الشيخ “عبد الحي يوسف” ظاهرة أم تيار؟

وعندما انلعت شرارة الاحتجاجات الأولى في كانون الأول/ ديسمبر 2018 رفض “عبد الحي” القمع المفروض تجاه تلك الاحتجاجات السلمية، ومضى أكثر من ذلك، محذراً قوات الأمن من إطلاق الرصاص الحي

 

يُعتبر الدكتور “عبد الحي يوسف” الداعية السوداني المثير للجدل، كما يوصف على الدوام، واحداً من رجالات الدين الذين نذروا أنفسهم لمقارعة خصومهم بصورة موغلة في الشراسة، لا تهاون فيها أبداً انطلاقاً من مواقفه المتصلبة ضد العلمانية والإلحاد، وقد اختار في سبيل ذلك مصادمة السلطة أحياناً، ومهادنتها في أحايين كثيرة، حيث نجح بشكلٍ هائل في اجتذاب آلاف الشباب المؤيدين له، وانتهت به الحال أخيراً إلى تيارٍ دينيٍ كاسحٍ أكثر من كونه ظاهرة.

معارضة البشير

في السنوات الأخيرة كان عبد الحي أقرب إلى معارضة نظام البشير، وقد اختار ابتداء مناصحته بعدم الترشح إلى عهدة رئاسية جديدة، وتمادى في انتقاد الاجراءات الاقتصادية القاسية، التي فجرت احتقان الطبقات المسحوقة والمقهورة معاً، وعندما اندلعت شرارة الاحتجاجات الأولى في كانون الأول/ ديسمبر 2018 رفض عبد الحي القمع المفرض تجاه تلك الاحتجاجات السلمية، ومضى أكثر من ذلك، محذراً قوات الأمن من إطلاق الرصاص الحي وقتل المتظاهرين.

لكنه وبالرغم من مواقفه السياسية الناقدة، بدا الشيخ أقرب إلى حكومة البشير في سنواتها الأولى، يدافع عنها بمنطق الدفاع عن الشعارات الاسلامية التي رفعتها، وقد اختار بصورة ما الاحتفاظ بمسافة محدودة بينه والنظام الحاكم، أو ما يعرف بشعرة معاوية، لا يريد أن يشدها فتنقطع، لكن شهر العسل بين الشيخ والحكومة لم يدم طويلاً، فسرعان ما جاهر بدعواته الإصلاحية، ودعمه لمطالب المحتجين، واعتلى منبره للذود عما يؤمن به دون حياض النظام السياسي المتداعي.

تبرع البشير لقناة طيبة

في أخر جلسة لمحاكمة البشير استدعى القاضي أحد المسؤولين بقناة طيبة، ووجه له سؤلاً مباشراً حول الأموال التي تبرع بها المخلوع للقناة، وطبيعتها. فرد الشاهد، وهو المستشار القانوني “مصعب محمد أحمد” معرفاً القناة بأنها فضائية خيرية تعمل في مجال الإعلام وتنمية المجتمع السوداني، وتسعى إلى نشر القيم الفاضلة وتعاليم الدين الإسلامي داخل وخارج السودان، وقطع بأن المتهم” عمر البشير” ليست له علاقة بقناة طيبة، مؤكداً أنهم تسلموا مبلغاً من الرئيس السابق قدره مئة ألف يورو، ذكر أنه “لصالح معالجة ميزانية الأقمار الاصطناعية” وحدد تاريخ استلام المبلغ وهو نوفمبر/ تشرين الثاني 2018 أي قبل شهر من اندلاع الثورة التي أنهت حقبة البشير.

الكرة النسائية

مؤخراً نشبت معركة بين الشيخ عبد الحي يوسف ووزيرة الشباب والرياضة ولاء عاصم البوشي، وذلك على خلفية دورة نسائية لكرة القدم، كان قد أثير حولها جدل كثيف، خاصة وأن المجتمع السوداني الذي يركن إلى تقاليد محافظة لم يتعود على تلك البطولات، وقد انقسم الشارع بالفعل، ما بين مؤيد لممارسة الفتيات كرة القدم ورافض لها، وأخذ الجدل منحى فقهياً حول مشاهدة الرجال لتلك البطولة، وإمعان النظر في أجساد الفتيات المثيرة.

وكان عبد الحي من أوائل الشيوخ الذين انتقدوا تنظيم البطولة، ووصف من فوق منبر مسجد المرسلين، دوري السيدات بأنه آخر تقليعات الحكومة التي شغلت بها الناس، متهماً الحكومة بأنها لم تأت لتنمية اقتصادية ولا رخاء اجتماعي، وإنما جاءت من أجل هدم الدين والأخلاق، على حد وصفه. وأردف مصوباً هجومه على وزيرة الشباب والرياضة: “البوشي تابعة لرجل مقبور مرتد، ولا تؤمن بالذي نؤمن به” بالإشارة إلى زعيم الفكر الجمهوري محمود محمد طه، الذي أعدمه الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري بتهمة الردة في العام 1983.

وواصل الداعية الذي يوصم بالتشدد في نقد البطولة النسائية “الفتيات اللائي تبارين، كشفن ما أمر الله بستره وظهرن حاسرات الرأس وكاشفات الأيدي والذراع وبعض الأفخاذ، أمام المئات من الجنسين، تراكضن أمامهم والرجال ينظرون لهذا كله والعدسات تصور والشاشات تنقل”.

 وهو ما دفع الوزيرة ولاء البوشي إلى اللجوء للقضاء، ولم ينته الأمر هنا، وإنما دخل مجلس الوزراء السوداني على خط المواجهة، وأعلن وقوفه إلى جانب الوزيرة موجهاً وزير العدل باتخاذ ما يلزم لإظهار المساندة والدعم لها، بعدها ثارت معركة أخرى، حول انحياز الحكومة إلى طرف ضد طرف أخر يعتبر من رعاياها أيضاً، عطفاً على مخاوف توطيف القضاء لتصفية حسابات حكومة الحرية والتغيير ضد الشيخ الذي يناصبها العداء.

في مواجهة الحكومة

انبرى عبد الحي يوسف في خطبة الجمعة الأخيرة للرد على حكومة قوى الحرية والتغيير، ووصفها بأنه اغتصبت الحكم اغتصابا، وتحدى الحكومة التي انحازت ضده قائلاً “سبحان الله أتخوفوننى أتهددوني بتضامنكم ضدي؟ أقول ان سجني خلوة ونفيي سياحة وقتلي شهادة” مستشهداً بمقولة الإمام ابن تيمية. وبعد ذلك بايعه جمع من الناس خارج المسجد أميراً للموؤمنين، لكنه رفض ذلك، معتبراً أنه في حل من تلك البيعة، والتي ربما سوف تستخدم ضده، بل قطعاً سوف تضعه على قائمة المتهمين بالتشدد والإرهاب، كما وصفته بعض الوكالات العالمية، على ذلك النحو المتصل بتخويف رجال الدين، ودمغهم بالهوس والتطرف.

من المدهش حقاً أن معركة الشيخ والوزيرة تحولت إلى محاكمة تاريخية للفكر الجمهوري، في شأن خاص بالرياضة، وفي الوقت عينه وضع مجلس الوزراء نفسه في مواجهة محتملة مع عبد الحي، ومن يناصرونه، ما يعني أن المنابر والمساجد سوف تصطف ضد الحكومة الحالية، التي أعلنت عبر وزير الشؤون الدينية والأوقاف نصر الدين مفرح عن قانون لضبط الخطاب الدينى، يتضمن عقوبة منع الشيوخ والأئمة من الصعود للمنابر.

ضد التطبيع:

بالعودة لسيرة الدكتور عبد الحي يوسف، فهو قد درس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، وانتقل للعمل في جامعة الخرطوم، وقد تفتقت مواهبه في الخطابه منذ ذلك الوقت، حيث تولى إمامة جامع المرسلين بضاحية جبرة، جنوب الخرطوم، وشارك في معظم المسيرات الرافضة للتطبيع مع إسرائيل، كما أنه لم يخف نقده للاصطفاف مع المحور السعودي الإماراتي ، وله أراء في الفقه والسياسة ورفض الحداثة، يغلب عليها الطباع السروي، سيما وأنه على خلاف مع جماعة أنصار السنة المحمدية، إلى جانب طرده من الإمارات في أعقاب اندلاع حرب الخليج الثانية.

 حرص عبد الحي يوسف في السنوات الأخيرة، على الانفتاح على الطرق الصوفية والإدارة الأهلية والشباب عموماً، وشيد إمبراطورية إعلامية هائلة تتبنى بطبيعة الحال الأفكار التي ينشدها، ابتداء بإطلاق بث إذاعة وقناة طيبة، مروراً بباقة قنوات صوت أفريقيا الناطقة باللغات (السواحلية / التقرينجا والهوسا) لتوسيع نطاق بثها لتغطي دول شرق وغرب أفريقيا، بالتنسيق مع المجلس الإسلامي الأفريقي، وهو تقريباً ما أزعج دولة إثيوبيا وبعض دول الجوار المسيحية من انتشار الإسلام وسطهم.

أخيراً فإن عبد الحي الذي بات يشكل تياراً عنيداً في معارضة الحكومة الحالية، بات هو الملاذ الآخير للحركة الإسلامية التي فقدت السلطة، واتخذته رمزاً للنضال ضد تمكين اليسار والقوى العلمانية داخل الدولة، أو على الأقل، التحالف معه مجدداً لتجنب السجون والمنافي، والحشد للانتخابات على أمل العودة للحكم، ولو بعد حين، وربما كذلك يتحول الرجل إلى رمزية سياسية، من منطلق العاطفة الدينية، وتنامي شعبيته وسط الشباب.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان