عبد المنعم رياض: القائد الشهيد في مئويته ١٩١٩- ٢٠١٩

أبدأ مقالي عن القائد الشهيد عبد المنعم رياض في مئويته بأن أذكر أنه في شتاء 1965 كانت السيدة أم كلثوم ضيفة على العشاء في بيت شقيقه الدكتور محمود رياض وزير المواصلات في ذلك الوقت، وكان عبد المنعم رياض ضمن الحضور، وفي هذه السنة بدأت أم كلثوم موسمها بأغنية زجلية، لكن هذه الأغنية لم تبهر رياض بالقدر المعهود، فقال لأم كلثوم بصراحة في ذلك الحفل: «إنت ما لكيش إلا الشعر يا ست!».
ولد الشهيد عبد المنعم محمد رياض عبد الله في ٢١ أكتوبر 1919 في بلدة «سبرباي»، وهي بلدة بالقرب من طنطا عاصمة الغربية، ولكنها من حيث التقسيم الإداري تتبع مركز المحمودية (فيما كان يعرف بمديرية البحيرة قبل أن تتحول المديريات إلى محافظات)، وهي موطن أسرة والدته السيدة عائشة محمد الخولي، وكان والده حين ولد يعمل في السودان. وكان المعتاد أن تنتقل الزوجة إلى بيت أهلها عندما يغيب الزوج لفترات طويلة.
كان عبد الله طه جد عبد المنعم رياض موظفا في الدائرة السنية بالفيوم، أما الأميرالاي محمد رياض والد الشهيد فقد كان واحدًا من الرعيل الأول للعسكريين المصريين في العصر الحديث، عرف بتفانيه في عمله، وحرصه الشديد على كرامته الشخصية، وقدراته العسكرية الممتازة، وأستاذيته القديرة في المدرسة (الكلية) الحربية، إلى الدرجة التي جعلت تلاميذه فيها يفخرون بأنهم تخرجوا على يديه. وقد شارك الوالد في الحملة المصرية البريطانية على أعالي النيل، وخدم في «ملكال » عاصمة محافظ أعالي النيل، وكرمه السير ريجنالد وينجت الحاكم المصري العام للسودان في ذلك الوقت (ثم المندوب السامي البريطاني في مصر). وهكذا أتيح لعبد المنعم رياض أن يولد في الريف، وأن ترتبط نشأته بالقرية، وهو ما لم يتح لشقيقه الأكبر، ولا لأشقائه الذين ولدوا في الأوقات التي كانت خدمة والدهم فيها في داخل وطنهم مصر. وفي سنة ثمان وعشرين (1928) انتقلت الأسرة مع عائلها إلى مقر عمله الجديد في العريش، وقُبل عبد المنعم رياض في السنة الثانية الابتدائية في مدرسة العريش الابتدائية، وفيها زامل الدكتور محمد فؤاد حلمي (محافظ الإسكندرية 1978 ونائب رئيس جامعتها قبل ذلك).
ولم يلبث عبد المنعم رياض أن انتقل مرة أخرى مع والده إلى الإسكندرية (1930)، فاستأنف دراسته الابتدائية في مدرسة الرمل الابتدائية (وفي بعض المصادر أنه درس أيضًا في مدرسة رأس التين) حتى حصل على الشهادة الابتدائية (1931). وأتيحت لعبد المنعم رياض في الإسكندرية حياة عريضة بين أهل الإسكندرية بكل ما يتمتعون به، وفي رحاب الطبيعة الجميلة، والبحر الثائر الذي لم تكن يد التهذيب قد امتدت بعد إلى شاطئه.
تتابعت الأحداث على حياة الأسرة، وقدر لعبد المنعم رياض أن يعيش في العاصمة بعدما عاش من قبل في القرية، وفي صحراء سيناء، وفي مدينة الإسكندرية، وهكذا اكتملت معرفته بالبيئات المختلفة في وطنه مما كان له أثره بعد ذلك في شخصيته، وثقافته، وأدائه. وكان الوالد قد نقل إلى القاهرة ورقي إلى رتبة القائمقام وأصبح قائدا للأورطة الثانية بيادة، وهو منصب عسكري كبير في ذلك الوقت (يناظر منصب قائد لواء مشاة في عصرنا).
وما لبث الأب أن توفي في 30 نوفمبر 1931، بينما كان ابنه عبد المنعم في بداية دراسته الثانوية بمدرسة الخديو إسماعيل، وبينما كان إخوة رياض لا يزالون في مراحل التعليم ا.
وفي القاهرة شارك عبد المنعم رياض في ثورة الطلبة في (1935) وهو طالب في مدرسة الخديو إسماعيل، وكان اموهوبا في الخطابة واستثارة الحماسة، ويروى أنه كان إذا خطب في طابور الصباح خرجت المدرسة عن بكرة أبيها فانضمت إلى مظاهرات الطلبة الهادرة التي كانت تناشد زعماء الأحزاب يومها الاتحاد على كلمة واحدة من أجل مصلحة البلد ومستقبله، وقد حصل عبد المنعم رياض على البكالوريا من القسم العلمي من مدرسة الخديو إسماعيل (1936) بمجموع يؤهله للالتحاق بكلية الطب وكان ترتيبه الخامس والعشرين بعد المائة بين عشرة آلاف من الناجحين1934 ، لكن عبد المنعم رياض كان قد انتوى الالتحاق بالحربية، ولم تكن والدته تحب له أن يلقى من عناء العسكرية ما لقيه والده. أما عبد المنعم رياض فقد كان يؤمن بالعُرف الداعي إلى خلافة الأب في مهنته، واستعانت الأم بأخيها في إقناع ولدها فلم يزل به حتى أقنعه بدخول كلية طب قصر العيني ودخل عبد المنعم رياض كلية طب قصر العيني، وسدد القسط الأول من مصروفات الكلية، ولكنه لم يكد ينتظم في دراسته حتى طالع في أول أسبوع للدراسة إعلانا للكلية الحربية عن مواعيد الكشف الطبي لدفعة جديدة. وذهب فألح على والدته أن تبارك رغبته في الالتحاق بالعسكرية، ولم تكن والدته المستنيرة في حاجة بعد هذا إلى الإلحاح، وسرعان ما شجعت ابنها على أن يسلك طريقه الذي شاءه لنفسه. وقد عوضها الله أن ابنها الثالث التحق بكلية الطب.
التحق عبد المنعم رياض بالكلية الحربية في السادس من أكتوبر (1936)، وكانت الدراسة في الكلية الحربية في ذلك الوقت على ثلاث مراحل: إعدادية ومتوسطة وثانوية، وقد اجتاز عبد المنعم رياض هذه المراحل الثلاث بتفوق ظاهر، فكان في المرحلتين الأوليين ثاني الدفعة بعد حسين ذو الفقار صبري، فلما انتقل حسين ذو الفقار صبري في السنة الثالثة ليتخصص في كلية الطيران صارت الأولية إلى عبد المنعم رياض الذي تخرج بمرتبة أول الدفعة وباشجاويش الكلية. ويروى أن عبد المنعم رياض كان في الكلية الحربية شخصية مرموقة منذ يومه، وقد عرف بقوة الشخصية، وطابع الإنسانية معا، فجمع بين حب زملائه واحترامهم.
بدأت مواهب عبد المنعم رياض العسكرية في التفتح والازدهار في الكلية الحربية، وكانت الكلية حتى ذلك الحين تخضع إلى حد كبير لسلطات الإنجليز ونمطهم في النظام العسكري. وبعد توقيع وإنفاذ معاهدة سنة ست وثلاثين (1936) بدأت الكلية تضع أقدامها على طريق التحرر من سلطانهم بنصوص المعاهدة، غير أن تطبيق هذه النصوص كان يحتاج بالطبع إلى فترة من الوقت تستغرقها العقليات القديمة للانتقال إلى الجو الجديد، وهكذا ظلت الروح الإنجليزية في التعليم والإدارة تفرض نفسها على الأساتذة المصريين.
تخرج عبد المنعم رياض في الحادي والعشرين من فبراير (1938) على رأس الدفعة التي ضمت الرئيس أنور السادات، ونائبي الرئيس: حسين الشافعي، وزكريا محيي الدين، وأصبح لعبد المنعم رياض ملف في القوات المسلحة العاملين كانت أول ورقة فيه هي تقرير الأميرالاي فتوح بك كبير المعلمين في الكلية الحربية، وفيه وصف الخريج الحديث: «إنه طالب جيد جدًّا من كل الوجوه، يبذل جهده دائما ويمكن الاعتماد عليه!». هكذا اكتمل تأهل عبد المنعم رياض بالمهنة، وبدأ تأهيله لنفسه بالثقافة والمعرفة والهوايات، وقد سلك عبد المنعم رياض في ذلك أفضل السبل المتاحة أمام أمثاله في ذلك الوقت.
كان عبد المنعم رياض من القادة القلائل الذين يتقنون اللغات كأبنائها، ولم يكن ذلك إلا صورة من صور تعطشه إلى المعرفة، وحبه للقدرات العلمية الرفيعة، على أن الشيء الأروع في هذا الأمر هو أن رياض استطاع أن يتقن بالإضافة إلى الإنجليزية ثلاث لغات أخرى في ثلاث سنوات متتالية، فقد تعلم الفرنسية على يد مدرس خاص (1952) والألمانية (1953) وكان هذا طبيعيًا ومتاحا، وحين بدأت علاقتنا بالاتحاد السوفيتي تتوثق، كان رياض من الشخصيات النادرة التي لا يتجاوز عددها أصابع اليد التي تتقن الروسية في هذه الفترة المبكرة. كانت هذه اللغات التي تعلمها رياض أكثر اللغات احتياجا في مجال عمله.
وقد أعانته هذه المعرفة على الاستزادة حتى آخر أيام حياته من أحدث تطورات العلم، وقد كان معروفا عند السوفيت بقدرته في اللغة الروسية
عاش عبد المنعم رياض لمدة طويلة في المواقع المتقدمة من القوات المسلحة المصرية في عهد الثورة، ولكنه في الستينيات لم يكن يحس براحة النفس، ولا راحة الضمير، لأنه كان، كما كان الناس جميعا في القوات المسلحة وخارجها يعرفون، يعاني بشدة من جهل القيادات التي وصلت إلى المواقع المتقدمة تطبيقا لمبدأ الثقة ليس إلا، وكان يعبر عن معاناته من آثار جهل هذه القيادات، ويعاني قبل ذلك وبعده من الروح التي سادت الجيش فجعلته (برضا وبغير رضا) يسيطر على إدارة وتيسير كل شيء في الوطن سيطرة مسئولين، ويتهيأ لكل شيء إلا معركته.
ولم يكن رياض يكف عن الانتقاد والتنبيه والمراجعة والتبصير، لكن النفوس في ذلك الوقت لم تكن مهيأة لتقبل انتقاده ولا تنبيهه ولا مراجعته ولا تبصيره. كان عبد المنعم رياض بهذا التكوين من أبرز أعداء المحسوبية في القوات المسلحة.
كان عبد المنعم رياض طيلة حياته متجردًا لحياته المهنية مترهبنًا لها حتى إنه كان من العازفين عن التصوير. ويتصل بعزوفه عن التصوير، عزوفه عن عقد المؤتمرات الصحفية، ويذكر أنه في حياته لم يعقد مؤتمرا صحفيا، ولم يدل بحديث لصحيفة أو راديو أو تليفزيون، على الرغم من هذه المناصب الكثيرة المتصلة بالمتابعة الصحفية والإخبارية. كان عبد المنعم رياض بأدائه وسلوكه نموذجًا للجندي المسلم الملتزم، العامل من أجل دينه وأمته، المحارب من أجل إعلاء كلمة الحق ونصرة المظلوم، وقد أدى عبد المنعم رياض العمرة أثناء زيارته للسعودية في مهمة عسكرية سنة 1966.
وفي مجال الرياضة كان عبد المنعم رياض من هواة رياضة كرة القدم مثل معظم المصريين.. في سنوات الطفولة والشباب. وفي المرحلة الثانوية عرف بحبه للجمباز وألعاب القوى: القرص، والرمح، والجلة، كما مارس الملاكمة والمبارزة خلال فترة دراسته بالكلية الحربية، ونمّى ملكاته الفردية في الدفاع عن النفس، ثم مارس رياضات التنس، والسباحة، والتجديف في سنوات الشباب الأولى، ثم لعب البريدج وهو في سن الرجولة، وأخيرا لعب الجولف. ودخل رياض العديد من المسابقات في هذه اللعبة حتى حقق 85 ضربة، وهو ما يعتبر بالقياس العالمي للعبة مستوى جيدًا. ومنذ بداية عام 1965 التزاما بتعليمات الطبيب، كان يمشي في أثناء ممارسة تلك اللعبة بشكل مناسب لتنشيط الدورة الدموية، وذلك بعد إصابته بالتخثر الوريدي العميق في ساقه اليمنى.
وفي كل الأحوال فقد كان عبد المنعم رياض يتمتع بحس موسيقي يندر بين الهواة مثيله. وقد كان رياض من عشاق فن السيدة أم كلثوم، خصوصا في أغانيها القديمة، ويروي أنه ظل حريصًا على مشاهدة الأعمال الفنية والاستمتاع بها، وقد كان معجبا بفن شارلي شابلن في أفلامه الصامتة القديمة! لكنه في السنوات الأخيرة من عمره انقطع عن زيارة دور السينما!
وقد قيل إن حياته العسكرية الجافة حرمته من أن يهوى الإذاعة، وكان يكفيه أن يقرأ الأخبار أولا بأول في نشرات الاستماع، كما أنه لم يكن يتحمل أن يجلس أمام التليفزيون فترة طويلة.
كان عبد المنعم رياض من المؤمنين بالترهب للحياة العسكرية، ومن منطق الترهب كان عبد المنعم رياض يرى أنه يجب على الضابط أن يظل بلا زواج، وكانت نظريته في ذلك أن الضابط مهمته القتال، واستطرادا الموت، وإذا مات فلا يجب أن يترك آثارا عائلية مدمرة، بالإضافة إلى أن الزواج يقلل من روح التضحية!
هكذا كان يعتقد شهيدنا البطل وهكذا فعل، وقد أغناه عن الزواج أنه عاش حياته كلها مع شقيقته الدكتورة زاكية التي عاشت هي الأخرى راهبة في محراب العلم والجامعة، وكان شهيدنا لا يمل الحديث عن أفضالها عليه، والإشادة بروحها معه، ووقوفها من خلفه طيلة حياته.
يمكن القول بأن رياض عاش في المواقع المتقدمة من القيادة بأكثر من معيشته في القيادات الصغرى والوسطى، بل إنه في المواقع الصغرى تولى مسئوليات قيادية منذ كان ملازما، حيث أسندت إليه وهو لا يزال في بداية حياته العسكرية، مهام أركان حرب الكتيبة التي عمل فيها. فتولى مهمة أركان حرب آلاي حين كان برتبة الملازم.
عاش عبد المنعم رياض حياة عسكرية صارمة، وتدرج في مواقع القيادة في القوات المسلحة بطريقة سوية، وقد واتاه حظه ليصل إلى مواقع متقدمة ورتب متقدمة، وذلك بحكم قيام ثورة 1952 وتخلصها السريع والمتسارع من أبناء الدفعات السابقة عليها، وقد كانت النتيجة أن أبناء دفعة عبد المنعم رياض في فبراير 1938 والدفعات الثلاث التاليات لها (دفعة الرئيس جمال عبد الناصر في أغسطس 1938، ودفعة عبد اللطيف البغدادي في فبراير 1939، ودفعة المشير عبد الحكيم عامر في 15 إبريل 1939) وصلوا إلى مواقع القيادة في العام التالي لقيام الثورة، وبقوا فيها إلى حرب أكتوبر 1973.
أصبح عبد المنعم رياض بمثابة قائد الدفاع المضاد للطائرات منذ 1954، وهكذا أصبح من قادة الدفاع الجوي المبكرين، وإن لم يكن الدفاع الجوي قد عرف بهذا الاسم في ذلك الوقت.
وإذا ما نظرنا إلى الأمور بمقياس العصر الذي نحن فيه، وهيكل القوات المسلحة فيه، فإننا ندرك أن عبد المنعم رياض قد وصل (منذ 1953) إلى ما يوازي أن يكون قائدا للقوة الرابعة في القوات المسلحة المصرية، وهي قوة الدفاع الجوي، لكن الأمور لم تكن قد وصلت إلى هذه الدرجة من الاعتراف بالدفاع الجوي قوة رابعة، وإنما كان الدفاع المضاد للطائرات تابعا لقوة أخرى من القوى الرئيسية للقوات المسلحة، وقد بقي كذلك حتى استشهاد عبد المنعم رياض.
ولو أننا كنا طورنا من فكرنا العسكري قبل 1956 في اتجاه تأسيس قوة رابعة تتمثل في الدفاع الجوي، لكان من الممكن لقواتنا المسلحة أن تطور نتيجة حرب 1956 من بدايتها إلى نتيجة أخرى مختلفة تمام الاختلاف، تسمح لا بالنصر الحاسم فحسب وإنما بامتلاك مقدرات الأمور في المعارك الجوية والصراع الجوي الذي تفوق العدد فيه، لكن ما عسانا نقول غير القول الذي نركن إليه حتى لا نجلد أنفسنا: قدر الله وما شاء فعل.
نال عبد المنعم رياض رتبة الفريق (متاخرًا نسبيا) سنة 1966. ذلك أنه في سنة 1964 كان هناك من الفرقاء في قوات أخرى غير القوات البرية من كانوا تالين له في التخرج. وقد وصل إلى رتبة الفريق أول في القوات البرية منذ 1964، من كان يسبقه بدفعة واحدة هو الفريق أول عبد المحسن كامل مرتجي.
ونحن نلاحظ أن عبد المنعم رياض سار في تدرجه العسكري سيرًا شبيها إلى حد مطلق بأساتذة الجامعة المتخصصين تخصصا دقيقًا، فقد كانت خدمته العسكرية منذ اليوم الأول في سلاح المدفعية المضادة للطائرات، واستمر في هذا التخصص حتى أصبح من كبار قادة القوات المسلحة بعدما أصبح الرجل الأول في هذا التخصص منذ 1954، أي بعد 16 عامًا فقط من تخرجه، وهكذا عاش رياض في العسكرية حياة متخصصة تماما كحياة الأكاديميين من أساتذة الجامعات الذين تتمحور حياتهم حول تخصص واحد يرتقون فيه، وفي علمه، وفي درجاته.
ولم يكن عمر هذا السلاح الذي قدر لرياض أن يخدم فيه عند تخرجه يزيد على أكثر من عام، وهكذا أتيح للضابط الشاب مبكرا أن يكون عمره من عمر السلاح، وأن يكون من الرواد الذين يشقون الطريق، وأن يكون من أوائل المصريين الذين بدءوا يدرسون ويعملون في هذا المجال الذي تنامت أهميته وتزايدت يومًا بعد يوم حتى أصبح يمثل القوة الرابعة في عصرنا الحاضر.
بدأ عبد المنعم رياض يتلقى المزيد من العلم العسكري والهندسي في التخصص الذي اختاره لنفسه على يدي الكابتن بيكنل رئيس البعثة البريطانية للمدفعية المضادة للطائرات، وكان هذا التدريب يتم في فرقة عمليات المدفعية بالزمالك. وبعد فترة وجيزة أدرك رياض أن علم «حركة المقذوفات»، وهو العلم الأساسي في دراسات المدفعية يتطلب خلفية علمية ورياضية كافية لفهمه، وتتيح له معرفة علمية أكثر من تلك المعرفة التي حصّلها في دراساته السابقة، ولما كان التعليم النظامي العسكري لا يتيح فرصة لمثل هذا التأهيل فقد بحث رياض عن المنهل الذي لا يتعارض مع عمله ووقت عمله حتى اهتدي إليه، في قسم تعليمي حر.
التحق رياض في مايو (1938) بالقسم العلمي في المعهد البريطاني بالقاهرة، وأخذ يستزيد من العلوم التي يواكب بها دراساته التخصصية، وظل رياض منتظما في دراساته في هذا المعهد البريطاني إلى أن أغلق ذلك المعهد أبوابه مع بداية الحرب العالمية الثانية في أوائل سنة أربعين (1940)..
