإنك أن تضحك وأنت معترف خير من أن تبكي وأنت مدل! وأنين المذنبين أحب الى الله من زجل المسبحين المدلين، ولعل الله سقاه بهذا الذنب دواء استخرج به داء قاتلا.. هو فيك وما تشعر)!!!

وهو ما قرره أبو الحسن الشاذلي في عباراته التي يقول فيها: (رُبَّ معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت عُجبا واستكبارا). ويقول الإمام جعفر الصادق: (من كشف حجاب غيره، انكشفت عورات بيته، ومن سلَّ سيف البغي قُتل به).

أهل الله والحكام

أما حديث خالد محمد خالد عن (أهل الله) وعلاقتهم بالحكام، فهو حديث رائع مهم، نقل منه أروع العبارات والمواقف لهم، مما يجعلنا نقارن بين علماء زماننا وهؤلاء، وبين من يدعون الزهد في الحياة، والتمسك بالمبادئ، وعند الاختبار تجدهم أول من يسقط في حبائل الحكام وشياطينهم، ويلخص خالد موقف (أولياء الله) في الحديث مع حكام زمانهم فيقول: (ولم تكن مجاملة بعض الخلفاء والحكام للكثيرين من (أهل الله وأوليائه) لتحملهم على المهادنة والملاينة.

لقد كان هناك بعض خلفاء بني أمية – مثلا – مشغوفين بأن يسمعوا مواعظ أولئك الأبرار حتى وإن أحرجتهم وأذلتهم.

أولا يستحق هذا، ولو بعض الملاطفة في توجيه النصح والحديث إليهم؟

إن لكلمة الحق عند (أهل الله) أسلوبا واحدا لا يتغير.. فإن كانت لحاكم متواضع متطلع إلى إصلاح نفسه وحكمه، قالوها رقيقة رفيقة وادعة.. وإن كانت لمتغطرس صلف، أو جبار مستكبر لفحوه بها كالسياط المفتولة.

هذا أحدهم يقول لمالك بن دينار: ادع الله لي، فيجيبه: (كم من مظلوم بالباب يدعو عليك). وآخر يسأله الدعاء أيضا فيجيبه: (كيف أدعو لكم، وألف يدعون عليكم.. أيستجاب لواحد، ولا يستجاب لألف)؟؟

وذلك خليفة ملأ الدنيا بأسه ونفوذه، تراوغه ذبابة، كلما هشّها سقطت على وجهه، فيتوجه إلى جعفر الصادق رضي الله عنه بسؤاله، وكان حاضرا مجلسه ذاك:

(يا أبا عبد الله: لماذا خلق الله الذباب؟ فيجيبه جعفر: (ليُذل به الجبابرة)!!

ومن المواقف التي أبدع فيها قلم خالد محمد خالد موقف سعيد بن جبير مع الحجاج عند قتله، وتحليله لصلابة سعيد فيما انفرد به خالد وحده دون كل الكتاب الذين تناولوا القصة، في تحليل دل على تشرب خالد لهذه المعاني ومعيشتها، فعندما تهيأ الحجاج لقتل سعيد بن جبير دعا سعيد ربه قائلا: (اللهم لا تسلطه على أحد بعدي) يقول خالد معلقا وشارحا:

(عند من – غير أهل الله – نجد كل هذا السمو يا رجال؟؟

إنه في لحظة الهول هذه لا يشغله مصيره.. بل مصير الآخرين الذي يتلمظ بهم جنون الحجاج وبطشه.

إنه في لحظة الهول هذه، لا أمنية له ولا رجاء ولا دعاء سوى أن يكون آخر ضحايا الطاغية، وأن يحمل وحده النِّير الذي ينتظر الآخرين.

ولقد استجاب الله دعاءه، فلم يعش الحجاج بعدها سوى خمسة عشر يوما، قضاها في علة قاتلة لم تمكنه من قتل أحد بعد سعيد!!

ترى أية قوة مقتدرة كانت تملأ أرواح أولئك الأبرار، إنها قوة الإيمان بالله، والفهم عن الله.

أما الإيمان بالله فتركهم يوقنون أن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم.. ودائما وأبدا لن يصيبهم إلا ما كتب الله لهم..

وأما الفهم عن الله، فقد جعلهم يدركون حقيقة هؤلاء الخلفاء والأمراء.

إنهم ليسوا سوى أناس كبقية الناس.. وإذا كان أحدهم يستطيع بسلطانه أن يقتل، فإن أي معتوه من الناس الذين يملأون الطرقات يستطيع هو الآخر أن يقتل حتى دون أن يقع من المقتول ذنب، أو جريرة.

إنهم – أبدا – لم يروا في أولئك الحكام العظام جبروت السلطة، ولا تيجان الملك.. بل رأوا ضعف الإنسان، ومذلة الخطيئة!!

ذنوب الحاكم الظالم

أجل، إن حسن فهمهم عن الله سبحانه، أعطاهم حقيقة هؤلاء الذين يخفون وراء سلطانهم ونفوذهم وسيوفهم وسجونهم أضعف الأنفس، وأكثرها فزعا وهوانا!!

لقد قال أحد الأبرار: (ذنوب بني أمية، أسرع إليهم من سيوف المسلمين) وكان صادقا، فظلم الحكم الجائر، هو السيف الذي يُهيأ لقطع رقبته، وكلما أوغل في ظلمه، كان ذلك شحذا للسيف وإرهاقا لحده!!

رحم الله خالد محمد خالد الذي أخرج لنا كنوز (أولياء الله وأهله) في علاقتهم بربهم، وعلاقتهم بأنفسهم، وعلاقتهم بالمذنبين في مجتمعهم، وعلاقتهم بالحكام العادلين منهم والظالمين، في صورة واضحة، مشرقة، لمن أراد أن ينضم إلى ركبهم على بينة وبصيرة، وكيف لا، (والموعد الله).

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه