الصمود الفلسطيني علاج للمحبطين

ورد في الأثر “من أراد واعظا فالموت يكفيه ومن أراد حجة فالقرآن يغنيه”، ونضيف “ومن أراد علاجا لليأس ففلسطين تشفيه”، طبعا كل معارك التحرر التي استمرت عقودا هي نماذج للصمود، لكن النموذج الفلسطيني لا يزال قائما رغم تكالب الأعداء، وتوالي الضربات، وغياب توازن القوة مع العدو، وانتشار حملات الحروب النفسية والتثبيط، والتي تشارك فيها حكومات وهيئات وشخصيات عربية، و فلسطينية أحيانا.

سبعون عاما، لم تسقط راية النضال الفلسطيني، تسلمتها أجيال من أجيال، مرت بجولات من الهيوط والصعود، آلمت عدوها، وثأرت لشهدائها، ورفضت سيف المعز وذهبه في مقابل التفريط في أرضها وحلمها بإقامة وطنها المستقل وعاصمته القدس الشريف.

لم يتوقف الحراك

ما بين قرار الحكومة الأمريكية في 15 مايو 1945 بالاعتراف بالكيان الصهيوني بعد إعلانه بدقائق، وبين تنفيذ قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في ذكرى القرار الأول، لم يتوقف الحراك الفلسطيني يوما، سواء عبر عمليات فدائية أو استشهادية أو مظاهرات وفعاليات سلمية، لن يكون آخرها مسيرات العودة التي انطلقت قبل أسابيع عدة في الذكرى السبعين للنكبة، وكانت أشدها خلال الأيام القليلة الماضية، والتي شاركت فيها أجيال جديدة لم تحضر الحروب العربية الإسرائيلية السابقة وآخرها حرب أكتوبر تشرين أول 1973، ولكن هذه الأجيال هي الأبناء الشرعيون للاننتفاضة الفلسطينية التي كانت أولى موجاتها في العام 1987، والموجات التالية لها وصولا إلى الموجة الحالية والتي قدمت 62 شهيدا وأكثر من 2800 جريح في يوم واحد، تأكيدا لعروبة القدس، وكونها عاصمة فلسطين لا عاصمة الكيان الغاصب.

جاءت الموجة الجديدة لانتفاضة القدس وسط حالة تردٍ عربي غير مسبوقة، حيث لم يقتصر التواصل والتنسيق بين الحكام العرب و”الصهاينة” على الترتيبات السرية بل خرج إلى العلن بشكل فج، وبدون أدنى حياء، أو استشعار اللوم، فهناك رؤساء وملوك وأولياء عهود عرب يجالسون الصهاينة، ويزورنهم في الأرض المحتلة، ويلتقونهم خارجها، ويقدمون لهم فروض الولاء والطاعة لكسب رضاهم في مواجهة شعوبهم، وفي المقابل فإن هؤلاء الرؤساء والملوك والأمراء يستدعون قيادات فلسطينية للضغط عليها للقبول بتسوية مهينة، بل قبول صفقة القرن التي تضع نهاية مأساوية للقضية الفلسطينيية من خلال شبه وطن على أجزاء من الأرض الفلسطنية وأجزاء من غيرها، منهية أسطوة هذا النضال وتلك التضحيات التي إمتدت لسبعيين عاما.

ما حك جلدك

لم تدفع هذه الحالة من التردي الفلسطينيين لليأس والإحباط، والقبول بالأمر الواقع بل تشبثوا بالمثل الدارج “ما حك جلدك مثل ظفرك” فأشعلوا انتفاضتهم الجديدة وهم مجردين من أي سلاح سوى إيمانهم بربهم، وإيمانهم بقضيتهم، وتمسكهم بحقهم المشروع الذي ضحت من أجله أجيال متعاقبة، خرج الفلسطينيون هذه المرة في مسيرات العودة قاصدين الحدود الفاصلة بينهم وبين مستعمرات الكيان الغاصب للتأكيد على أن كل تلك الأرض هي أرضهم، وعادوا إلى الأساليب البدائية في المقاومة السلمية مثل المقلاع، والطائرات الورقية الحارقة والتي تعد أحدث إبداعات المقاومة، وواجهوا الرصاص الإسرائيلي بكل بسالة، فسقط منهم أولئك الشهداء والجرحى، والذين كانت أغلبيتهم من الشباب والفتيات، ولكن اللافت هو ظاهرة المقاومين المعاقين الذين لم تمنعهم إعاقتهم، واستخدامهم لمقاعد متحركة عن اللحاق بالصف الأول للمواجهات، وكان منهم الشهداء، على خطا الصحابي عمرو بن الجموح الذي أصر على المشاركة في غزوة أحد رغم عرجته، التي أراد أن يطال الجنة” وعلى خطى شيخ المقاومة ( المقعد)أحمد ياسين رحمه الله.

تمتلك المقاومة الفلسطينية في الوقت الحالي أسلحة لا بأس بها، سواء عبر الشراء أو التصنيع المحلي، وقد استخدمت من قبل قدرا قليلا من صواريخها، وقاذفاتها، ولكنها تسعى لاستكمال منظومتها التسليحية قبل أن تدخل في مواجهة شاملة غير متكافئة، لكن وجود تلك الأسلحة يبث الطمانينة إلى حد ما في قلوب المقاومين الذين باتوا يدركون أنهم لن يكونوا لقمة سائغة لعدو يتخطفهم، ومع ذلك فإن قيادة المقاومة عادت لإستخدام أسلوب المقاومة الشعبية السلمية في إطار تنويع أساليب المواجهة.

يدرك الشعب الفلسطيني ومقاومته الحية أن نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، ليس نهاية المطاف، ولن يغير الواقع والتاريخ، ويدرك أنه إذا كانت الولايات المتحدة ومعها عدة دول قررت نقل سفاراتها فإن غالبية دول العالم لا تزال ترفض ذلك، بل إن بعض الدول وعلى رأسها تركيا وجنوب أفريقيا وأيرلندا سحبت سفراءها من الكيان الصهيوني (إسرائيل)  دعما لهذه الموجة المقاومة، ورفضا واستنكارا لقتل كل ذلك العدد من الفلسطينيين المسالمين، وإذا كانت غالبية الحكومات العربية قد دعمت العدوان “الصهيوني” سرا أو جهرا –رغم بعض البيانات الشكلية الهزلية- فإن الشعوب العربية لا تزال رافضة للتطبيع مع العدو “الصهيوني”، وقد تحركت أجزاء مهمة منها، ومن المتوقع ان تتحرك أجزاء أخرى خلال اليومين المقبلين وخاصة عقب صلاة الجمعة، في حين لا تستطيع بعض الشعوب العربية التعبير عن رأيها بفعل القبضة الأمنية القاسية.

مصر الثورة ومصر الآن

شتان بين مواقف مصر الرسمية والشعبية من المقاومة الفلسطينية في عهد الثورة، وفي عهد الإنقلاب، في الأولى خرجت مصر الرسمية بقيادة رئيسها المدني بأعلى موقف رافض للعدوان على غزة في 2012، وأطلق الرئيس مرسي كلمته الشهيرة “لن نترك غزة وحدها” وأرسل رئيس وزرائه هشام قنديل لزيارة القطاع المحاصر مصحوبا بإمدادات تموينية وصحية للقطاع، وهو ما دفع العدو الإسرائيلي لوقف عدوانه سريعا، وفي عهد الثورة أيضا حاصر الثوار مقر السفارة الصهيونية في القاهرة، واقتحموها، وأنزلوا العلم الإسرائيلي وأحلوا محله العلم المصري، وإضطرت البعثة الدبلوماسية الإسرائيلية للهرب بليل من مصر، أما في عهد الإنقلاب فقد سمحت السلطة “للصهاينة” بتنظيم إحتفال علني على مشارف ميدان التحرير بالذكرى السبعين للنكبة (التي أسموها عيد الإستقلال) في الوقت الذي رفضت فيه السلطة ذاتها السماح لأي قوى سياسية مصرية بالتعبير عن رأيها بحرية، ولكن ذلك لن يغير أيضا من حقيقة الموقف الشعبي المصري الرافض للتطبيع والتطويع، ولن نفاجأ إذا تمكن الشعب المصري من كسر هذه القيود الأمنية وخرج بشكل عفوي تضامنا مع أشقائه الفلسطينيين في أي لحظة.

الدماء الغالية

كم هي عزيزة وغالية تلك الدماء الفلسطينية التي سالت من الشهداء والجرحى، لكنها لم ولن تذهب هدرا، فقد أيقظت -مع غيرها من دماء المقاومة في كل مكان- الأمة من ثباتها، وتوحدت الشعوب الإسلامية مجددا خلف قضية القدس، لتثبت القدس من جديد أنها هي البوصلة، وهي المسطرة التي تميز العدو من الصديق، وليصبح درس الصمود الفلسطيني علاجا لليائسين والمحبطين خاصة في دول الربيع العربي التي تواجه الآن الثورات المضادة، فما ضاع حق وراءه مطالب.

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان