دروس في الكتابة الرديئة

عشت 40 عاما صديقا وفيا للكلمة الحلوة، لم أمتهن الكتابة قط حتى وأنا أعمل بمهنة الكلام، ظلت الكتابة معشوقتي الحرة، نلتقي حين تريد، ونبتعد حين لا أكون لائقا بها، كانت الهواية شرط الحب، وكان الاختيار أساس العلاقة.. هي تختارني وأنا أختارها، لذلك توقفت عن الكتابة العلنية أكثر من مرة، وظللت أواصل لقاء الكلمات سرا، أداعبها بتعفف بعيدا عن الأعين، وأغازلها بما يحفظ الود بيننا، حتى إذا لانت.. حانت مواعيد العشق الحميم، كنت أعيش لأكتب ولم أتصور يوما أن أكتب لأعيش، فلم أكتب انتظارا للأجر، أو تلبية لنداء المطبعة، وكنت دون أن أدري أكثر تشددا ومزاجية في شروط الكتابة من تشارلز بوكوفسكي، الذي يذكرني بصديقي الراحل إبراهيم أصلان (رحمة الله عليه)، والذي ظل 8 سنوات كاملة يحذف نصف ما كتبه في رواية “مالك الحزين” ليصل إلى الحد المقبول من الرضا.
لما قرأت مبكرا قصيدة بوكوفسكي عن قواعد الكتابة الحرة، تمسكت بها واعتبرتها وصية، برغم أن الرجل وصف نفسه بـ”المجنون” طيلة حياته، لكنه لما مات بان أنه كان الأكثر عقلا بين مخبولي عصره، أما الآن أستطيع القول بما تبقى لدي من “نزاهة الكلمة” أنني ألعن بوكوفسكي وأحرق وصيته، لأنني صرت (في نهاية المطاف) أجيرا عند المعشوقة، صارت “شهرزادي هي شهرياري”.. تضع السيف على رقبتي وتأمرني أن أحكي على طريقة “سلطان الكلام”، المهم أن أواصل الكلام بلا توقف لأتمكن من الحفاظ على حياتي، وتحت هذا التهديد لم تعد تبرق في عيني الوصية المجتزأة التي أمر بوكوفسكي بكتابتها على شاهد قبره: “لا تحاول”، لم أعد أبتعد عن الكتابة عندما لا تكون جاهزة، وعندما لا أكون لائقا، فأنا الآن أحاول وأتجرأ وأنتزع الكلمات فجة من فرعها قبل أن تنضج، وكلما نظرت إلى السيف في يد شهرزادي، سارعت إلى حصاد و”رص” الكلمات حتى لو كتبت من اللاشيء وعن اللاشيء، فقد صرت جوالاً يدور ببضاعته في مدن الكلام، يردد الترانيم المحفوظة في أسواق العبيد.. يبيع للضالين حكايات معلبة باردة عليها شعارات مغوية عن الحكمة والصحة والنجاح، يروج لعبة التراشق البغيض المموهة بالخوف، يحطم قوارير تأمل الذات، ويشوش حكمة الصمت بحصوات الثرثرة.
ها أنا الآن ضمن طابور باعة الزيف في أسواق الكلام حيث تزدهر تجارة النفاق، والتكرار، والمكابرة، والمزايدة. ها أنا أمارس تحت التهديد ألاعيب التغطية والتعرية، التنويه والتشويه، المدح والقدح، التهليل والتهويل، الترغيب والترهيب، التيسير والتعسير، التبشير والتحذير… إلخ. ها أنا ابتعد عن كلامي، وأكتب مايقوله وما يريده الملوك والتجار. ها أنا أرى بوكوفسكي شاعرا معتوها باع لنا كلمات فاسدة في قصيدة زائفة ظل يحرضنا فيها على الصمت إذا لم تكن الكتابة من القلب، ولأن هذه البضاعة نادرة، فقد اكتشفت بعد فوات الأوان أن نصيحته أخرجتني أنا وأمثالي من السوق بعد أن أغرقه أباطرة الكلام المعلب بإنتاجهم الفاسد، لذلك يا سادتي المخدوعين، أنتقم لنفسي اليوم من بوكوفسكي نفسه، أبتذل أمامكم وصية ذلك الخجول المعقد، وأطعم “وحش الكلام” بلحم قصيدته الذائعة التي أوصى بوضع أبيات منها على شاهد قبره: لاتحاول
هل تريد أن تصبح كاتبا؟.. لا تحاول.
إذا لم تنطلق الكتابة من داخلك بقوة، وبرغم كل شيء
فلا تكتب
إذا لم تخرج الكتابة من قلبك، ومن عقلك، ومن فمك، ومن أعماقك
فلا تكتب
إذا جلست لساعات باحثًا عن الكلمات أمام شاشة الكمبيوتر
فلا تكتب
إذا كنت تكتب من أجل المال، أو الشهرة
فلا تكتب
إذا كنت تكتب من أجل إعجاب النساء بك
فلا تكتب
إذا كنت تضطر لترقيع كتابتك، وإعادتها مرة بعد أخرى
فلا تكتب
إذا فكرت في الكتابة كعبء ثقيل
فلا تكتب
إذا كنت تحاول الكتابة بطريقة شخص آخر
فاقلع عنها نهائيا
إذا كان عليك انتظار الكتابة لتخرج مدويّةً منك،
فلا تيأس وانتظرها بصبر
إذا لم تخرج الكلمات منك يسهولة وصدق
فابحث عن عمل آخر
إذا كان عليك أن تقرأها أولا لزوجتك، أو أصدقائك، أو والديك، أو لأي أحد على الإطلاق.. فأنت لست جاهزًا.
لا تكن مثل كثير من الكتّاب، لا تكن مثل آلاف البشر الذين سمّوا أنفسهم كتّابًا،
لا تكن مثلهم بليدا ومملا ومتبجحا، وأنانيا.. مكتبات العالم تثاءبت حتى النوم بسبب هؤلاء، لا تضع اسمك معهم
لا تكتب إلا إذا كانت الكتابة تنطلق من روحك كالصاروخ
لا تكتب إلا إذا كان صمتك عن الكتابة يقودك للجنون، أو الانتحار، أو القتل
لا تكتب إلا إذا كانت شمس الكلمات تحرقك من الداخل
عندما يكون الوقت مناسبًا للكتابة ستختارك هي.. ستكتب نفسها، وسوف تستمر طيعة معك حتى تموت، أو تموت هي داخلك.
لا توجد طريقة أخرى للكتابة الجيدة غير ذلك، ولن توجد أبدا، فلا تحاول..
لا تحاول
وداعا لبوكوفسكي، ذلك المختل الذي كتب في نهاية الستينيات “رسالة تغيظني” لصديقه كارل فيزنر قال له فيها: “أمامي اختيار واحد من اثنين، إما أن أبقى موظفا في مكتب البريد.. وهذا سيصيبني بالبلاهة، وإما أن استمر في الكتابة وأموت جوعاً، وقد قررت الموت جوعا”
كان حينها قد انتهى من كتابة “أنا وحثالة العالم”، وحقق له الكتاب مبيعات جيدة، فلم يتعرض للجوع في بلاد يمكن للكاتب فيها أن يعيش من عائد كتبه، أما في بلادٍ يدفع فيها الكاتب للناشر، في بلادٍ يدفع فيها الكاتب حياته ثمناً لكلمة حق، في بلادٍ يصنعون فيها قوالب الكلام على مقاس سلطان أحمق، فلا مجال آمن لخيار آخر، غير “الكتابة الرديئة”، وها أنا أتعلم درسي الأول.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