استدعي عبد المنعم رياض من موقعه كمدرس للمدفعية المضادة للطائرات في مدرسة المدفعية بالعباسية ليقود إحدى الفصائل الحربية التي تولت الدفاع عن الإسكندرية ومينائها، ثم ليتوجه بأورطته هذه إلى السلوم بناء على أمر شخصي من الماريشال مونتجمري. وقد تمكنت البطاريات المصرية المضادة للطائرات من أن تسقط في أثناء تمركزها في الإسكندرية 11 طائرة تابعة لجيوش دول المحور، وبعد انتقالها إلى السلوم أسقطت هذه البطاريات أربع طائرات من طائرات المحور في يومين متتاليين.
يفرغ عبد المنعم رياض إلى نفسه من الحرب العالمية بعدما أوشكت أن تضع أوزارها، فيتقدم بأوراقه للالتحاق بكلية أركان الحرب، وهو الذي لم يمض على تخرجه أكثر من ست سنوات، ويتخرج رياض الضابط الصغير الحديث على رأس سابع دفعة تخرجت في كلية أركان الحرب المصرية التي هي كلية الدراسات العليا للعسكريين الوطنيين في ديسمبر (1944).
ومن الطريف أن اعتماد الشهادة الرسمية لتخرج عبد المنعم رياض لم يحدث إلا في 1953 أي بعد قيام الثورة، وكان بعض الذين وقعوا باعتمادها من الذين لم يلتحقوا بكلية أركان الحرب إلا بعد تخرج عبد المنعم رياض فيها، ومن هؤلاء عبد الناصر وعبد الحكيم عامر.
وفي سنة 1945 سافر عبد المنعم رياض في بعثة للدراسة في مدرسة فن المدفعية في «لاركيل تاون»، وهي مدينة بريطانية على شاطئ الأطلنطي، وهناك أظهر الضابط الشاب من المهارة ما جعل قائد المدرسة يحدثه عن ارتفاع مستواه العلمي والفني، وانتهزها عبد المنعم رياض فطلب إلى قائد المدرسة أن يصرح له باختصار الدورة إلى خمسة شهور بدلا من عشرة، فأجابه القائد إلى طلبه، وانتهى رياض من دراسته في الفترة التي حددها لنفسه وتخرج في اليوم العشرين من فبراير (1946) (أي بعد ثماني سنوات بالضبط من تخرجه في المدرسة الحربية المصرية)، متخصصا في تعليم المدفعية بنوعيها: مدفعية الميدان، والمدفعية المضادة للطائرات، وذلك بعد أن حصل على لقب معلم مدفعية من مدرسة المدفعية المضادة للطائرات في جنوب ويلز.
واستكمل شهيدنا دراسته بعد ذلك في كلية «دولتس» الأكاديمية بإنجلترا.
أعلنت مصر عن دخول جيشها حرب فلسطين (مايو 1948) وكان عبد المنعم رياض يعمل في إدارة العمليات المخططة، وظل يؤدي وظيفته في هذه الإدارة على نحو متميز طيلة الحرب، وكان، بحق، همزة وصل بين القادة في القاهرة وقيادة الميدان على أرض فلسطين.
وقد شهد له اللواء عمر طنطاوي قائد المدفعية في حرب فلسطين، شهادة تستحق التسجيل، حيث قال: «رغم ظروف المعركة السيئة في فلسطين، سواء الأسلحة الفاسدة، أو بسبب سوء الإمدادات والتمويل، أو المعلومات القليلة المتوافرة لدينا عن قوات العدو، فقد كنت أشعر بأن البكباشي عبد المنعم رياض هو العقل المفكر الوحيد في إدارة العمليات والخطط وراءنا في القاهرة، كان ينجدني دائما، ولم يخب ظني فيه طوال العمليات مرة واحدة».
ولعل هذا يفسر لنا تقدير الدولة لرياض في أعقاب حرب 1948، حيث كان من الضباط الذين كرمتهم الدولة عقب تلك الحرب، وقد نال نوط الجدارة الذهبي في 20 فبراير (1949)، ومن الطريف أنه يوافق يوم تخرجه في المدرسة البريطانية (1946) وفي المدرسة الحربية (1938).
وفيما بين حربي ثمان وأربعين (1948) وست وخمسين (1956) لمع اسم عبد المنعم رياض من خلال نجاحه البارز في ثلاثة مواقع متتالية كانت هي أهم المواقع في سلاح المدفعية المضادة للطائرات، حيث عمل أولا قائدا لمدرسة المدفعية المضادة للطائرات فيما بين سنة اثنتين وخمسين (1952) ومايو سنة ثلاث وخمسين (1953)، ثم أصبح قائدا للواء الأول المضاد للطائرات بالإسكندرية، فقائدا للدفاع المضاد للطائرات.
هكذا كان عبد المنعم رياض قد وصل إلى الصف الأول من القيادة العسكرية في 1953، أي بعد 15 عامًا فقط من تخرجه.
وربما يحتاج أداء عبد المنعم رياض في هذه المواقع إلى قدر من الضوء الكاشف عن عبقريته.
أما في مدرسة المدفعية المضادة للطائرات فقد بذل شهيدنا البطل جهدا كبيرا في تطوير الدراسة بالمدرسة، ورفع مستوى دوراتها التدريبية، وسنّ كثيرًا من التقاليد التي لا تزال المدرسة تأخذ بها.
وخرّج رياض في المدرسة كثيرًا من الضباط الذين عملوا تحت قيادته بعد ذلك، بعدما أتيحت لهم الفرصة أن يعرفوا عظمة عبد المنعم رياض كقائد ومعلم، وبعدما أتيح له أن يتخير أفضل العناصر وأكفأها في سبيل خدمة الوطن.
وفي أول مايو (1953) ترك عبد المنعم رياض قيادة مدرسة المدفعية المضادة للطائرات بعدما بقي في هذا المنصب لمدة سنة كاملة (قامت خلالها ثورة 1952) ليتولى قيادة اللواء الأول المضاد للطائرات بالإسكندرية.
ومن خلال موقع عبد المنعم رياض في قيادة الدفاع الجوي المضاد للطائرات، نجح شهيدنا في إدخال كثير من التطويرات والتحديثات على هذا السلاح، كما نجح في إدخال المعدات اللاسلكية الألكترونية.
كما واصل الدراسات الملاحقة للتطورات الجديدة في صناعة وسائل الدفاع الجوي التي كان قد بدأها في مدرسة المدفعية، حين كان الحصول على أجهزة الرادارات يعتبر فتحا، وكانت وحدات الرادار في ذلك الوقت من أخطر الأسرار في الجيوش المحاربة.
كان القائمقام عبد المنعم رياض لا يزال يشغل منصب قائد الدفاع المضاد للطائرات، فلما كانت ضربة الطيران التي بدأت بها إسرائيل أدرك الرجل العسكري بثاقب نظره أن مكانه لم يعد بين جدران مكتبه، فخرج إلى المطارات الواقعة يتنقل بينها في سرعة خاطفة، وكان يندفع بضباطه إلى المطارات القريبة من القاهرة والمطارات الواقعة في منطقة القتال لإنقاذ الطائرات الرابضة على أرض هذه المطارات.
وبلغ الأمر برياض وبضباطه في الحرص على ثروتنا الجوية أنهم كانوا لا ينتظرون حتى يقودوا الطائرة، وإنما كانوا يدفعونها بأيديهم، وفيما كانوا يقومون بهذا كانت صواريخ العدو تصيبهم هم أنفسهم.
وتأتي في هذه السياق قصة إصابة يده بحروق نتيجة ما تعرضت له من انفجارات وشظايا بينما هو يدفع بيديه الطائرات الرابضة في المطار بعيدا عن نيران العدو.
وحين بدأت مصر تتجه إلى تنويع مصادر الأسلحة، وتستعين بالسلاح الشرقي، كان عبد المنعم رياض من أوائل الضباط الذين ابتعثوا للدراسة في أكاديمية «فرونز» بالاتحاد السوفيتي.
ففيما بين إبريل سنة ثمان وخمسين (1958) وفبراير سنة تسع وخمسين (1959)، أتيح للشهيد عبد المنعم رياض أن يقضي دورة تكتيكية متقدمة في الأكاديمية العسكرية العليا بـ«فرونز» بالاتحاد السوفيتي فأتمها بامتياز.
وكانت هذه ثاني دورة يحضرها الضباط العرب، وفيها أبرز رياض تفوقا ونبوغا ملحوظين، حتى إن أحد أساتذة العسكرية السوفيت الكبار والقادة الروس في الحرب العالمية الثانية ظل يذكره بالحيز عليهما، ويذكر للحضور من كبار الضباط في الدورات التالية بأنه على هذا المقعد جلس «الجنرال الذهبي»، وكانت هذه هي التسمية التي أطلقها هو وزملاؤه من الأساتذة السوفيت على عبد المنعم رياض!
وقد رقي عبد المنعم رياض رئيسًا لأركان سلاح المدفعية سنة 1960، وهو منصب متقدم كما نُقل لمنصب نائب رئيس شعبة العمليات برئاسة أركان حرب القوات المسلحة سنة 1961، وهو المنصب الذي اكتسب أهمية خاصة مع الزمن، وكان بمثابة مستشار الدفاع الجوي في غرفة العمليات.
حصل رياض على رتبة اللواء، ولكنه لم يترك الاستزادة من العلم، فالتحق وهو برتبة اللواء بدورة للصواريخ عقدتها مدرسة المدفعية المضادة للطائرات فيما بين أغسطس سنة اثنتين وستين (1962) ويناير سنة ثلاث وستين (1963)، واجتاز هذه الدورة كما اجتاز غيرها بتفوق ملحوظ.
انتقل عبد المنعم رياض للعمل في القيادة العربية الموحدة كما نعرف، وفي أثناء عمله في هذه القيادة تقدم للدراسة في كلية الحرب العليا، وكان من الممكن له بحكم مكانته أن يتولى الأستاذية في هذه الكلية بحكم وضعه أو رتبته أو خبرته أو عمله، ولكن روح رياض المتعطشة للعلم تغلبت على كل هذا، وبدأ رياض دراسته منتسبا بحكم عمله الذي كان يستغرق أكثر الوقت، ولكن رياض كان حريصًا على دروسه حتى فاقت نسبة حضوره نسب المنتظمين. وإذ ذاك اجتمع مجلس التعليم في جلسة خاصة وقرر استنادا إلى ما عهد فيه من انتظام وجدية تغيير صفته إلى (منتظم).
وظل رياض يدرس في هذه الأكاديمية فيما بين مارس سنة خمس وستين (1965) ويوليو سنة ست وستين (1966) حتى تخرج بأعلى الدرجات وكانت ترتيبه أول دفعته!
وفي 21 أبريل سنة 1966 أقامت كلية الحرب العليا حفل تخرج للدفعة الأولى من خريجيها، ورياض بين الخريجين بالاسم، لكنه لم يتح له حضور ذلك اليوم، فقد كان في غرفة عمليات الجراحة بمستشفى المعادي يجري عملية «فتق».
ومع نهاية دراسة عبد المنعم رياض في كلية الحرب العليا حصل على رتبة الفريق في 21 إبريل (1966).
إذا أحصينا الفترات الزمنية التي قضاها رياض في الدراسة والتأهيل وجدناها تفوق المعدل المعهود في التاريخ العسكري لضابط قائد مثل رياض، بل إنه قلما يتاح لأعضاء هيئات التدريس في الجامعات أن يمضوا مثل هذا الزمن في تنمية المعرفة.
وقد تصادف أن أدى اختلاط الميل المعرفي لعبد المنعم رياض بالميل السياسي إلى إبعاده عن المواقع المؤثرة في القوات المسلحة، فأتيح له في هذا الوقت الطويل تنمية المعرفة.
ولا مراء في أن هذه الفترات التي قضاها في تلقي العلم قد أفادته بالقدر الذي أفادته فيه الخبرة التي هيأها له الله، في تسلسل بديع لم يبعد به عن نطاق تخصصه الدقيق في المدفعية المضادة للطائرات.
كان عبد المنعم رياض من الضباط المعروفين بالانضباط المطلق، ولهذا السبب فإن أحدا من قادة الضباط الأحرار (على حد علمنا وعلى حد ما هو متاح في الأدبيات السياسة والتاريخية) لم يفكر في مفاتحة رياض في الانضمام إليهم، على الرغم من أن دفعته كانت من أكثر الدفعات التي تضم الضباط الأحرار بين أفرادها، بل كان منهم أنور السادات، وحسين الشافعي، وزكريا محيي الدين الذين وصلوا إلى أعلى المراكز في ظل حكم الثورة.
كان عبد المنعم رياض عندما قامت الثورة في 1952 يتدرج بخطوات واثقة في الكادر العسكري، مؤهلا نفسه ليكون عن قرب أحد قادة القوات المسلحة البارزين، فقد كان بأسبقيته ودراساته وتفوقه قد أصبح على الطريق العريض إلى هذه المكانة، ويمكن القول بدون تزيد إن قيام الثورة قد عطل مسيرة رياض العسكرية التي كانت كفيلة له بأفضل بكثير مما وصل إليه في عهد الثورة.
مع هذا فإن ولاء عبد المنعم رياض لوطنه وجيشه كان فوق كل اعتبار، وقد روّض نفسه على أن يخدم وطنه في كل الظروف، ومع كل المصاعب، وبخاصة المصاعب النفسية التي تؤذي أمثاله من المتميزين في ظل حكم ثورة أو انقلاب عسكري يتيح لطائفة معينة مزايا على حساب أصحاب الحق الأصلى.
كان نموذج عبد المنعم رياض يكفل له أن يمضي في تكوينه العسكري حتى نهاية عمره بعيدا عن السياسة، ومع هذا فإن ظروف الترقي السريع لدفعته مع بقائهم يخدمون بحكم عدم تجاوزهم السن، جعلت كثيرا من زملائه يمارسون السياسة بالاضطرار أو الإجبار، حتى مع عدم ابتعادهم عن القوات المسلحة المصرية وتشكيلاتها، وكانت تجربة الوحدة مع سوريا قد فتحت أعينهم على إمكانية الجمع بين المسارين في بعض المراحل.
كان عبد المنعم رياض كان قد وصل إلى أعلى منصب في مجال تخصصه العسكري الدقيق (الذي اختاره لنفسه) وهو منصب قائد قوات الدفاع المضاد للطائرات منذ 1954.
وهكذا أصبحت هناك سنوات أكثر من العشر كان عليها أن يقضيها في مواقع متقدمة بروتوكوليا، وإن لم تكن بذات الأهمية عسكريًا وفنيا وقتاليا حتى يصل إلى رياسة الأركان، أو إلى منصب القائد العام للقوات المسلحة (وقد وصل بالفعل إلى رياسة الأركان في يونيو 1967 بعد وقوع الهزيمة).
في هذه الفترة الطويلة الممتدة ما بين 1956 (بل 1954 إذا أردنا الدقة) وبين 1967 قضي رياض خدمته في مواقع متقدمة:
● رئيس أركان سلاح المدفعية 1960.
● نائب رئيس شعبة العمليات برئاسة أركان حرب القوات المسلحة.
(ونحن نعرف الآن أن مركز القائد المسئول عن العمليات أصبح تاليا في الأهمية مباشرة لرئيس أركان حرب القوات مباشرة).
● ومن شعبة العمليات انتقل اللواء عبد المنعم رياض أواخر سنة 1962، إلى وظيفة جديدة صنعت له (أو فصلت له على حد التعبير البيروقراطي المصري) حيث أصبح مستشارا لقيادة القوات الجوية لشئون الدفاع الجوي، ورغم طول اسم الوظيفة فالواضح أن عمل عبد المنعم رياض فيها كان أقرب ما يكون إلى أن يكون عملا استشاريا.
● رئيس أركان القيادة العربية الموحدة، وهي قيادة عربية تأسست بالموازاة للجيوش العربية الوطنية، وتولى قيادتها الفريق علي علي عامر رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية، وهو الذي اختار عبد المنعم رياض ليكون معه.
● قائد جبهة الأردن في حرب 1967.
في هذه الفترات شغل رياض نفسه بالدراسة العسكرية والاستراتيجية، والدراسة الحرة أيضًا، وكأنما كان يعلي ويعزز من عناصر تكوينه الاستراتيجي السياسي، وعلى سبيل المثال فإنه في أثناء عمل رياض مستشارا لقيادة القوات الجوية في أواخر 1962 أتيحت له فرصة لأن يطلع على مجريات الأمور في سلاح القوات الجوية الذي لم يكن قد عمل به من قبل، ولم يكن من المتوقع أن يعمل فيه.
في هذه الفترة بدأ رياض خطوات تأسيس القوة الرابعة، قوة الدفاع الجوي، وذلك من خلال وضع تنظيم يربط في قيادة واحدة بين: المدفعية، والصواريخ المضادة للطائرات، وتشكيلات الطائرات الاعتراضية المقاتلة. كان رياض يؤمن وينادي بضرورة وجود قيادة الدفاع الجوي منذ عدوان 1956، لكن عقلية القيادات العسكرية في مصر كانت تفضل أن تظل هذه القيادة فرعا من القوات الجوية، وهو الوضع الذي ظل مأخوذا به في توحيد قيادة القوات الجوية والدفاع الجوي، ولم يحدث الانفصال إلا بعد استشهاد رياض، ومن الطريف أن أول قائد للدفاع الجوي وهو محمد علي فهمي كان هو الذي قاد الدفاع الجوي في حرب أكتوبر 1973.
وفي هذه الفترة أيضًا بدأت معاناة عبد المنعم رياض الحقيقية من الطبقة التي تسميها أدبياتنا التاريخية «أهل الثقة»، الذين فُرضوا على المواقع المؤثرة في القوات المسلحة، وانقلبت بهم أوضاع الأقدمية العسكرية.
وقد روى أستاذنا الدكتور زكي سويدان في مذكراته عن عبد المنعم رياض ما يدل على موقف عبد المنعم رياض الحاد من شمس بدران (الذي هو وزير الحربية) في تلك الفترة:
«وقد علمت أنه ذهب قبل النكسة إلى وزير الحربية السيد شمس بدران وقال له: إن انتشار القوات المسلحة في سيناء بهذا الشكل، بدون غطاء جوي مكفول، سيؤدي إلى سهولة افتراسها بقوات العدو، وأنا أطلب سرعة تجميع وعودة القوات المسلحة، وأجابه وزير الحربية بأن هذا ليس من اختصاصك، وأجابه الشهيد: الله يلعنك أنت واللي عينك.. وانصرف، وكان هذا اللقاء سبب تأخير ترقية الشهيد إلى رتبة فريق قبل تاريخ النكسة».
في الفترة من 12 إلى 17 يناير عام 1964 فيما سمي بمؤتمر القمة العربي الأول (وإن كانت هناك قمة عربية أولى سابقة في إنشاص)، اجتمع ملوك ورؤساء الدول العربية وتدارسوا أبعاد المشاركة الفعلية في الأعمال البناءة الجماعية، وصدرت قراراتهم وتوصياتهم تؤكد على أن قيام إسرائيل هو الخطر الأساسي الذي أجمعت الأمة العربية بأسرها على دفعه، ومن ثم فإن على الدول العربية أن تضع الخطط اللازمة لمعالجة الجوانب السياسية والاقتصادية والإعلامية، حتى إذا لم تتحقق النتائج المطلوبة كان الاستعداد العسكري العربي الجماعي القائم، بعد استكماله، هو الوسيلة الأخيرة العملية للقضاء على المشروع الإسرائيلي..
واختير الفريق أول علي عامر قائدا عامًا لها، وترك له أن يختار رئيس الأركان الذي يعاونه في عمله، وقد آثر علي عامر أن يختار عبد المنعم رياض لهذه المهمة.
يرى بعض كتاب التاريخ أن رياض قد أبعد عن قيادة القوات المسلحة المصرية إبعادا غير مجد، لكن الحقيقة أنه ، في واقع الأمر، حظي بفرصة ذهبية حين اختير رئيسًا للأركان للقيادة العربية الموحدة، فقد بقي في قلب العسكرية وعلومها، وإن كان قد ابتعد أيضًا عن الممارسات غير العسكرية في قيادة الجيش المصري.
وقد صدر قرار تعيين اللواء عبد المنعم رياض رئيسًا لأركان القيادة العربية الموحدة اعتبارا من 10 مارس 1964. وظل شهيدنا يعمل ويدرس ويسافر ويلتقي بالملوك والرؤساء والقادة ويضع الخطط ويناقش في التفصيلات، ويقدر الإمكانات ويعيد في كل هذا الميدان الكبير حتى تهيأت له خبرة واسعة على درجة رفيعة من الشمول والدقة في المجال العربي.
ومن الجدير بالإعجاب أن نعرف أن رياض في ذلك الوقت كان يشير بإعطاء أولوية التنفيذ لمشروعين مهمين يتعلقان بالمواصلات بين السعودية والأردن هما:
● خط سكة حديد يربط بين تبوك على الحدود بين البلدين، ومعان في الأردن.
● وطريق آخر بري يربط كذلك بين المدينتين، مارا بقلعة البدورة.
وكان عندما يسألونه يجيب: «والله أنا راجل بأفصل زي الترزي.. ما تدنيش قماش، أفصل إيه؟ بإيه؟!».
كان عبد المنعم رياض أمينا إلى أقصى حد في ممارسته لوظيفته في القيادة العربية الموحدة، وقد دفعته أمانته في سنتي خمس وستين، وست وستين (65 و1966) إلى مداومة الإنذار والتحذير من سوء موقف القوات الجوية على الجبهات العربية الثلاث، وظل يدعو إلى الإسراع في تدعيم الدفاع، وكان يجأر بضرورة العناية بالمجال الجوي لدول الجبهتين الشمالية والشرقية (سوريا والأردن ولبنان).
وكان يلفت النظر إلى حقيقة بسيطة تجاهلتها أبصار قادة ذلك الزمان، وهي أن الفصل من الناحية الجوية بين جبهات المواجهة الإسرائيلية في هذه الدول مستحيل، نظرا لأن السرعات الفائقة للطيران الحديث تتطلب مدى واسعًا، وهو ما لا يتوافر مع صغر مساحات هذه الدول ومجالاتها الجوية. لهذا السبب قدم اقتراحه إنشاء «مجموعة عمل جوية» من هذه الدول تقوم بالسيطرة على أعمال قتال القوات الجوية لهذه الدول أمام عدو يدير قواته على جبهاتها الثلاث وفق نظام مركزي موحد ومندمج في جهاز عسكري واحد.
وبعبارة أبسط كان عبد المنعم رياض مستاء أشد الاستياء من أن تكون الجبهة العربية شرق إسرائيل وهي مساحة صغيرة تقطعها الطائرات في دقائق قليلة مقسمة بين ثلاث دول على حين أن الجانب الإسرائيلي يخضع لقيادة واحدة.
وفي أعظم مقال كتب في رثاء الشهيد عبد المنعم رياض، وهو المقال الذي كتبه الفريق عامر خماش رئيس أركان حرب الجيش الأردني، في جريدة الأخبار 13 مارس 1969.. حيث قال:
«إنني أعتبر أن الشهيد عبد المنعم رياض كان فذا في كفاءته العسكرية، يتحلى بكل صفات القائد الناجح.. الشخصية القوية مع وجود المرونة الكاملة، خلال مزاملتي له في الجبهة الأردنية أدركت بحق ما يتحلي به من شجاعة نادرة، وصبر وقوة تحمل، ويكفي أن أقول إنه في أثناء حرب حزيران (يونيو) 1967 لم ينم الليالي الخمس الأولى من القتال دقيقة واحدة، كان يعمل في دأب عجيب متحكما في أعصابه رغم ذلك».
«وفي كل مكان ذهبت إليه في الاتحاد السوفيتي أو بريطانيا كنت أسمع الثناء العظيم على الكفاءة العسكرية التي يتمتع بها عبد المنعم رياض، بالإضافة إلى سعة اطلاعه، وشخصيته النادرة، ومرونته الدبلوماسية».
«وكان يتمتع بدبلوماسية رائعة، وأذكر أنه كان في الاجتماعات التي تتم على صعيد العسكريين العرب يستطيع أن يخلص من المواقف الصعبة بحضور بديهته، وفكاهته المصرية الأصيلة، وبالتالي كان بأسلوبه هذا يهيئ جو الاجتماع لإيجاد مجال تفاهم وتعاون أفضل».
تمتع عبد المنعم رياض بشخصية آسرة، كانت الثقافة خير معين له على أن يكون مقنعا ومحبوبا، وكان حسمه يزيد من ثقة المرءوسين به، ومن فخر المتعاملين معه بمعرفتهم به، وكان رجلا ممتعا قادرًا على أن يشيع البهجة في أي مكان يحل به، وكان محاورا جيدًا، ومستمعا جيدًا، ومتحدثا جيدًا.
كانت لعبد المنعم رياض شخصية تتميز بالذكاء والأصالة والابتكار، ولم يكن يذعن للعرف السائد، وإنما كان يحاول دوما أن يضع من التقاليد ما يتفق والمصلحة العامة، وحين تولى مسئولية مدرسة المدفعية المضادة للطائرات أسس تقليدا جديدا لاختيار المدرسين، فعلى حين كان التقليد المعمول به هو اختيار هؤلاء من بين أوائل الفرق التعليمية، كان عبد المنعم رياض يؤمن بأنه ليس كل من يتفوق في الدراسة يمكن أن يكون مدرسًا صالحا: «فالتفوق في الدراسة أساسه أن تأخذ من العلم.. والامتياز في التدريس قوامه أن تعطي من العلم».
وعلى هذا الأساس قرر عبد المنعم رياض فترة شهرين لكل مدرس جديد يعين في المدرسة يوضع فيها تحت الاختبار كمدرس، ثم نُظر بعدها في مدى صلاحيته للتدريس، ى وكان رياض حريصًا على أن يحضر هو وأكبر عدد من المدرسين القدامى المحاضرات التي يلقيها الضابط الجديد، وكان إذا حضر ظل صامتا طوال المحاضرة يسجل ملاحظاته، أحيانا في ورقة في يديه وأحيانا في رأسه، ثم كان يستطلع آراء زملائه المدرسين، ويعقد اجتماعا (أو مؤتمرا بلغة القوات المسلحة) صغيرا يوجه فيه المدرسين الجدد عاملا على تكوينهم وتأهيلهم، فإذا انتهت فترة الشهرين، كان قرار رياض بعد دراسة واحتكاك باستبقاء المدرس أو إعادته إلى وحدته.
وقبل ذلك كان عبد المنعم رياض وهو مدرس في مدرسة المدفعية يلقي محاضراته باللغة الإنجليزية، وكان يعرف أن تلامذته يلقون بعض الجهد في ذلك. ولم يكن رياض يفعل ذلك اعتزازا بإتقانه هذه اللغة، ولكنه كان حريصًا على أن يزود طلابه بالثقافة التكتيكية باللغة التي يستطيعون أن يرجعوا فيها إلى مصادر العلم ومراجعه، أو بعبارة أخرى لم يكن رياض يجعل من درسه نهاية للمقتصد فحسب، وإنما كان يجعل منه أيضًا بداية للمجتهد.
كانت لعبد المنعم رياض على المستوى الشخصي قدرات فنية وتقنية على درجة عالية من النضج والكفاءة، ومن ذلك ما حدث حين أوفد إلى جنيف (1953) على رأس لجنة لوضع مواصفات تسلم صفقة من المدافع المضادة للطائرات كانت الحكومة المصرية قد تعاقدت عليها (1951) مع مصانع سبانو سويزا السويسرية، وحين اجتمع رياض بالموردين ذكر لهم أن الطيران الحديث قد تطور تطورا كبيرا في السنوات الثلاث الأخيرة، وكانت تلك الحقبة قد شهدت التوسع في استخدام النفاثات بحيث أصبحت وسيلة تغذية هذا النوع من المدافع بالطلقات غير مواكبة للسرعة التي وصلت إليها الطائرات الحديثة وأبدي الموردون عدم اقتناعهم بوجهة نظر رياض، وخاصة أن حلف الأطلنطي كان قد تعاقد معهم على المدفع ذاته.
وهكذا عدل الجانب الغربي عن رأيه، وشكل لجنة علمية من بين مهندسيه بالاشتراك مع عبد المنعم رياض لتتولي تطوير المدفع.
وبدأت اللجنة في إجراء تجاربها الإنتاجية الأولى بعدما قطعت شوطا بعيدا، ولكن هذه التجارب أبانت عن فشل التصميم بالنسبة لأحد الأجزاء، واستعصى على تلك اللجنة حل هذه المشكلة، وعندئذ اقترح رياض أن تستدعي اللجنة أحد أساتذة جامعة القاهرة لدراسة هذه المشكلة وأكد لهم ثقته التامة في قدرة هذا الأستاذ.
وتم استقدام الأستاذ المصري فنجح في مهمته وعاد رياض بالتطوير الجديد بالمدفع المضاد للطائرات، وبعدها بعام كامل طلب حلف الأطلنطي أن تجري على مدافعه التي تعاقد عليها التعديلات التي أجريت لصفقة الجيش المصري بفضل قدرة رياض الفائقة.
ولقد حاولت مصانع سبانو سويزا السويسرية (سنة 1961) أن تقتني العملتين النادرتين: اللواء عبد المنعم رياض، والعميد نجم الدين، والمرتب 1000 دولار شهريا، (حوالي 600 جنيه مصري بسعر المبادلة)، مثل هذا المبلغ كان يعادل يومها 5 أمثال مرتب رياض من رتبته! لكنه رفض، وبقي ليخدم بعلمه سلاح وطنه، بينما قبل العميد نجم الدين الوظيفة، وطار إلى جنيف، وبقيَ هناك!
كان من أبرز سمات شخصية عبد المنعم رياض اهتمامه الشديد بالعلم على المستويين الشخصي والعسكري، وكانت نظرة رياض إلى العلوم نظرة واسعة شاملة لا تقف عند حد، وإنما تتعدد فيها الاتجاهات لتلتقي في عقله الذكي الواعي. وكان رياض يقرأ في كثير من فروع المعرفة، وكان يقرأ بصفة خاصة في فروع الاقتصاد ملبيا لاحتياجاته الفكرية التي أملت عليه دراسة مثل هذه العلوم التي لابد من الإلمام بها لكل قائد عظيم مثله. كان يقرأ في الإلكترونيات مع صعوبتها ودقة تفصيلاتها، ولكن العون الحقيقي له على كل هذا كان يأتيه من نفسه ومن صبره ودأبه ومثابرته على تحقيق رغبته الملحة في التعرف على مسارات التقدم العلمي أولا بأول. كان رياض رحمه الله لا يأنف أن يسأل فيما استغلق عليه فهمه، وكان يسعى في تواضع العلماء، ونبوغ المتعلمين إلى لقاء الأساتذة يتلقى على أيديهم العلم عن قرب وفي أروع صورة لطالب العلم الذي يحرص على ورود مناهله.
