الخبز المسموم والنشر المحظور

وما هي طبيعة النظام الحاكم الذي يسعى لنشر الأمراض المميتة والقاتلة بين شعبه وتدمير ثروته الزراعية، ويحظر نشر هذه الحقائق بقرارات صريحة أو بضغوط خفية؟! ولصالح من يعمل هذا النظام؟!

   لكلمة “حظر النشر” حدان: حد إيجابي يتعلق بمساحة الحريات الشخصية وحدود أمن المواطن واحترام حياته الخاصة، وحد سلبي عندما تتحول ذات الكلمة إلى أداة للتعتيم على أمور قد تضر حياة البشر وأمنهم ومصيرهم.

حظر النشر بدأ في الظهور فيما يخص الأخبار التجارية وكان مطلبا منطقيا مثل أن يطلب مصدر حظر نشر معلومات عن سلعة سيتم طرحها في السوق إلا بعد الإعلان عن طرحها، وكان الأمر يتم باتفاق بين المصدر وجهة النشر وعند المخالفة كان أقصى ما يمكن أن يفعله المصدر هو الامتناع عن التعامل مع المصدر أو إعطائه معلومات.

ونظرا لتشابك المصالح والأحداث والضرورات التي أحيانا تبيح المحظورات فقد يحدث أن تلجأ بعض الحكومات إلى الحظر الإعلامي لأسباب أمنية أو سياسية شريطة أن تكون منطقية ومفهومة لدى الجهات الإعلامية.

المشكلة تكمن في الأنظمة الفاشية والأنظمة الفاسدة التي تتخذ من الحظر درعا لحماية جبروتها واستبدادها وفسادها، وهنا أدوات الحظر لا تقتصر على جهة واحدة أو أداة واحدة وإنما تتشعب لعدة جهات، والكثير من الأدوات منها ما هو قانوني يستند إلى قرارات النائب العام والتي عادة ما تكون قرارات سياسية لا تراعي المصلحة العامة بقدر ما تراعي المصالح الخاصة لأعضاء دوائر الحكم، ومنها ما يصدر عن جهات سياسية بسيف التهديد أو جهات إدارية بضغط المعايش، وفي هذه البلدان الواقعة تحت الحكم الفاشي تتحول الجماعة الإعلامية من جماعة كاشفة وباحثة عن الحقيقة إلى جماعة مطاردة باحثة عن الأمان والحد الأدنى من الحياة الكريمة.

تسميم الشعب

وعلى سبيل المثال لا الحصر هناك حقائق وكوارث عاشها الشعب المصري كان لها أسوأ التأثيرات على صحته بل وتسببت في قتل الآلاف، وأهمها المبيدات المسرطنة التي كانت وزارة الزراعة تستوردها تحت إشراف وزير الزراعة يوسف والي، الذي كان يعد الرجل الأقوى في النظام المصري استنادا على دعم خارجي مجهول، وعندما بدأت صحيفة «الشعب» القيام بدورها في كشف هذه الكوارث كان مصير الصحفيين الذين كشفوا هذه الحقائق هو السجن ومعهم رئيس تحرير الصحيفة إذ صدر الحكم القضائي في مارس/آذار من عام 2000، بمعاقبة رئيس تحرير صحيفة الشعب مجدي أحمد حسين وأحد محرريها وهو صلاح بديوي بالحبس سنتين وتغريم كل منهما 20 ألف جنيه مصري، بالإضافة إلى حبس رسام الكاريكاتير بالصحيفة عصام حنفي سنة واحدة وتغريمه 20 ألف جنيه فيما عاقبت الكاتب بالصحيفة عادل حسين بنفس الغرامة المالية فقط.

عجائب المفارقات

ومن المفارقات أن يوسف والي تم التحفظ عليه واحتجازه عقب ثورة 2011 والتحقيق معه في نفس الاتهامات التي وجهها له صحفيو «الشعب» وسُجنوا بسببها، وبصرف النظر عن تبرئة «والي» أو إدانته وعن التغاضي عن كل جرائم رموز النظام المباركي بعد سيطرة العسكر على مقدرات الأمور، إلا أن المنطق المتوقع هو بدء مرحلة جديدة تضمن سلامة المواطن وصحته وحمايته من أي سلع أو محاصيل فاسدة تؤثر على صحته وحياته وبدء مرحلة جديدة من الرقابة الصحية والغذائية، إلا أن ما حدث عكس ذلك تماما واستمر الإهمال والخلل والفساد أكثر من سابقه.

الإرجوت

في شهر مايو/أيار الماضي أصدرت الدائرة الأولى بالمحكمة الإدارية العليا بمجلس الدولة، برئاسة المستشار أحمد أبو العزم رئيس مجلس الدولة، حكمها بقبول الطعن المقام من هيئة قضايا الدولة وقضت بوقف تنفيذ الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري الدائرة الأولى حقوق وحريات الصادر بمنع استيراد القمح الروسي المصاب بالإرجوت!!!

وقبل التعرض لحيثيات هذا الحكم سنتحدث سويا عن خطورة فطر الإرجوت المصاب به القمح الروسي والذي تم السماح بدخوله مصر واستخدامه في صناعة الخبز.

منذ صدور قرار الدكتور عصام فايد، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، في سبتمبر/أيلول 2017 والقاضي بمنع دخول أي أقماح مستوردة من الخارج إلى مصر مصابة بأي نسبة من فطر الإرجوت، حرصاً على الثروة الزراعية وصحة المواطنين، بدأت ضغوط مافيا الاستيراد لإلغاء القرار واستيراد شحنات قمح مصابة بالفطر من عدد من الدول الموبوءة بالفطر، لانخفاض سعره، وهو ما يحقق أرباحاً طائلة لهم.

مرض فطر الإرجوت غير مسجل في مصر لخلو مصر منه وهو ضمن الأمراض المدرجة بجدول 1 طبقاً لتشريعات الحجر الزراعي رقم 3007 لسنة 2001، والذي يمنع دخولها إلى البلاد نظراً لخطورة الفطر على الثروة الزراعية.

وفطر الإرجوت مثله مثل أي فطريات سمية يستخدم في تصنيع بعض العقاقير؛ ولكنه فطر شديد الخطورة إذا ما تم تعاطيه خارج هذه المعالجة لتأثيره السام حتى إن الدقيق عندما يتم استيراده من البلدان التي ينمو فيها فطر الإرجوت مثل: الصين وروسيا وإسبانيا وبولونيا والنمسا وهنجاريا يُختبر في الجمارك قبل دخوله للتأكد من خلوه من فطر الإرجوت الذي ينمو على سنابل القمح والشيلم والشوفان والشعير، حيث إن تناول الدقيق الملوث بالفطر يحدث التسمم ويتميز التسمم بعلامات مختلفة مثل: تنميل الأطراف والشعور باحتراقها مع تقبض الأصابع واضطرابات وهذيان وتكزز واختناق، وينتهي هذا التسمم بشكل حوادث تشنجية أو موات، كما أنه يسبب بعض الاضطرابات العصبية لدى الرجال والإجهاض المتكرر لدى النساء نتيجة الانقباضات المتتالية لدى الرحم.

وتؤكد تشريعات القرار الوزاري رقم 3007 لسنة 2001، في مادتها الأولى، بأنه لا يجوز إدخال النباتات والمنتجات الزراعية المصابة بإحدى الآفات غير الموجودة بجمهورية مصر العربية، والمدرجة بالجدول رقم «1» بهذا القرار إلى الأراضي المصرية، ومنها فطر «الإرجوت» الذي يصيب محاصيل القمح والشعير والذرة الشامية المدرج في قائمة الجدول.

وتذكر الأبحاث العلمية أن الفطر لا يموت ولا يتأثر بالمعالجة ووضعه تحت الحرارة الشديدة التي تستخدم في الخبيز، بمعني أنه يظل موجودا بتأثيراته داخل الخبز المعد للأكل، وهنا تكمن خطورته الشديدة.

وتمتد مخاطر هذا الحكم القضائي لتصيب الزراعة في مصر هذا الوباء.

فمصر إحدى الدول القلائل في العالم التي تخلو من فطر «الإرجوت»، وفي حال وصول أي كمية من القمح المصاب المستورد للأراضي الزراعية سيتوطن المرض ويصبح وباءً، كما يمكن انتقاله من خلال الصوامع أو الشون خاصة التقاوي، ويهدد 3 محاصيل زراعية «القمح، الذرة الشامية، والشعير»، وفي هذه الحالة ستصبح مصر من المناطق المبوءة ولن يمكن القضاء على المرض إلى الأبد مما يهدد الثروة الزراعية، وليلاقي محصول القمح والذرة الشامية والشعير نفس مصير الفناء الذي لاقته محاصيل القطن والأرز.

خطة شيطانية

المعمول به في العالم أن دخول أي سلعة تضر بصحة المواطنين هو أمر إداري سيادي يستند على القرارات والجداول المنظمة لعمليات الاستيراد ولا يحتاج لحكم قضائي، فصحة وحياة المواطنين أمر له قدسيته في كل دول العالم وحمايته أمر لا ينبغي أن يخضع لأي تعقيدات أو إجراءات ملتوية، فما الذي يحدث في مصر، وما هو الدافع وراء هذه الخطة الشيطانية للتحايل على هذا القرار وقيام أحد المحامين برفع دعوى بمنع دخول القمح المصاب لمصر في ظل وجود قرار فعلا بالمنع ساري التطبيق؟؟!!
م يحصل على حكم قضائي بمنع دخول القمح المصاب لمصر، ثم يترتب على هذا الحكم طعن من الدولة لإلغاء الحكم لأسباب تتعلق بالشكل القانوني وتقبل المحكمة الطعن وتصدر حكماً جديداً بإلغاء الحكم الأول، لتستند مافيا الاستيراد والدولة عليه وتسمح بدخول القمح المصاب بالتحايل على القرار الإداري!!!

لصالح من هذا الالتفاف القانوني على القرار الوزاري، وما هي طبيعة النظام الحاكم الذي يسعى لنشر الأمراض المميتة والقاتلة بين شعبه وتدمير ثروته الزراعية، ويحظر نشر هذه الحقائق بقرارات صريحة أو بضغوط خفية؟! ولصالح من يعمل هذا النظام؟!!!

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان