سيف الإسلام حسن البنا في ذكراه الثانية

تمر الذكرى الثانية على رحيل الأستاذ أحمد سيف الإسلام حسن البنا، الابن الوحيد لحسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، ومن الموافقات بين الابن وأبيه وفاته في شهر وفاة الأب نفسه (فبراير)، وقد كان للابن “سيف” نصيبا من الأب في أمور عدة، من حيث المواهب والأخلاق، ومن حيث التضييق والاضطهاد، سواء من الحكومات أو من بعض من ينتسبون للجماعة التي أسسها والده، ومن حيث وفاة والده بعد أن حلت بالجماعة محنة كبرى أدت لاستشهاده، وقد حمل نعشه والده ونساء بيته، وكذلك الابن مات وتعيش الجماعة أكبر محنة في تاريخها، فأنصارها بين مشرد وشهيد ومسجون، ولا يجد سيف الإسلام محبيه على كثرتهم سواء في تشييع جنازته، أو في عزاء يقام له في القاهرة.

في دار العلوم

استشهد والده وعمره خمسة عشرة عاما، وعندما أنهى الدراسة الثانوية، كانت رغبة والده قبل وفاته ورغبة أسرته أن يدرس الابن كما درس الأب، فيدخل دار العلوم، ورحب بذلك الأستاذ علي اللبان، عميد كلية دار العلوم، وفرح أن يكمل الابن ما بدأه الأب، وقد درس سيف الإسلام في دار العلوم، وقام الأستاذ سيد قطب بتدريسه مادة علوم القرآن والتفسير، في كلية دار العلوم، بطلب من عميد الكلية، وذلك عندما فتح الباب للتقدم لدار العلوم لطلبة مدارس وزارة المعارف، فلاحظ فيهم بعض الضعف، على خلاف الطلبة القادمين من الأزهر، فطلب منه تدريس مقدمات تهيئ هؤلاء الطلبة للولوج لدراسة العلوم الشرعية في دار العلوم. وقد كان مع الأستاذ سيف في هذه الدفعة: الشاعر فاروق شوشة، والدكتور عبد العظيم الديب.

جمع التراث

ثم بعد ذلك درس في كلية الحقوق، فجمع بين ليسانس دار العلوم، وليسانس الحقوق، وإن عمل في حياته بعد ذلك بالمحاماة، ولكن نفعته دراسة دار العلوم والحقوق فيما بعد، ليعمل على مشروع كبير ومهم، لم يقدر الله له إكماله، وهو جمع تراث والده، وظل سنوات يعمل ويجمع، ويعكف على ذلك، وإن سبقه وساعده في ذلك مجموعة من الإخوان ممن لهم عناية بتراث الجماعة، وأخرج جزءا واحدا من هذا التراث، وبقي بقيته مشروعا عنده أصوله، وتعليقات له على بعض أجزائه، وقد اتصل بي رحمه الله وحدد موعدا للقائه في بيته، وذهبت وجلسنا ما يقرب من ثلاث ساعات، لما بلغه عني من اهتمامي بتراث الحركة الإسلامية، وامتلاكي لمجلات الإخوان المسلمين، واطلاعي على تراث رموزها وعلى رأسهم: حسن البنا، وكنت قد قمت بكتابة دراسة مفصلة تصل لحوالي (34) صفحة، قمت بعمل حصر لكل الأعمال العلمية حول تراث حسن البنا، وقمت بكتابة ما لهذه الأعمال من ميزات، وما عليها من ملاحظات علمية، وتناولت الجزء الوحيد الذي نشره الأستاذ سيف الإسلام، وقدمت ملاحظاتي على العمل، وتقبلها برحابة صدر كما هو معهود منه، وقد كانت رغبته أن يكمل هو بنفسه جمع تراث والده، ولذا كان طلبه مني أن أقف عند الأجزاء الأربعة التي قمت بجمعها من تراث والده، فلديه رغبة قديمة أن يحظى بهذا الشرف، ويقوم ببعض الواجب تجاهه، واستجبت وقتها، على أن أتركه يقوم بهذا الواجب، فإن لم يتمكن من ذلك لمشاغله التي لا تنتهي، أعود لتكملة نشر هذا التراث.

كما قام بمحاولة جمع ما يخص والده من أحداث وكتب، واستعان بمن يعرف ممن لهم صلة بتاريخ والده والجماعة، ليشرف على عمل فيلم عن حسن البنا، وقد عاونه في ذلك بعض الإخوان ممن لهم خبرة وصلة بالموضوع، ولكنه أيضا مشروع لم يكمله الأستاذ “سيف” رحمه الله كسابق مشروعه عن تراث والده، أسأل الله أن يجعل ذلك في ميزان حسناته، وأن يقوم من بعده من يكمل هذه المهام من أهل التخصص فيه.

القصص

وكان سيف الإسلام طرفا في قصص تحكى عن أبيه، ولا أساس لصحة بعض ما يذكر، ومن ذلك القصة التي حكتها بعض كتب الإخوان عن أشخاص من الإخوان، أن حسن البنا حين مرض ابنه سيف وهو صغير، وترك زوجه وخرج للقاء للدعوة، فلما سألته زوجته: أين تذهب وابنك مريض؟ فقال: الطبيب موجود، وإن حدث قدر الله، فجده أعرف بالمقابر من أبيه! وكان سيف الإسلام رحمه الله حريصاً على نفي هذه الحادثة، إذ إنها لا تدل على حرص حسن البنا على الدعوة، بقدر ما تدل على غلظة قلب الرجل وفظاظته، ولم يكن كذلك، ولكنها خيالات بعض الأتباع عندما تسرح وتشطح في التقديس للشخص.

الاعتقال

وناله الاعتقال في عهد عبد الناصر في الخمسينيات، ثم ذهبت السيدة أسماء الصولي زوجة حسن البنا إلى بيت عبد الناصر، فقال لها الحرس: إنه مسافر، فتركت خبرا أن حرم حسن البنا قد جاءته، وعندما عاد عبد الناصر من سفره أمر بالإفراج عن سيف الإسلام، ولكن بعد ذلك تم اعتقاله في أحداث 1965م، وتم تلفيق تهمة له.

وبعد خروجه من السجن، شق طريقه في الحياة العملية والدعوية والسياسية، جامعا بين العمل بالمحاماة، والعمل النقابي في نقابة المحامين، والترشح لمجلس الشعب، وقد كان عضوا به لدورة واحدة، ثم تم حل البرلمان، وبعدها يترشح وتزور ضده الانتخابات، حتى آخر مرة ترشح فيها سنة 2000م، عن دائرة الدرب الأحمر، التي يعتز بها، فهي مسقط رأسه وأخواته.

الوصية

كان لسيف الإسلام من أخلاق أبيه نصيب كبير، وبخاصة في تسامحه، فقد تعرض لجفاء بعض إخوانه، ومع ذلك لم يكن يذكر ذلك الخلاف أو الجفاء على ملأ من الناس، كان يسر به لبعض من يتكلم معهم، عندنا يأتي الحديث عن الإخوان، وكانت تلك وصية أبيه حسن البنا رحمه الله، إذ جمع البنا قبل وفاته كل من يدرك من أبنائه وبناته وأوصاهم، بأنه إن جاءه قدر الله، فسوف يلقون أذى من جهتين، فعليهم أن يصبروا ويتحملوا، وألا يردوا الإساءة بالإساءة، فسألوه أبناؤه: من الجهتان؟ فقال: بعض أعمامكم، وبعض الإخوان. وهكذا كان سيف الإسلام رحمه الله في تنفيذ وصية والده، وكذلك أخواته، تقبله الله في الصالحين، وغفر له.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان