المعجزة

حكى لي مسؤول كبير سابق في القوات المسلحة، تفاصيل هذه القصة المزدوجة التي تلخص عجائب ومعجزات الطب والسياسة في مصر، فقال:
أثناء الإعداد لأحد المشاريع التدريبية الكبرى، اضطررت ذات ليلة خريفية، للسهر في مكتبي بمقر الفرقة، وفي الثانية قبيل الفجر، سمعت هرجاً ومرجاً في المعسكر، ولما استفسرت عن الأمر، عرفت أن ضابطاً أصيب بحالة تشنج وصداع عنيف، ثم بدأ يصرخ بطريقة جنونية أيقظت زملاءه، الذين أصيبوا بالفزع عندما شاهدوه يخلع حذاءه الميري وينهال به على رأسه بكل قوة، ثم سقط فجأة فاقد الوعي، فأمرت بنقله فوراً إلى إحدى المستشفيات العسكرية، وسألت زملاءه عن ظروفه وتاريخه المرضي، فقيل لي إنه ضابط مطيع بشدة للأوامر، يبذل مجهودات كبيرة، يلتزم بتنفيذ الأوامر حرفياً، ويتصرف بأدب واحترام مع كل زملائه، لكنه قبل أسابيع اختلف (لأول مرة) مع زميل أقدم منه يتولى قيادة الكتيبة، فنهره قائده المباشر قائلاً: “انت نسيت نفسك وللا إيه؟.. نفذ الأوامر من غير نقاش”، وبعد هذا الموقف الذي حدث في ساحة الطابور أمام الجنود، زادت مظاهر الانطواء على الضابط الخجول، وظل يبالغ في تأنيب نفسه على الملأ، ويعتذر لكل شخص يقابله عن غلطته العسكرية الشنيعة، وينفي عصيان الأوامر، ويكرر الحديث عن الواقعة الوحيدة كأن العالم توقف عندها.
يكمل القائد الكبير: بعد فترة من العلاج كنت قد نسيت أمر الضابط المريض حتى وصلني تقرير يؤكد صلاحيته للخدمة، فاندهشت من التقرير وطلبت المزيد من التوضيحات عن الحالة الصحية والنفسية للضابط، ومدى ملاءمتها لأداء واجباته العسكرية دون إخلال؟، وجاء الرد ليؤكد أن الضابط في حال أفضل من أي وقت مضى، ولما كان الأمر غريباً، فقد وضعت الضابط تحت ملاحظتي الشخصية، وطلبت تقريراً يوميا عن تصرفاته، ومع مرور الوقت بدأت شكوكي تتحقق، فالضابط كان يبالغ في انحناء أكتافه لأسفل ويميل برقبته ناحية الأرض كمن يبحث طول الوقت عن شيء مفقود، لكنه برغم ذلك عاد أكثر نشاطاً وحماساً للمهام وللتدريبات، مع غياب تام للشكوى وللكلام خارج التعليمات العسكرية، كأنه “روبوت” تم برمجته بكلمات محدودة لأداء مهمة محدودة، لا يتحدث في غيرها أبداً، وبدأت أستدعيه للمكتب بحجج مختلفة لأستدرجه في الكلام وأعرف سر الصمت المريب، فكان يتحدث باقتضاب شديد، ولما نهرته: “إشرح وفسر يا ظابط يا نتن”، رد بطريقة آلية: “حاضر يا افندم”، ثم بدأ يهذي بطريقة غريبة مليئة بالتناقضات.
يواصل المسؤول العسكري السابق: مثل هذه التصرفات رفعت عندي درجة الفضول، فبدأت في تتبع أخبار ذلك الضابط ومراقبته بنفسي بين وقت وآخر، فكنت أراه يعكس الاتجاهات ويقلب الكلمات، فيأمر الجنود مثلاً: للأمام سر، ثم يعاقبهم مصمماً أنه قال: للخلف دُر، أو يتحدث عن اليسار وهو يقصد اليمين، أو يكلف الجنود بمهام غريبة في أوقات غريبة ولا يطيق أن يجادله أحد، ومن التقارير العجيبة التي أذكرها عن تصرفاته أنه عاقب المجندين في الكتيبة كلها، لأنهم أخطأوا في حساب عدد حبات الأرز في طبق جاء به ذات نهار، بعد أن أمر بجمع الجنود في طابور تحت الشمس الملتهبة، صارخا بحماس: تدريبات الدقة.. بيان على المعلم، ثم ألقى خطبة طويلة عن خطورة خطأ الجندي في عد حبات الأرز، وذكر الرقم الصحيح ثم أمسك بالطبق على رأس الطابور وبدأ يعد الأرز بنفسه (حبة.. حبة) وسط دهشة واستغراب الجنود، لكن الضابط لم يكن يشعر بأي غرابة في تصرفاته، ويبدو شديد الاقتناع بما يقول وبما يفعل، ويدافع بعصبية عن تصرفاته العجيبة، ويندد برعونة الجنود وعدم فهمهم لمسؤولياتهم العسكرية
بعد أشهر قليلة، فوجئت بصرخات مفزعة للضابط وسط الوحدة: آآآآه.. آآآآآه.. دماغي.. صوابعي.. آآآه يا رجلي
لم أفهم، وتخيلت أنني سمعت الكلمات خطأ، فهرعت إلى الضابط لأفهم المشكلة وأطمئن على حالته، لكنه كان يردد كلاما غريباً وهو يمسك دماغه بين كفيه، ويضرب خلفية رأسه في الجدار، حتى أغمى عليه، ونقلناه للمستشفى، وبعد الأشعة والفحوصات كانت المفاجأة التي أذهلتني، فقد أبلغني مدير مكتبي أنه شاهد بنفسه صورة مخ الضابط في شكل عجيب جداً، يشبه “البيادة” تماماً، وسرت شائعات أن الطبيب الذي عالج الضابط في المرة السابقة، اكتشف تلف المخ فاستأصله، وزرع بدلا منه نسيجاً رخواً استعاره من الدهون الاسفنجية في منطقة المؤخرة!!
كان القائد العسكري يحكي تفاصيل الحادث الغريب بجدية، فسألته:
وهل يمكن أن يعيش إنسان بعد استئصال المخ؟
قال القائد الراوي: هذا ما تعجبت منه، فاتصلت بالعميد طبيب (ح. ط) وذهبت بنفسي إلى مكتبه بالمستشفى، وسألته عن حقيقة الشائعات التي تتحدث عن حالته، فجلس يشرح لي أمورا طبية معقدة خلاصتها إن جسم الإنسان يستطيع في حالات معينة أن يتقبل الأنسجة الرخوة مكان الأعضاء، لأن حشو المكان الفارغ أمر له أهمية كبيرة في ذاكرة الجسد، قد يتفوق على أهمية وظيفة العضو الأساسي، لأن الجسد الإنساني يشعر بالفزع من الفراغ، ويهدأ إلى حد كبير بعد إحساس “الامتلاء”، كما يحدث في حالة الجوع، حيث يكون امتلاء المعدة أهم من نوعية الغذاء وأهم من قيمة السعرات وفوائد الفيتامينات، لأن نوع الغذاء هدف مؤجل يحتاجه الجسم فيما بعد ولا علاقة له بإحساس المعدة وألم الشعور بالجوع، وهذا يشير إلى إمكانية استبدال أي عضو من الجسد بأي مادة مالئة أخرى، حتى لو كانت عاجزة عن القيام بأي وظيفة، وفي حالة وجود مناعة تهدد قبول الجسم الغريب، نلجأ (والكلام للطبيب) لإضعاف المناعة (بحكم الضرورة)، وبذلك نتمكن من تعويض أي عضو من أعضاء الجسم بمادة أخرى حتى لو كانت من البلاستيك أو السليكون، وكما في الأطراف الصناعية التجميلية لا يشترط أن تقوم “المادة التعويضية” بوظيفة العضو المستأصل، ومن حسن حظ هذا الضابط أن الأشعات والفحوصات أثبتت أن السبب الأساسي في تليف وضمور المخ عنده، هو الخمول الشديد الناجم عن عدم الاستخدام، وحسب نظرية دارون عن “الإهمال والاستعمال”، تحول “المخ المتليف” مع الوقت إلى بؤرة تلوث صديدية قابلة للانتشار في البدن كله، وبالتالي كان لابد من المجازفة بإجراء جراحة إعجازية لاستئصال المخ الذي فسد وتحور إلى شكل “البيادة” كما ظهر لكم في الأشعة.
دفعني العجب لمقاطعة القائد العسكري السابق وسألته باندهاش: وهل عاش ذلك الضابط، واستطاع أن يمارس أي عمل؟
قال وهو يشير إلى شاشة التليفزيون متأففاً: عاش يا سيدي، بذمتك مش معجزة ما لهاش مثيل؟!
عبد العاطي ليس صدفة، والكفتة أسلوب حياة.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
