أسرار الطلب بتجميد التجارة بين مصر وتركيا

الغريب أن تظهر تلك الدعوات لتجميد اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا، رغم أنها أتاحت للصادرات المصرية النفاذ لتركيا.
تكررت خلال الأسابيع الأخيرة مطالبة بعض رجال الأعمال المصريين، بإلغاء اتفاقية التجارة الحرة بين مصر وتركيا، بحجة استفادة تركيا بشكل أكبر من الاتفاقية، واتخاذ المستثمرين الأتراك في مصر الاتفاقيات التجارية التي عقدتها مصر مع بعض التجمعات والدول، كمطية للنفاذ بصادرات المصانع التركية بمصر، لتلك الأسواق بدون جمارك وأبرزها الولايات المتحدة والكوميسا.
ومن بين من تبنوا تلك الدعوة رئيس اتحاد المستثمرين، ليحقق أكثر من هدف حيث يملك أكبر شركات منتجة للسجاد، وتضرر من السجاد التركي بالأسواق المصرية، كما يسعى لإرضاء السلطات المختلفة سياسيا مع تركيا، وسعيا لإيقاف قضية احتكار منافذ بيع السجاد التي وجهها له جهاز حماية المنافسة ومنع الاحتكار، وللتقرب من السلطة التي لا تدعوه لمؤتمراتها الدورية.
كذلك نائب رئيس اتحاد المستثمرين والذي يعمل بتجارة الملابس، وتضررت صناعته من منافسة المصانع التركية الموجودة بمصر والمنتجة للملابس خلال التصدير للأسواق الدولية، وأيضا بعض منتجي صناعات الأثاث.
وكانت الدعوة لمقاطعة البضائع التركية في مصر قد زادت حدتها عام 2014، وتبناها الإعلام الرسمي في عنفوان الخلاف السياسي المصري مع تركيا وإبعاد السفير التركي بمصر، لكنها لم تنجح بشكل كبير لتظل العلاقات التجارية بشكل كبير مع تراجع وتيرة الاستثمارات التركية بمصر.
إلا أن إجراءات تقليل الواردات المصرية خلال الأعوام الأخيرة، لتخفيف الضغط على الطلب على الدولار، قد أدت الى تراجع قيمة الواردات المصرية من تركيا من 3.3 مليار دولار عام 2015، الى 2.6 مليار دولار بالعام التالي ثم الى أقل من 2.1 مليار دولار بالعام الماضي، حسب البيانات المصرية.
وعلى الجانب الآخر زادت الصادرات المصرية لتركيا بنفس السنوات، من مليار و272 مليون دولار عام 2015 بنحو 74 مليون دولار بالعام التالي، ثم زادت بنحو 512 مليون دولار بالعام الماضي.
وبالفعل اتجه الميزان التجاري السلعي بين مصر وتركيا لتحقيق فائض لصالح تركيا خلال السنوات العشرة الأخيرة بلا استثناء، سواء من خلال البيانات المصرية أو من خلال البيانات التركية.
ونظرا لوجود اتفاقات تجارية مصرية أخرى مع العديد من التجمعات الاقتصادية الدولية والتي تتيح لمنتجاتها الدخول لمصر بلا جمارك، يظل السؤال هل تنفرد تركيا بتحقيق فائض تجارى مع مصر دون باقي تلك التجمعات الاقتصادية الدولية؟
وتأتى الإجابة الصادمة بأن غالبية تلك التجمعات الاقتصادية تحقق فائضا تجاريا مع مصر، بل إن اللافت للنظر أن نسبة تغطية الصادرات المصرية لتركيا إلى الواردات من تركيا تعد الأعلى، بالمقارنة لتلك النسبة للتغطية مع معظم التجمعات الاقتصادية التي تربطها بمصر اتفاقيات تجارة حرة.
وقد بلغت نسبة تغطية الصادرات المصرية لتركيا بالعام الماضي نسبة 89 % من قيمة الواردات منها، بينما كانت النسبة أقل من 5 % مع تجمع الميركسور الذي يضم عشر دول بأمريكا الجنوبية، حيث كان هناك عجزا تجاريا معها جميعا فيما عدا الإكوادور.
وكانت نسبة تغطية الصادرات المصرية للواردات من الاتحاد الأوربي 38 %، والذى يضم 28 دولة حققت مصر عجزا تجاريا مع 24 دولة منها، وفائضا مع أربع دول هى: المجر وقبرص وسولوفينيا ومالطا، وهى الدول ذات حجم التجاري الضعيف مع مصر.
وبلغت نسبة تغطية الصادرات المصرية للواردات من تجمع دول الإفتا ، الذى يضم أربع دول هى النرويج وسويسرا وأيسلندا وليختنشتاين 40 % ، وحققت مصر عجزا تجاريا معها جميعا .
حتى منطقة التجارة الحرة العربية حققت مصر معها عجزا تجاريا، كما لم تفلح اتفاقية الكويز فى الحد من العجز التجاري الكبير مع الولايات المتحدة، لتصل نسبة تغطية الصادرات المصرية للواردات منها 34 %، ومع ذلك لم تظهر أية أصوات تنادى بتعطيل تلك الاتفاقيات التي تحقق بلدانها فائضا كبيرا مع مصر، كما تشترط الكويز وجود مكون إسرائيلي ضمن السلع المُصدرة للولايات المتحدة.
ولم يفلت من العجز التجاري مع مصر سوى تجمعين هما: الكوميسا نظرا لوجود دولتين عربيتين هما ليبيا والسودان ضمن دول الكوميسا، واللتان تحقق مصر معهما فائضا تجاريا ملموسا، وكذلك مع دول أغادير التي تضم المغرب والأردن وتونس، والتي حققت مصر فائضا معها جميعا.
ويعد السبب الرئيسي لتدنى نسب تغطية الصادرات المصرية مع التجمعات الاقتصادية، التي تربطها بمصر اتفاقات تجارة حرة والتي تضم الميركوسور والاتحاد الأوربي والإفتا وتركيا ومنطقة التجارة الحرة العربية، إلى وجود عجز تجارى مصري مزمن زاد عمره عن الخمسين عاما بلا انقطاع.
فقد بلغت نسبة تغطية الصادرات المصرية للواردات مع دول العام بالعام الماضي 29.5%، وشمل العجز التجاري كل المناطق الجغرافية بالعالم عدا قارة أفريقيا، حيث بلغت نسبة تغطية الصادرات المصرية للواردات من قارة أمريكا الجنوبية أقل من 3 %، ومن دول الأقيانوسية وأبرزها أستراليا 5ر3 %، ومع دول آسيا 10.5% ومع أوربا كاملة 23 % ، ومع أمريكا الشمالية 37 % ومع أمريكا الوسطى 42 % .
ومن هنا فقد حققت مصر عجزا تجاريا مع باقي التجمعات الاقتصادية التي لا ترتبط معها باتفاقيات تجارة حرة، حيث بلغت نسبة تغطية صادراتها الى وارداتها من دول الآسيان العشرة 10 % بالعام الماضي، ومع مجموعة دول الـ 15 نسبة 23 %، ومع مجموعة دول الثمانية الإسلامية النامية 56 %. وكذلك مع دول أبيك بالمحيط الهادي ومع دول البريكس والتي تضم الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا.
والغريب أن تظهر تلك الدعوات لتجميد اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا، رغم أنها أتاحت للصادرات المصرية النفاذ لتركيا، حتى احتلت الصادرات المصرية لتركيا المركز الثاني بين دول العالم التي صدرت لها مصر، بعد الإمارات العربية وهو نفس المركز الثاني الذي احتلته الصادرات المصرية لتركيا بالعام الأسبق.
بل إن الصادرات المصرية لتركيا مثلت نسبة 77 % من مجموع الصادرات المصرية لمجموعة الدول الإسلامية الثمانية النامية، والتي تضم ماليزيا وأندونسيا وإيران وباكستان وبنغلاديش ونيجيريا. حيث تصدر مصر لتركيا الكيماويات والمنسوجات والملابس، والبلاستيك وسماد اليوريا والغزل والخيوط والمنتجات الزجاجية.
وفى ضوء استفادة الصادرات المصرية من اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا والتي تم توقيعها عام 2005، وتقارب تلك الصادرات مع الواردات من تركيا والتي اتجهت للتناقص بالسنوات الأخيرة، ووجود نحو 50 ألف عامل مصري بالشركات التركية العاملة بمصر، تزداد فرص تغلب العوامل الاقتصادية على العوامل السياسية في بقاء اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا.
خاصة أن بنودها تتيح للطرفين اتخاذ الإجراءات اللازمة في حالة حدوث إغراق، كما تتيح اتخاذ اجراءات تقييدية لمدة محدودة، في حالة تعرض ميزان المدفوعات لصعوبات جسيمة.
وإذا كانت تركيا تحقق فائضا في تجارتها مع مصر، فإن مصر تحقق فائضا في ميزان الاستثمار الأجنبي المباشر بين البلدين.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
