موقف القرآن والسنة من نقاش الثوابت الدينية

القرآن الكريم والسنة المطهرة يوضحان أن مسألة طرح ما يعتمل في رأس الإنسان، أو يثور في داخله من أفكار سواء كانت صوابا أم خطأً، فكرة ساذجة أم عميقة، في أصول الإسلام أم في فروعه، لم يكن هناك حرج في طرحها، ولا تشكيك في نية من يطرحها، بل الأهم النقاش الفعلي الجاد لها.
وعلى رأس هذه الأمثلة والنماذج التي ذكرها القرآن الكريم: طلب نبي الله إبراهيم من الله عز وجل أن يريه كيف يحيي الموتى، قال تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى؟ قال: أو لم تؤمن؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي، قال: فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك، ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا، ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم) البقرة: 260. فإبراهيم عليه السلام، طلب من ربه أن يريه رأي العين، قدرته على إحياء الموتى، ومع ذلك لم يكن هذا الطلب مدعاة للتشكيك في إيمانه بربه، ولو كان هذا النموذج معاصرا لاتهمه بعض المتشددين بأنه راغب في الشهرة، وأنه يثير القضايا للفت النظر إليه، وأنها حجة ليهرب من التدين، إلى آخر التهم التي تلقى على من يطرح مثل هذه القضايا.
والقرآن الكريم مملوء بإجابات عن أسئلة سواء كانت من باب التشكيك في الدين، أو كانت من باب البحث عن الحقيقة، أو كانت من باب تعجيز الرسل في النقاش والحوار والمطالب، ومع ذلك كان رد القرآن الكريم عليها بالإجابة، والنقاش والحوار، فقد يأتي السؤال من كاره للدين، وقد يأتي من راغب في معرفته، وقد يأتي من طالب لحقيقته، أو إنسان ثارت في نفسه الشبهات، أو قاده التفكير الناقد أو أي نوع من التفكير للبحث عن قضايا لا يريد أن يؤمن بها وهو مغمض العينين، بل يريد أن يقتنع قبل أن ينفذ، وهذا حقه، وواجب على أهل العلم والفكر الإجابة لمن يملكها، أو الاعتذار عن الإجابة عندما تغيب عنه. وفي نهاية الأمر من يبحث عن إجابات لأسئلته سوف يصل إليها، ويصل لمن يقنعه بها إن كانت صوابا وحقا، وإن كانت زائفة أو غير صحيحة، فالأدلة والأيام ستثبت ذلك، وفي النهاية المستفيد من ذلك هو المجتمع الذي يحرص على الفكر الصحيح، والدين الذي لا يضره فكرة تلقى هنا أو هناك، فبعض الناس يتعامل مع الدين وكأنه وصي عليه، وكأن الدين صبي صغير نخشى عليه من الهواء، فعلينا أن نضعه في صندوق زجاجي ممنوع الاقتراب منه والتصوير له، وهو كلام فارغ لا ينطلق من شرع أو علم صحيح.
وعندما اجتهد صحابة في فهم النص الشرعي، وأخطأوا في هذا الفهم، لم يقابل هذا الفهم الخاطئ بسخرية أو تهكم، أو اتهام لعقولهم، ومن ذلك نموذج فهم عمار بن ياسر للتيمم، وقد أصابته جنابة، وأراد أن يغتسل فلم يجد ماء، فأعمل عقله في قياس التيمم على الغسل، وبما أن الغسل يعمم فيه جسده بالماء، فإذ به يتمرغ في التراب ذهابا وإيابا، وابتسم النبي صلى الله عليه وسلم من فعله الخاطئ وعقب عليه بقوله: إنما يكفيك ضربتان، ضربة للوجه، وضربة للذراع. وما فعله عمار بن ياسر فعله غيره، وأخطأ في فهم نص من نصوص الدين، ومع ذلك لم تقم الدنيا ولم تقعد، كما يفعل البعض الآن.
بل كانت هناك أسئلة وأفكار تخص كبرى القضايا في الإسلام، وهي قضايا الإيمان بالله، ولم يجد الصحابة حرجا من طرحها، وطرح إشكالاتها في نفوسهم وعقولهم، فعن أبي هريرة، قال: قالوا: يا رسول الله، إنا نجد في أنفسنا ما يسرنا أن نتكلم به، وأن لنا ما طلعت عليه الشمس، قال: ” أوجدتم ذلك؟ ” قالوا: نعم، قال: “ذاك صريح الإيمان”. فالصحابة هنا يتفكرون في خلق الله، ولكن النفس تطرح سؤالا في نهاية الأمر، فالله قد خلق السماء، والأرض، وكل الكون، فمن خلق الله؟ وهذا ما صارحوا به الرسول صلى الله عليه وسلم، فلم ينهرهم، أو يزجرهم، بل أخبرهم أن ذاك صريح الإيمان، ودلهم على العلاج من ذلك.
وما كان من تفكير وأسئلة مشروعة فيه، أو أخطاء في فهم النصوص، أو في تطبيقها، كما كان في الأوامر الإلهية والنبوية، كان النقاش كذلك يدور حول المحرمات في الإسلام، وهو ما نراه في مشكلة الشاب الذي طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له في الزنا، فقد أتى شابٌ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه. مه. فقال: “ادنه، فدنا منه قريبا”. قال: فجلس.
قال: “أتحبه لأمك؟” قال: لا. والله جعلني الله فداءك. قال: “ولا الناس يحبونه لأمهاتهم”.
قال: “أفتحبه لابنتك؟” قال: لا. والله يا رسول الله جعلني الله فداءك قال: “ولا الناس يحبونه لبناتهم”.
قال: “أفتحبه لأختك؟” قال: لا. والله جعلني الله فداءك. قال: “ولا الناس يحبونه لأخواتهم”.
قال: “أفتحبه لعمتك؟” قال: لا. والله جعلني الله فداءك. قال: “ولا الناس يحبونه لعماتهم”.
قال: “أفتحبه لخالتك؟” قال: لا. والله جعلني الله فداءك. قال: “ولا الناس يحبونه لخالاتهم”.
قال: فوضع يده عليه وقال: “اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه” قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء”.[1]
إن المتأمل لهذا الحديث النبوي الشريف، يلحظ عدة أمور مهمة في تعامله مع مشكلة تنبع عن فكر داخل صاحبها، وليست أمرا طارئا عارضا، فقد كان الشاب من الشجاعة لأن يقول ما بداخله بكل وضوح، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم ناظرا للأمر لمعالجته من جذوره، وهو ما تعامل به بعض الحاضرين من الصحابة، فقالوا له: مه، مه، استنكارا لما يقول، ولكن الإنكار القولي عليه، ليس علاجا للمشكلة، إنه علاج لأثر وقتي، وستظل بداخل الشاب أفكاره وقناعته ورغبته في الزنى، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن عالج الأمر عند الشاب من حيث أنها فكرة بداخله، فناقشه هذا النقاش الطويل الذي رأيناه، وأن المشكلة متعلقة بأمرين: أمر فكري في رأسه، وأمر إرادته وعزيمته، وهي أمر قلبي في مكنون قلبه، من حبه للنساء، فعالج الرسول صلى الله عليه وسلم الأمر الفكري بالإقناع والحوار، وبقي الأمر القلبي، فكان ذلك بدعائه له: “اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه”.
[1] رواه أحمد (22211) والبيهقي في السنن (18507) وفي الشعب (5032) والطبراني في الكبير (8/162) عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه، وجود إسناده الحافط العراقي في تخريج الإحياء (1/812)، وصحح إسناده محققو المسند (36/545)، والشيخ الألباني في الصحيحة (370).
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
