أي انتخابات بعد انتكاسة أهداف 25-30 في الديمقراطية؟!

المجتمع المدني المؤثر والحي أداة التغيير الأساسية نحو دولة القانون، والديمقراطية، والحريات، وحقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية من خلال قوى وكيانات ونخب وشخصيات مدنية حقيقية ترتقي لمستوى تحديات بناء نظام سياسي مدني دستوري فعلي، لكن ليس من بين تلك النخب والعقول أحد من عينة موسى مصطفى موسى الذي تم جلبه ليترشح في انتخابات الرئاسة في مصر قبل غلق الباب بدقائق قليلة في محاولة لمنح الانتخابات ديكوراً من التنافس غير المقنع، فكان أن تشوهت صورة الانتخابات أكثر بهذا الترشح، ولو كانت أخذت شكل الاستفتاء على مرشح واحد لصار الأمر أكثر صراحةً ووضوحاً واتساقاً مع طبيعة المرحلة، بدل دفن الرؤوس في الرمال.
لو كان من يقوم بالتفصيل الانتخابي حافظ على المحامي خالد علي مثلاً لكان وفر الحد الأدنى من الوجاهة والاقناع للانتخابات باعتبار أنه وجه مدني حقيقي، وصاحب موقف ورؤية، ولديه خطاب سياسي وأيدلوجي واضح ومحدد المعالم، ويمتلك قدرة التعبير الفصيح عنه، وله جمهور يمكن أن يتزايد، وقد كنت قريباً من التصويت له في 2012.
ولولا المناخ السياسي المغلق والمقيد والضاغط والذي يشكل انتكاسة لأهداف 25 يناير، وحتى 30 يونيو، لكان خالد علي أكثر تأهلاً لمناصب عليا يحوزها بالانتخابات، فهو لا يقل في المستوى عن مانويل ماكرون، أو سباستيان كورز، وهو وهذان الاثنان من فئة عمرية شبابية متقاربة، ماكرون الفرنسي ينتمي إلى بلد التنوير والحرية وقد صار رئيساً، وهو أصغر من دخل الإليزيه سناً “39 عاماً”، وكورز النمساوي مواطن في بلد منفتح دون قيود على الديمقراطية حتى مع أشد المتطرفين في تيار اليمين القومي، وقد بات رئيس الحكومة، وسجل أنه أصغر قائد في العالم اليوم “31 عاماً”، ولا مانع أن نذهب مع الديمقراطية، والانفتاح، والتسامح السياسي، والعقل الحداثي إلى نيوزيلندا لنجد هناك جاسيندا أردرن أصغر شخصية نسائية ترأس الحكومة في هذه البلاد “37 عاماً”، وهي من أصغر السيدات اللائي حكمن على مستوى العالم، وبالمناسبة هي حامل، وتدير شؤون بلادها بكفاءة.
ما الفارق بين خالد علي، وبين هؤلاء الثلاثة، والعشرات غيرهم من القادة في العالم الديمقراطي الحر الذين يصلون لأرفع المواقع في أعمار صغيرة؟
الفارق الجوهري هو الديمقراطية التي تمكن الشعب من الاختيار الحر النزيه، وهذه العبارة هي جوهر التغيير في 25 يناير، وهي شعار الخروج في 30 يونيو الذي تم رفعه لقطع الطريق على استبداد جديد يطل بوجه ديني، كما كان يردد كثيراً قادة هذا الحراك في مرحلة الإعداد للمطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة، لكن بعد سنوات مما جرى يتبين أن الشعار غير الواقع، فالإطاحة لم تجرف رئيساً كان خصومه يشككون في نواياه الديمقراطية – وضاعفت بعض ممارساته تلك الشكوك – إنما جرفت معها فكرة الديمقراطية نفسها، وأوقفت مسارها الانتقالي، وهذا أخطر كثيراً من عزل رئيس، أو حتى عشرة، فالرئيس الذي يُعزل أو يُطرد من السلطة، بينما تبقى الديمقراطية، والآليات الشفافة لانتخاب غيره ستكون أهم نتائجه حماية النظام الديمقراطي من العصف به، والحفاظ على الدولة الدستورية، وصيانة الدولة والمجتمع من الدخول في المجهول، وحالة الانتخابات الحالية كاشفة لمأزق الديمقراطية، والأزمة العميقة للمجتمع السياسي المدني.
في البرازيل 2016 أطاح البرلمان بالرئيسة المنتخبة ديلما روسيف في تحرك من خصومها توفرت له مشروعية دستورية، وفي جوهره كان انقلاباً سياسياً منظماً، لكن بقيت الديمقراطية، ولم تسقط الدولة والنظام في قبضة استبداد، أو عنف وانقسام مجتمعي، الحياة مستمرة بوتيرتها الطبيعية، وجارى الاستعداد لانتخابات مقبلة وفق آليات التنافس الحر.
ليس خالد علي هو النموذج النهائي الذي أقيس عليه هنا حتى لو ورد ذكره عدة مرات، مصر مليئة بمئات ألوف الشباب الذين يصلحون للتنافس الانتخابي، والقادرين على القيادة لو أتيحت لهم الفرصة كما تُتاح لأمثالهم في الديمقراطيات التي تفرز قيادات وزعامات في الأحزاب والتيارات السياسية، ومختلف مكونات المجتمع المدني من نقابات وجمعيات ومنظمات واتحادات فئوية ومهنية وشبابية وطلابية وجماعات ومراكز ضغط وتأثير، إنما إشارتي إليه لأنه عرض نفسه مبكراً، وكان جاداً في الترشح، ومضى فيه – بعكس المرشح المستدعى موسى مصطفى موسى – ثم انسحب عندما وجد أن الظروف لن تساعد في أن يحظى بمنافسة عادلة، بجانب حالة شخصيتين كبيرتين كانتا ترغبان في الترشح، وهما من داخل دوائر النظام، ومن أبناء المؤسسة التي يخرج منها الرؤساء طوال 66 عاماً إلا عاماً واحداً فقط، أحدهما منزوٍ في بيته وانتهى طموحه للأبد، والآخر يقبع في زنزانة بالسجن، وحلمه يتوارى هو الآخر.
لست ضد موسى مصطفى، احترمه كشخص، وأشفق عليه كمرشح رئاسي، لأنهم وضعوه في مجال لم يكن مؤهلاً له، ولا مستعداً للقيام بتكاليفه، ويعرضونه لسخرية واسعة في فضاء النقاش العام الذي يستحيل تكميمه سواء على مواقع التواصل، أو في الحوار المباشر لدى الجمهور، وأتوقع أنه في داخله غير راضٍ عن نفسه، وصناديق الانتخابات لن تكون رحيمة به، وقد تمثل أزمة نفسية، لا سياسية له، فهو لم يكن يطمح للتنافس الرئاسي، كان قانعاً بلعب دور في تأييد الرئيس الحالي، وتنظيم حملات الدعم له من الانتخابات السابقة إلى الحالية بمسميات مختلفة من “كمل جميلك” إلى “مؤيدون” ثم فجأة يكون مطلوباً منه أن ينافس ويفوز على من كان يتفانى في مساندته.
في انتخابات 2014 كان المنافس الآخر حمدين صباحي، وهو شخصية ذات اعتبار ووزن، وله تاريخ سياسي معروف، وحقق نتيجة كبيرة في 2012، فقد حل ثالثاً متفوقاً على شخصيات كبيرة مثل عمرو موسى وعبدالمنعم أبوالفتوح والعوا وآخرين، لكن هذه التجربة عرّضته لإهانة سُجلت في تاريخه إذ حاز المركز الثالث بعد الأصوات الباطلة، وعدد الأصوات التي حصل عليها كانت 757 ألفاً فقط، بينما نال ما يقرب من 5 ملايين صوت في 2012، وتجربة 2014 شوشت عليه، ولا أظن أنه سيعود كما كان، لأنها كانت انتخابات المرشح الذي أسماه هيكل الأب الروحي لـ حمدين بمرشح الضرورة، فلم تتوفر لها الأجواء المفتوحة، والتنافسية والتعددية، مثلما جرى في الاستحقاق السابق الذي سيظل علامة بارزة في تاريخ الانتخابات المصرية، دور صباحي كان منح الشكل الديمقراطي للانتخابات، كما هو الحال اليوم مع موسى مصطفى.
وكان المنطقي أن تتحرك انتخابات 2018 للأفضل ديمقراطياً باعتبار انتفاء ضرورة وجود مرشح معين يجري تهيئة المجال العام له وحده، فالظروف اختلفت كثيراً، والديمقراطية كان يجب أن تستأنف نشاطها لتقدم الانتخابات للداخل والخارج رسالة حان وقتها بأن الشرعية هذه المرة تتأسس على أصوات انتخابية جاء كل صوت فيها بإرادة واختيار حر وحقيقي دون تفويض أو ترغيب أو ترهيب ودون مجال ضيق للاختيار، لكن المفارقة أنها تراجعت خطوات للخلف حتى عن 2014، فأصبحت أكثر تقييداً، وباتت استفتاءً، وحتى تاريخ ودور المنقذ يختلف عن نظيره في الاستحقاق السابق.
سردية الانتخابات محبطة في بلد شهد أول مجلس نيابي في الشرق الأوسط، “مجلس شورى النواب”، وحتى لو لم يكن منتخباً، وكان مُختاراً بعناية من علية القوم، لكن البذرة كانت مهمة، وأثمرت عام 1924 أول مجلس نيابي منتخب بحرية فاز بأغلبيته حزب الوفد الذي شكل أول حكومة شعبية في تاريخ مصر وفق دستور 1923 الذي يظل أحد أهم الدساتير، وتواصل الحراك الديمقراطي مداً وجزراً إلى محطة 23 يوليو 1952 إذ انقطع هذا الحراك تماماً، ثم عاد مع السادات بشكل رمزي، واستمر ونما مع مبارك وإن كان في حدود ضيقة، وبعد 25 يناير 2011 ولمدة عامين ونصف العام فقط شهدت مصر نمطاً من الحريات والانتخابات لا يختلف عن أي ديمقراطية محترمة في العالم، لكن تتم العودة مجدداً إلى تعطيل الديمقراطية، وتحويل الانتخابات إلى المشهد التقليدي القديم، ونتيجتها معروفة مسبقاً، وهذا مؤشر مرض، لا عافية، وعلامة قلق، لا اطمئنان، فلينتبه من يهندسون السياسة، بأن الرسم الهندسي يجب أن يتسم بالحذر والدقة المتناهية عند تصميم نمط التعامل مع مصائر الشعوب والأوطان.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
