دماء رابعة.. دعوة للتوافق الوطني

النضال السلمي يحتاج أيضا إلى تهيئة الشعب، وإعادة لحمته التي مزقها الانقلاب.
لن ننسى الدماء التي سالت في رابعة دفاعا عن الحق، وعن إرادة الشعب، ومكتسبات ثورة يناير، وكل الدماء التي سالت من قبلها أو بعدها للهدف ذاته، ولن نعبأ بمن يريدون طمس تلك المذبحة أو محوها من الذاكرة حتى لو استخدم بعضهم الخداع اللفظي أو السياسي بحجة طي الماضي والنظر للمستقبل، أو بأي حجج أخرى، لكن ذلك لا ينبغي أن يبقينا أسرى هذه الحالة الوجدانية دون حراك إلى الأمام، من أجل القصاص لأولئك الشهداء ممن قتلهم ولا يزال حرا طليقا حتى اللحظة رغم مرور 5 سنوات على المذبحة، أو لمنع نزف مزيد من دماء المصريين الذين يستحقون الحياة والكرامة والحرية والعدل.
الذين جادوا بأنفسهم في مذبحتي رابعة والنهضة وغيرهما من المذابح كانوا يدافعون عن حق مشروع.. كانوا يدافعون عن إرادتهم، وعن مبادئهم، وقد أفضوا إلى خالقهم، وتبقى مهمة الأحياء لاستكمال ذلك الطريق، وليس شرطا أن تسيل دماء جديدة، بل إن الحكمة هي تجنب المزيد من الدماء، فطريق النضال السياسي السلمي طريق يتسع للكثير من الاجتهادات، وهو قادر على إنهاك النظام القائم، والإجهاز عليه، وتخليص مصر منه، ورد الحقوق لأصحابها.
النضال السلمي الفاعل يحتاج إلى خارطة طريق للخلاص متفق عليها بين كل أو غالبية قوى التغيير والثورة، والوصول إلى هذه الخارطة يحتاج حوارا صادقا بين هذه القوى في الداخل والخارج، وإذا كانت هناك صعوبة في تنفيذ الحوار في الداخل فإن الأمر في الخارج ميسور، فكل القوى لها الآن من يمثلها في الخارج حتى لو بطريقة غير رسمية، والأماكن التي يمكن أن تحتضن ذلك الحوار كثيرة ومتنوعة، والخبراء وعلماء السياسة والاقتصاد والاستراتيجية الرافضون لحكم العسكر والساعون لإنقاذ البلاد منه جاهزون لتقديم خبراتهم وعلمهم.
الحوار الصادق يحتاج قبل كل شيء إلى نوايا صادقة أيضا، فإذا صدقت النوايا سهلت الحركة، وإذا صدقت النوايا أمكن للجميع تجاوز خلافات واستقطابات الماضي التي زرعتها ورعتها الثورة المضادة مبكرا، وإذا صدقت النوايا سيتمكن المختلفون من الجلوس سويا على طاولة واحدة دون شروط مسبقة لاي طرف بهدف الوصول إلى خطة الإنقاذ، ومن ثم السعي لتنفيذها، وساعتها سيجد الشعب ما يمكن أن يثق به، ويسير خلفه مطمئنا، حتى لوكلفه هذا السير بعض الآلام، فهي لن تكون أكثر ألما مما يعانيه حاليا وما سيعانيه مستقبلا إذا استمرت الأوضاع على النحو الحالي.
النضال السلمي يحتاج أيضا إلى تهيئة الشعب، وإعادة لحمته التي مزقها الانقلاب، وهذا يحتاج جهدا كبيرا في تحقيق مصالحة مجتمعية بين كل فئات الشعب ومكوناته، إذ لا يمكن لشعب منقسم أن ينتصر على سلطة غاصبة، لقد أدركت عصابة الانقلاب خطورة التماسك المجتمعي من البداية، وعملت بمقتضى المبدأ الاستعماري (فرق تسد)، فعمدت إلى تمزيق هذا الشعب، وتقسيمه إلى شعبين، أحدهما يستحق الحياة –من وجهة نظرها- والثاني يستحق الفناء، ويصنف بالأشرار، وسخرت كل إمكاناتها المادية والإعلامية لتكريس هذه الفرقة حتى أصبحت بين الابن وأبيه والزوجة وزوجها، والأخ وأخيه، ونقطة البداية لأي حراك سياسي فاعل هي استعادة ذلك التماسك المجتمعي، ومواجهة دعوات الكراهية والتحريض ضد المصريين، وبلورة الأهداف والمطالب الأساسية للشعب في مشروع وطني يلهم ويلهب الجميع، ويقنعهم بتبنيه والدفاع عنه.
ليس خافيا أن هناك حالة من الإحباط بسبب فشل الكثير من دعوات الاصطفاف والحوار بين القوى الوطنية، لكن الإحباط لن يحقق حلم الشهداء الذين نحتفي بذكراهم، ونسعى للقصاص لهم، واستكمال طريقهم، وهذا الإحباط يمثل إشارة قوية للعصابة الحاكمة لزيادة قمعها وخيانتها، كما أن فشل بعض الدعوات من قبل لا يعني أن الفشل قدر محتوم لغيرها من الدعوات، فمن يواصل طرق الباب يوشك أن يُفتح له، وليس أمام دعاة التغيير سوى الصمود، ومواصلة المساعي، وتغيير الزوايا، وتنويع الاجتهادات.
خبرة السنوات الخمس الماضية كانت كافية لمعرفة أصحاب النوايا المخلصة، وأولئك الذين يجيدون اللف والدوران للتنصل من أي مسعى جاد للتوافق الوطني، والتحرك الحقيقي لإنقاذ الوطن، ولم يعد أمام أصحاب النوايا المخلصة من كل الاتجاهات بد من الجلوس معا في أقرب وقت، وتحت أي مظلة موثوقة، سواء كانت في الداخل أو الخارج، المهم أن تنطلق مبادرة للحوار الوطني سريعا بين هؤلاء الجادين ثم يلحق بهم الباقون تباعا حين تزول هواجسهم تجاه الحوار، أو مخاوفهم من البطش، ويمكن لأصحاب المبادرات أو النداءات أو البيانات التي طرحت مؤخرا أن يلتقوا جميعا تحت سقف واحد مع غيرهم لبحث أنجع الطرق للخلاص من الحكم الحالي، وتقديم تصور لمصر المستقبل التي يحلم بها المصريون، والتي يحترمها العالم.
بدون حوار وطني مخلص وجاد وغير مشروط، لا يمكن لقوى الثورة والتغيير أن تتقدم خطوة، ولا يمكن للشعب أن يستعيد ثقته بهذه القوى، وسيظل الحكم العسكري جاثما على أنفاس المصريين لعقود طويلة مقبلة، وستظل أنهار الدماء تتدفق لتلحق بدماء رابعة والنهضة ومحمد محمود وماسبيرو .. إلخ، وسيظل الشهداء بلا قصاص، والسجناء بلا حرية، والمغتربون بلا وطن، وستستمر مصر مرتعا للفاسدين والخائنين والمفرطين، يبيعون الوطن قطعة قطعة، ويزيدون قمعهم وإذلالهم للشعب، وسيكون هذا الذنب معلقا برقاب تلك القوى الوطنية وكياناتها التي فشلت في إنقاذ الوطن، وسيكون على المصريين انتظار ولادة قوى وتيارات ونخب جديدة تحمل الراية وتحقق الغاية، بعد عمر طويل.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
