المتعثران: ميركل والسيسي!

المتعثران: ميركل والسيسي ما زالا غير قادرين على إقناع الناس بمدى قوتهما وسيطرتهما على مقاليد الأمور.
بحكم الإقامة والمواطنة، فأنت مهتم طول الوقت بفهم ما يدور حولك من تطورات سياسية سواء في بلد الغربة أو في الوطن الأصلي.
ألمانيا ومصر هما محور الاهتمام، وما يجري فيهما في الوقت الحالي يتشابه في عثرة حكام كلا البلدين ميركل والسيسي في الحصول على توافق كبير حول طموحهما في مقعد السلطة، فثمة عثرات كبيرة تحيط بالمشهد السياسي في كلا البلدين رغم الفارق الكبير بين المسارين الديمقراطي في ألمانيا والديكتاتوري في مصر.
ميركل المتعثرة في تشكيل ائتلاف حاكم منذ انتخابات سبتمبر/أيلول 2017، لم تنجح قط في الخروج من النفق المظلم رغم دخولها في مفاوضات شاقة مع كل الأحزاب الممثلة برلمانيا من أجل تكوين الائتلاف، أما عبد الفتاح السيسي الذي يريد خوض الانتخابات الرئاسية وحده مع كل الضمانات التي تحقق له الأغلبية الساحقة، وجدها عملية سهلة في الإطاحة بكل من يقترب من باب الترشح، ولما خلت الساحة تعثر في إيجاد مرشح ديكوري مقنع لمقارعته قي الانتخابات القادمة بهدف الحفاظ فقط على الشكل الديكوري للانتخابات أمام العالم الخارجي، فجاء انسحاب “خالد علي” اعتراضا على حبس سامي عنان المرشح القوي بمثابة صفعة للنظام الذي وجد نفسه وحيدا في الساحة، فراح يستجدي أي مرشح حتي وجد ضالته في موسي مصطفي موسي رئيس حزب الغد الذي تطوع بالقيام بالمشهد الديكوري مصرحا بأنه في حال فوزه سيتنازل لغريمه عن مقعد السلطة!!
المتعثران: ميركل والسيسي ما زالا غير قادرين على إقناع الناس بمدى قوتهما وسيطرتهما على مقاليد الأمور رغم أن كلاهما ما زال في سدة الحكم، لكن يجب الانتباه هنا إلى أنه ليس ثمة مقارنة في كلا المساريين لميركل وعبد الفتاح السيسي؛ فالسيسي يسير في مساره منفردا لا يسمح لأحد بأن يكون له صوتا أو رأيا، فالرأي رأيه هو وأجهزته، وهم الذين اختاروا المرشح الذي سيقف أمام السيسي في الانتخابات القادمة، في حين أن ميركل تسير في المسار الديمقراطي العريق الذي لم تتوقف فيه برهة عن إجراء مناقشات ومشاورات مضنية في محاولة جادة لإيجاد اتفاق يرضي جميع التيارات المختلفة .
يلاحظ هنا أن نجاحات ميركل الاقتصادية منذ اعتلائها سدة الحكم في سنة 2005 لم تشفع لها عندما انتهجت سياسة الباب المفتوح سنة 2015 فيما سمي موجة اللجوء الكبرى، ولم يكن يتفق معها كثير من الساسة وكثير من الشعب الألماني، واعتبروا أن ما حدث خطأ سياسي كبير أثر كثيرا على مسيرتها السياسية التي باتت في مهب الريح.
ميركل لم تخف فشلها، وهي تحاول الرضوخ لإصلاح ما اتخذته من قرارات، وهي لم تحاول أن تخفي فشلها مع غريمها الحزب الاشتراكي الديمقراطي في تحقيق أي نجاح بسبب قضية الهجرة واستقدام عائلات اللاجئين الحاصلين على وضع حماية مؤقت في ألمانيا، أما السيسي فهو لا يدعي أي فشل سياسي، بل قدم نفسه كمرشح جديد حقق 11 ألف إنجاز للبلد ويريد أن يستكمل إنجازاته في مدة الحكم القادمة، رغم أن المعارضة المصرية تشكك في تلك الإنجازات وتقارن بين ما يقول والحال المتردي للمواطن المصري في الشارع.
كلاهما مختلف بحكم البيئة السياسة التي تحكم المشهد، وكلاهما ابن المناخ الذي تربى فيه، فالرئيس المصري لايجتمع بالمعارضة ولا يستمع لها ويسخر منها عبر أبواقه الإعلامية الصارخة، ومعروف للقاصي والداني أن تلك الأبواق ضربت كل قواعد المهنية الصحفية والأصول الأخلاقية في مقتل، مثلا دُعي أحد المرشحين المنسحبين من سباق الرياسة محمد السادات وهو من نوعية “معارض مؤيد” من أجل تسيير مسيرة من المعارضين تذهب إلى الاتحادية لمقابلة الرئيس السيسي والاجتماع به.. فانهالت عليه السهام من الأبواق الإعلامية لتمزقه إربا وتتساءل لماذا الآن؟ وماذا يريدون من وراء تلك المسيرة؟ في حين أن ميركل عرضة ليل نهار لانتقادات الصحافة الحادة، والبرامج الساخرة، بل ويتهمونها بأنها السبب في وصول اليمن المتطرف إلى البوندستاغ حتى أصبحوا ثالث قوة في البلاد في سابقة لم تحدث من قبل بسبب سياستها الخاطئة.
في النهاية كسبت الأساليب غير الديمقراطية بالدفع بالسيسي إلى انتخابات معروف نتيجتها مسبقا، أما ميركل فطريقها شائك.. لأنها لا تستطيع أن تسلك مسارا غير المسار الديمقراطي، وبين هذا وذاك تنعم الشعوب التي تعيش في ظل الحكم الديمقراطي بقيمتها الإنسانية كشعوب مؤثرة وحية، أما الشعوب المغلوبة على أمرها فليس أمامها إلا مزيد من الإحباط والتطلع إلى الهرب من القهر ربما بالانتحار أو بعبور المتوسط إلى الضفة الأخرى منه رغم المخاطر.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