ولعلنا بعد أن تبينا القدر الحقيقي لشغف عبد المنعم رياض بالعلم ندرك أنه لم يترك كلية الطب في مطلع حياته هاربا من العلم ومحرابه، ولكنه اختار لنفسه الجندية علما ومحرابا، اعتزازا بها وتقديرا لشرفها ونبلها، ووفاء لوالده مثله الأعلى وموضع حبه وإجلاله.
عاش رياض حياة عسكرية رياضية نموذجية ومتصلة، وقد مكنته هذه الحياة من أن يحتفظ بسلامة البدن، وقوة البنية، ولم تكن عنايته بقواه البدنية تقل عن عنايته بروحه وعقله ونفسه، إذ كان يدرك تمام الإدراك مدى أهمية التكامل بين أجهزة الإنسان المختلفة، وبين نموه العقلي والجسدي، وبين جهد الفكر والجسم.
كان منذ صغره يهوى ركوب الخيل، وكان حريصًا طيلة حياته على مزاولة الرياضة كل يوم، كما كان رئيسًا لنادي هليوبوليس للرماية والجوالة.
ومن الجدير بالذكر أن عبد المنعم رياض، شأنه شأن أبناء جيله، تلقى مبكرًا صدمة من صدمات التعليم المصري الجاد الذي مروا به في ذلك الزمن، فقد رسب في السنة الثانية الابتدائية، وكان رسوبه في مادة الجغرافيا لأنه عجز عن إجابة السؤال الإجباري في الامتحان، وكان السؤال «ارسم خريطة للدنيا مبينا القارات والبحار والمحيطات والمضايق المهمة».
كذلك فإنه لما حصل على الابتدائية من مدرسة رأس التين حصل على 70% فقط، وهو مجموع أقل من المجموع الذي حصل عليه بعد ذلك في الثانوية.
كان رياض يكن طيلة خدمته الاحترام الواجب لرؤسائه وأصحاب الرتب الأعلى، حتى عندما كان رئيسًا للأركان (أي في موقع الرجل الثاني في الجيش) فإنه كان يعامل الفريق أول فوزي باحترام شديد لم يفتأ الذين لاحظوه (حين كان من السهل على القريبين من اللامعين أن يدركوا مثل هذه العلاقات) أن عجبوا له، ولم يكن هذا إلا صورة العسكري المفطور على الأخلاق العسكرية.
وحتى في الدقائق الأخيرة التي استشهد فيها البطل، صافح جنود المواقع المتقدمة فردا فردا، وقال لهم في دعابته اللطيفة الحانية: «ماتعملوا لنا شاي.. أنتم بخلاء واللا إيه؟».
كان عبد المنعم رياض يؤمن بأن مكان القائد الحقيقي أن يكون وسط جنوده في المعركة، ولم يكن استشهاده في الخطوط الأمامية إلا دليلًا حيا على التزامه بهذه الصفة العسكرية الرفيعة من صفات القادة العظماء.
ويتداول العسكريون المصريون أن صلة عبد المنعم رياض بضباطه وجنوده لم تكن لتنقطع لحظة من اللحظات تعبيرًا عن قوله الذي لم يفتأ يكرره: «إن مكان القادة الصحيح وسط جنودهم.. وأقرب إلى المقدمة منهم إلى المؤخرة».
ولم يكن رياض يقتصر في هذا على ضربه القدوة بنفسه، ولكنه كان يحذر القادة يومًا بعد يوم من أننا «إذا حاربنا حرب القادة في المكاتب فالهزيمة محققة».
وباختصار شديد فقد كان عبد المنعم رياض صلبا كالصخرة في مواجهة الرؤساء.. حليما وإنسانيا في مواجهة الصغار والمرءوسين.
وكان يقول: «أخطاء الصغار صغيرة يمكن معالجتها، ما دامت بغير قصد، وفي حدود ممارستهم لحق التجربة والخطأ، أما أخطاء الكبار فإنها دائمًا كبيرة!».
ليس من شك في أن عبد المنعم رياض كان من أهم قادة الاستراتيجية العسكرية وخبرائها في الشرق الأوسط، ولم يكن هذا بحكم موقعه القيادي في القوات المسلحة المصرية والعربية فحسب، ولكن قدرة رياض الاستراتيجية هذه جاءت نتيجة لثلاثة عوامل تضافرت حتى كونت منه تلك الطاقة رفيعة المستوى والقدر والقدرة.وأول هذه العوامل هو استعداد رياض ومواهبه الطبيعية وقدراته القيادية ومداركه الواسعة التي وهبها الله إياه، فقد كان عبد المنعم رياض بفطرته على أعلى درجات الاستعداد والكفاءة للتقبل، والانتفاع بما اكتسب من مهارات ومعارف، ولو أنه عمل في أي مجال من المجالات لكان قد حقق فيه تفوقا يتناسب مع تفوقه الذي حققه في القوات المسلحة.
وبالإضافة إلى هذا فقد كانت له رحمه الله خبراته الواسعة الممتدة لأكثر من ثلاثين عامًا متصلة اتصال الخيط الواحد حيث قضى عمره كله في صفوف القوات المسلحة مقاتلا وقائدا وأستاذا، وطيلة هذه السنوات الثلاثين كان رياض يعيش في المعركة وفي المعمعة، وقد التزم هذا الرجل بمهنته التزاما صوفيا فلم تعرف عنه رغبة في الخروج من المهنة، ولا على قواعدها، كما لم يسجل عليه ضجر أو ملل من مصاعبها.
أما العامل الثالث فتمثله ثقافة رياض الواسعة والتي لم يتوان يومًا عن تحصيلها واكتسابها ثم تنميتها وصقلها بكل طريق، وقد تكونت له خلفية واسعة ذات درجة رفيعة في السياسة والاقتصاد وعلم النفس والاجتماع والتاريخ، بالإضافة إلى اللغات التي كان يتقنها، وبالإضافة إلى إلمامه الجيد بمبادئ العلوم الطبيعية المتصلة بعمله، ولو أنك بحثت في جيل رياض من العسكريين جميعا ما وجدت من يضاهيه في هذه الناحية ولا من يقترب إليه.
جمع رياض في فكره بين المدرستين العسكريتين الغربية والشرقية، ومع أن الانتماء الجيد لمدرسة من المدرستين كان كفيلا له بدرجة رفيعة من التفوق الاستراتيجي، فإن الجمع بين المدرستين زاد من هذه الفرصة، وجعل رياض أكثر تفتحا وقدرة على فهم الذات، وعلى فهم الآخرين أيضًا.
وقد تربى عبد المنعم رياض على العقيدة الغربية فيما أتيح له من اتصال مبكر بالعسكرية البريطانية في أثناء الحرب العالمية الثانية، ثم في أثناء دراسته في مدرسة المدفعية المضادة للطائرات، ثم في مدرسة فن المدفعية بإنجلترا (أغسطس 1945 ـ مايو 1946)، حيث حصل على تقدير امتياز.
وأتيح له بعد ذلك أن يدرس العقيدة الشرقية في دورة تكتيكية تعبوية في الأكاديمية العسكرية العليا بالاتحاد السوفيتي (أبريل 1958 يناير 1959) حيث حصل أيضًا على تقدير امتياز.
ثم درس في أكاديمية ناصر العسكرية العليا، كلية الحرب (مارس 1965 ـ يوليو 1966)، حيث يتمرس القادة على وضع المخططات الاستراتيجية لميادين قتال يشترط فيها أن يكون لها ما لجبهات المواجهة العربية الإسرائيلية من مميزات جيوبوليتيكية.
وسوف نحاول أن نلقي ومضات سريعة من الضوء على بعض ملامح الفكر الاستراتيجي لعبد المنعم رياض ونبدأ بالعامل الأول من هذه العوامل وهو دور العقيدة الدينية في الحرب فقد كان عبد المنعم رياض يؤمن بأهمية العقيدة الدينية في الحروب، وكان إيمانه هذا واضحا وصريحا حتى في حقبة الحديث الملح عن الإيمان بالقومية. وفيما بعد هزيمة 1967 أتيحت لفكرة عبد المنعم رياض أن تلقى القبول والشيوع والذيوع، وكان عبد المنعم رياض يرى أن الوازع الديني عند المسلمين أقوى وأمتن أساسا من الوازع الديني عند الإسرائيليين، ولهذا فإنه كان من أنصار إحياء التراث الديني، وروح العقيدة، وتجديد شباب الدعوة الإسلامية على أسس عصرية مفتوحة، بعيدة عن التزمت والانغلاق.
ويذكر بعض معاصريه أن هذه الأفكار الدينية ازدهرت في تفكيره منذ أتيح له أن يزور إسبانيا سنة 1955، حيث أطل عن قرب على آثار حضارة الإسلام في الأندلس، لكننا لا نستطيع أن نوافق هؤلاء على هذه الفكرة تماما، فقد كانت نشأة رياض من قبل هذا كفيلة له بأن يرتبط بالقيم الدينية ارتباطا عضويا، وأن يرى في البعد عنها تقليلا للفرصة في النجاح في أي ميدان من الميادين.
وربما كانت خلاصة ما أريد أن ألفت النظر إليه في هذه الجزئية أن رياض كان يعول على الإيمان بالله وباليوم الآخر وما فيه من ثواب ومن عقاب، وكان يرى في مثل هذا الإيمان دافعا إلى التجويد والأمانة والإخلاص، وهي عناصر أساسية في أداء الجندية.
ونأتي إلى العامل الثاني من هذه العوامل وهو التعويل على طبيعة روح العداء والصراع وأثرها الانساني، فقد كان عبد المنعم رياض في أحاديثه يركز على ضرورة التوعية بحقيقة الصراع الذي يخوض الجنود حربهم من أجل الانتصار فيه.
وفي هذا الصدد فإنه كان يلفت النظر إلى عنصر الإرادة المتعلق برفض الأمر الواقع الذي يفرضه القوي، وعدم قبوله، وكان يرى أن التعويل على مثل هذا العنصر كفيل بتحقيق مقدمات الانتصار.
كان من رأى عبد المنعم رياض أن إسرائيل يجب أن تُواجه بمقاومة عسكرية وبمقاومة اقتصادية معا، وكان من أسانيده في هذا الرأي: أن سبب قيام دولة إسرائيل ليس سببا دينيا فحسب، وإنما يتضمن السبب من ناحية الغرب ما يتعلق بآليات وراثة السيطرة الغربية على الشرق العربي، وهو هدف ذو دافع اقتصادي بحت، ذلك أن الغرب كان يؤمن، بعد أن غزا العالم العربي عقب حرب العالمية الأولى، أن المنطقة صائرة حتما إلى صحوة.
والأمل إذًا أن تصبح إسرائيل عميلة للغرب في المنطقة التي يتقاسمون خيراتها، وأن يقبل العرب هذا الأمر الواقع.
وننتقل إلى العامل الثالث من هذه العوامل: الوعي باستراتيجية الخصم وهدفه من الحرب والوجود، وعلاقة هذا بمعتقداته وطموحاته وتاريخه.
فقد كان عبد المنعم رياض يرى ضرورة أن يكون الجيش المحارب وكل جندي فيه واعيا لأهداف العدو واستراتيجيته على المدي الطويل، وكان يرى أن مسئولية القادة تتضمن تلقين جنودهم الحقائق المتعلقة بهذا الموضوع. وقد كان هو نفسه ميالا إلى التركيز على شرح أهداف إسرائيل التوسعية، حتى إنه كان يرى أن أهدافها هذه تبدو منطقية في ظل سعيها لتحقيق استراتيجيتها، وقد قال بالحرف الواحد:
«إسرائيل في رأيي يجب أن تصل إلى أراضي السهول الخصبة على نهري دجلة والفرات، لتكون دولة متوازنة اقتصاديا، ويجب أن تسعى إلى التغيير بأكبر طاقة ممكنة، ولن تسكت إلا عند هذا الحد، أو هذه الوجبة الأساسية لها».
«يجب أن تصل إلى المناطق المزروعة والمروية عند دجلة والفرات ذات الطاقة البشرية التي يمكنها استيعاب طاقة بشرية جديدة، وهذه هي الخطوة التوسعية التالية لها، وأقولها لكم اليوم ونحن في عام 1968: إن هذا هو برنامجهم ما بين عامي 1985 ـ 1990، ولن يأتي عام 2000 إلا ويكون هذا التوسع قد حدث»
هكذا كان رياض القائد واسع الأفق والإطلاع يلخص رؤية صائبة لم تلبث الأيام أن أثبتتها، وكان عبد المنعم رياض منذ 1964 يصرح بل ويصرخ بأننا نواجه عدوا لا تقتصر أهدافه يومئذ على توصيل مياه النهر العربي إلى صحراء النقب في محاولة لزراعتها ولاستيعاب ثلاثة ملايين إسرائيلي جديد فيها، مع بناء مستعمرات جديدة، أو قلاع جديدة، على خطوط المواجهة مع العرب.
ويتصل بهذا العامل الذي ركز عليه رياض بدون مواربة، تنبيهه إلى «أهمية تقدير حجم وخطورة الدعم الغربي لإسرائيل»، فقد كان عبد المنعم رياض يردد في محاضراته مقولة إن معركة العرب ضد أطماع إسرائيل ليست مجرد عملية عسكرية بين العرب وبينها، بل يجب على قائد المعركة أن يدخل في الاعتبار مَنْ هم وراء إسرائيل.
أما العامل الرابع فيتصل بالعامل السابق اتصالا وثيقا ويعطيه أبعادًا تخرج بالأمور من إطار مواجهة جماعة عقيدية محدودة العدد إلى إطار مواجهة حضارة بأكملها في لحظة من لحظات صناعة مصائر الأمم.
فقد كان رياض مؤمنا بضرورة اقتناع الشعب بقواته المسلحة، وكان يرى أنه يستحيل أن ننتصر في المعركة القادمة إذا لم تنم العلاقة بين الطرفين.
وفي هذا الصدد يروي الأستاذ أحمد حمروش: «وأذكر حديثا دار بيني وبين الفقيد الغالي في عيد الجيش الأحمر بالسفارة السوفيتية». كان يتحدث في حرارة عن الصلة الوطيدة التي بين الجيش والشعب، والثقة التي بدأت تنمو بينهما، ويؤكد إيمانه وحرصه على ضرورة وجود هذه العلاقة الحيوية».
«وشاءت الأقدار أن تكون جنازته هي الصورة التي تخيلها للقاء الشعب والجيش، الشعب الذي يعرف معني الوفاء للقادة المخلصين، والجيش الذي تلتهب معنوياته بشعور الجماهير».
وننتقل إلى العامل الخامس الذي يترجم العاملين السابقين إلى حقائق ومعطيات على أرض المعركة ويجعل القائد العربي مسئولا عن مواجهة حقيقية مع هذه المعطيات في تخطيطه ووضع تصوراته للمواجهة، ويمكن لنا أن نقول إن هذا العامل يتمثل في حتمية التقدير السليم لكفاءة العدو وطبيعة قواته.
كان من رأى عبد المنعم رياض، على ما قال في تقرير للموقف قبل عدوان 1967 بأسابيع معدودة: إن أي تخطيط لمواجهة عسكرية ضد إسرائيل يجب أن يدخل في تقديره أن إسرائيل تعتمد على قوات برية قليلة نسبيا، تدعمها بنظام جيد لاستدعاء الاحتياطي عند الحاجة، مع غطاء جوي ممتاز، وشبكة مواصلات متقدمة، وأنها تعمل على أن تحتفظ لنفسها بالمبادرة في حرب انقضاض جوي مفاجئ، حرب أيام معدودة ترجو أن تحطم خلالها قوات الطرف الآخر.
وقد لقن رياض تلاميذه من القادة المصريين هذه الفكرة وظهر بالفعل أثرها في خطط عمليات القوات المسلحة في حرب 1973 بوضوح حتى بدا وكأنها كانت قد أصبحت من المسلمات في الفكر العسكري المصري (والعربي) بعد ما كانت من المحرمات في ظل الحديث الشوفوني الذي كان مفضلًا على الدوام عند أقطاب النظام الناصري وحوارييه.
وفي هذا الإطار كان رياض كثير التنبيه إلى أهمية الاستطلاع المتميز لإمكانات العدو وأوضاعه القتالية، ويمثل هذا العامل سادس العوامل التي نتحدث عنها في فكره الاستراتيجي. وقد أثر عنه قوله:
«إن الرمال تتحرك يومًا بعد يوم، ومدقات الطرق تندثر وتتغير معالمها، ففي مسارح الصحراء كل شيء يتغير مع ومضات الزمن، وبفعل عوامل التعرية الدائمة النشاط».
ويتمثل العامل السابع في الالتزام بالواقعية في تحديد الهدف القومي من المعركة وتحديد واجبات الدول العربية في هذا الإطار من تحديد الهدف وآلياته.
كان عبد المنعم رياض يؤمن بأن دراسة الأهداف الحقيقية لإسرائيل دراسة جادة كفيلة بأن تمكن الجيش المصري وقائده من أن يتنبأ بالكثير من خططها العسكرية المقبلة، وحدود هذه الخطط ومن أن يضع خططا أكثر واقعية لمواجهتها.
وعلى الرغم من كل التحليق في الآفاق الاستراتيجية فقد كان عبد المنعم رياض رحمه الله يمتاز بالواقعية في تحديد هدفه، ومن المؤكد أنه لم يكن أبدا من هواة التحليق في الخيال، ولا المضي مع العواطف والآمال، وفي هذا الصدد أثر عنه قوله: «لا يستخلص تقدير الموقف السليم إلا من الحقيقة، فكل أعمال الحرب.. شأن كل أعمال الحياة، تدور حول اكتشاف ما لا تعرفه من حقائق وما كشفت عنه الحقيقة هو نفس ما يحتويه الواقع».
ومن منطلق ما أسميناه الواقعية في تحديد الهدف كانت مساهمة عبد المنعم رياض في صياغة نظريتنا الاستراتيجية بعد حرب (1967)، وهي الاستراتيجية التي فرقت بين معركتين لكل منهما هدفها وأسلوبها:
● معركة إزالة آثار العدوان.
● ومعركة إعادة الحق المغتصب إلى شعب فلسطين.
وحين كان على قادة إسرائيل أن يعلقوا على مغزى هذه الاستراتيجية الحكيمة فقد عبر قادتها عن ذلك بقولهم: إن هذا المخطط العربي يهدف اليوم إلى تصفية الوجود الصهيوني على مرحلتين، وقد لا يصدق البعض أن مثل هذا القول كان يصدر عن الغطرسة الصهيونية في أعقاب عام 1967.
….. ….. ….. …..
لكن الإنصاف يقتضينا أن نعترف بجدية الإسرائيليين في تعاملهم مع ما كانوا يطالعونه من مبادئ هذه الاستراتيجية، التي كانت كفيلة بفتح أعين العدو على الحقيقة في الوقت الذي تجاهلها فيه معظم قادة العرب.
وهنا ننتقل إلى واحد من العوامل التي صاغتها خبرة رياض بالواقع الذي عاشه بنفسه وأدرك تفصيلاته وهو العامل الثامن، وهو الإيمان بضرورة التكامل العربي العميق.
كان عبد المنعم رياض واعيا أيضًا لأهمية العمل المتصل من أجل دعم وتوظيف التكامل العربي في المجال العسكري والاستراتيجي على حد سواء، وفي محاضرة مرتجلة قال الشهيد:
«الزخم الاقتصادي لدى الصهيونية العالمية لا يمكن لدولة عربية بمفردها أن تقاومه.. استراتيجيا، فإن هذا التجمع العالمي للصهيونية يجب مواجهته بتجمع عربي مماثل، ولكن هذا التجمع العربي يتعطل لاختلاف العقائد التي تأثرت بها الدول العربية، بعضها عن الغرب، وبعضها عن الشرق، وهذا شيء طبيعي، فأنا أفضل الاشتراكية، وغيري يفضل الرأسمالية.
كان رياض يلفت النظر إلى حقيقة أن إسرائيل تستمد عناصر وجودها من العالم الصهيوني الخارجي، أي من طاقات مستوردة، للعدوان على الوجود العربي، والطبيعي أن نواجه ذلك بدعم طاقات الدول العربية المحيطة بإسرائيل، وأن تسهم الدول العربية الأخرى في ذلك، وأن تخصص من مواردها الاقتصادية ما يكفي لتمويل العمليات العسكرية اللازمة لمواجهة العدوان.
وكانت آمال رياض تصل إلى حد أن يكون المناخ السياسي ملائما لوضع «استراتيجية كلية» تستخدم فيها جميع الإمكانات العربية، عسكرية واقتصادية وسياسية وغيرها، لتحطيم إرادة العدو.
وكان الشهيد عبد المنعم رياض في دفاعه عن دعواته المؤكدة لتنمية التكامل العربي الاستراتيجي يقول: «إن الأمر غير مثبط للهمم، فالدول العربية أقدر على حشد قوات أضعاف القوات الإسرائيلية، وعليها أن تزيد كفاءتها القتالية، وتؤمن لها غطاء جويا كافيا».
وقد ضمّن رياض هذا المعنى في صياغة خطاب الرئيس عبد الناصر في افتتاح مجلس الأمة في 20 يناير 1969 (أي قبل استشهاد رياض بأقل من خمسين يوما).
وهكذا تمكن رياض من أن يضع أفكاره على لسان الرئيس عبد الناصر نفسه على هذا النحو الصريح المباشر.
ومن الإنصاف أن نشير إلى أن هذا الجهد الذي بذل رياض من أجله عصارة فكره ووقته قد حقق نجاحه في حرب أكتوبر 1973، لكن العرب لا يزالون يظلمون أنفسهم، فقد كانت خبرات هذه الجبهة هي الأسلوب الناجح الذي مكّن لدخول قوات العراق المعركة ولتأهب قوات الأردن لهذا الدخول، على الرغم من سياج السرية الذي فرض على الاستعدادات قبل نشوب العمليات الحربية في 6 أكتوبر. ومن الإنصاف أيضًا أن نقول إن حجم المشاركة العراقية كان مبشرا ومستحقًا للفخر وباعثًا على الأمل.. لكن الخلافات اللاحقة التي نشبت بعد الحرب ضيعت على العرب ما اعتادوا تضييعه من الاعتزاز والفخر بالإنجاز. ومما يذكر أن رياض كان في بغداد، قبل استشهاده بيومين، حيث حضر اجتماعا لرؤساء أركان حرب جيوش الجبهة الشرقية.
وننتقل بعد هذه العوامل الثمانية إلى مجموعة أخرى من العناصر التي كونت رؤية رياض الاستراتيجية في المواجهة العسكرية من خلال أدبيات وفكر عبد المنعم رياض السياسي، الذي ننقله عن تصريحاته وخطبه وروايات المحيطين به، ونبدأ بأولها وهو العامل التاسع المتعلق والمرتبط بتخصصه، وهو أهمية الدفاع الجوي.
كان عبد المنعم رياض، منذ تولى رئاسة أركان القيادة العربية الموحدة، يحذر من أن إسرائيل تعتمد أساسا على إمكانات قوة دفاع جوي جيدة، وأنها تحت ستار المظلة الجوية تحتفظ بجيش بري قليل العدد نسبيا مع نظام جيد لاستدعاء الاحتياطي تستطيع معه أن تحشد عددا مناسبا يعمل في حماية المظلة الجوية الممتازة.
وبدقة الخبير العسكري كان رياض يقول: إن أهم ما يجب أن تواجه به إسرائيل هو عمل يشل نظامها الدفاعي الجوي، مع ضرب مراكز حشد الاحتياطي، ومع التداخل الإلكتروني.
ويمكن القول إنه لولا أن هذه الفكرة أصبحت من الثوابت عند مخططي حرب أكتوبر 1973 ما أمكن للنصر في هذه الحرب أن يتحقق. فقد كان الاهتمام بالقوة الرابعة والتعويل عليها من أهم العناصر المبكرة في انتصار أكتوبر 1973.
ومع أن للدفاع الجوي آليات متعددة تشمل الاشتباك بالطائرات وتوجيه الصواريخ والمدفعية، فإن رياض كان واعيًا بعمق لدور كل آلية في الوقت المناسب.
وفي هذا الإطار فقد ظل الشهيد عبد المنعم رياض ينبه إلى أهمية المدفعية المضادة للطائرات، وكان يقول: «إن المدفعية لم تفقد فعاليتها رغم ظهور الصواريخ».
ومن مفارقات القدر أن المدفعية نفسها ضربت مثلا عمليا على صدق عبد المنعم رياض حين أصابته شظاياها فأصبح شهيدا في لحظة خاطفة، وصدق فيها قول المثل «آمن بها فقتلته».
وقد أثبتت معارك حرب أكتوبر ومن قبلها حرب الاستنزاف مدى ما لا يزال ممكنًا للمدفعية أن تحققه في أية مواجهة عسكرية.
وقد كان من الطبيعي أن يكون لرياض رأي مبكر ومعلن بوضوح (ومختلف عما هو شائع) في دور الأسلحة المختلفة في صياغة عناصر الاستراتيجية الحربية العربية.
وهنا نأتي إلى العامل العاشر المتعلق بأهمية ضربة الطيران السريعة وإيمانه العميق بها.
كان عبد المنعم رياض يؤمن بالأهمية القصوى للطيران، وكان يقول للذين يحدثهم: «إذا أرادت إسرائيل أن تضرب فبالطيران قبل غيره، وإذا أردنا ضربها فبالطيران، وحرب الطيران هي حرب السرعة الخاطفة، حرب الأيام المعدودة على أصابع اليد الواحدة وبعدها النصر أو الهزيمة».
وكأنما كان رياض يستشرف في هذا ما استطاعت قواتنا المسلحة أن تحققه في حرب الساعات الست في أكتوبر سنة ثلاث وسبعين (1973) بفضل سلاح طيران قوي جيد التدريب.وفي أثناء معركة الأردن في يونيو 1967 كان رياض، وهو في مركز المسئولية بالقيادة المتقدمة بالأردن، يتمنى (بمرارة وأسف) لو أن القيادة الجوية المرجوة والتي كان قد اقترحها كانت قد شكلت فعلا.وكان رياض يكرر أنه: «لا معركة بدون دفاع جوي، ودعم جوي كاف».وصدق رياض، وقد كتب هو نفسه بعد ذلك عن معركة الأردن في يونيو 1967: «لو أمّن للوحدات الأردنية أقل قدر من الغطاء الجوي لأخذت المعركة شكلا آخر».
وننتقل إلى مجموعة ثالثة من العوامل الاستراتيجية المرتبطة برؤية رياض لدور الإنسان (ولا نقول الفرد) في صياغة انتصارات الحروب وملامحها، وقد ركز رياض في هذا الصدد على عدد من الأمور التقليدية مع مقاربة عصرية لها.
فقد كان كثير العناية بالتعويل على الدور الذي تلعبه الروح المعنوية، وهو العامل الحادي عشر، فقد كانت روحنا المعنوية قد تأثرت في ذلك الوقت إلى أقصى حد بسبب الدعاية الزاعقة والزائفة للجندي الإسرائيلي، وهي دعاية كان يشارك فيها العرب أنفسهم (بطريقة غير مباشرة) في ظل ما خبروه وما عانوه من الانسحاب الذي أعقب هزيمة 1967.
كان عبد المنعم رياض من الذين أدركوا مبكرا أهمية بث الثقة في نفوس المقاتلين العرب، وأهمية وضع الجندي الإسرائيلي في مكانه الصحيح بعيدا عن حالات التفوق التي صُور بها، وفي مواجهة مبالغات متكررة عن كفاءة الجندي الإسرائيلي.
ويتمثل العامل الثاني عشر من العوامل المكونة لفكر عبد المنعم رياض في إيمانه بضرورة رفع مستوى القوي البشرية، وهو عامل لم ينتبه إليه غيره من القادة بالقدر نفسه، ومن الحق أن نقول أن إنجازاته في هذا الميدان تمثل طفرة.
كان الشهيد عبد المنعم رياض يؤمن بأن رفعة مستوى الأفراد وقدراتهم التكتيكية أمر لا يمكن التفريط فيه، وقد ذكرنا دوره في استصدار قرار بتجنيد المؤهلات العليا والاعتماد عليهم تماما. وقد كان هذا الاتجاه في رأيي، وكما كررت كثيرًا، من أهم الأسباب البارزة في تحقيق نصر أكتوبر 1973.
مضى عبد المنعم رياض خطوات واسعة في فكرة تجنيد حملة المؤهلات العليا، إيمانا منه بالمستوى الذي لا بد أن يكون عليه الجنود الذين سيحاربون بأحدث ما وصل إليه العلم من تكنولوجيا لا بد أن تكون لهم القدرة على استيعابها.
وقد أثبتت معارك الاستنزاف ثم حرب أكتوبر عام 1973 بعد نظر شهيدنا العظيم صاحب الأفكار الثاقبة.
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فإن عبد المنعم رياض كان معارضا على الدوام وناقدا لفكرة التجنيد بواسطة القرعة، وقد أثر عنه أنه قال إن هذه القرعة تصلح لأوراق اليانصيب، لكنها لا تصلح بالمرة كوسيلة علمية للتجنيد.
كما أنه هو الذي جاهر بأن الجندي المتعلم يستخدم سلاحه استخداما فنيا صحيحا، ويكون قادر على صيانته والتوحد معه، وكان يقول إن الجندي المؤهل لا يستغرق تدريبه أكثر من ربع المدة اللازمة لتدريب غير المتعلمين.
وكان رياض يكرر القول بأن الاعتماد على المؤهلين يمثل أهم عنصر في خدمة الاستراتيجية المصرية في تكوين جيش قوي عالي الكفاءة في أقل وقت ممكن.
وقد روى رياض أنه قرأ مرة في أعقاب الهزيمة مباشرة مقالا في مجلة «تايم» الأمريكية يتحدث في فخر وصلف عن أن العسكرية الإسرائيلية تباهي بأن نسبة قتلاها في الحرب بين الضباط والجنود تجاوزت بكثير النسبة العالمية، فالنسبة العالمية ضابط قتيل لكل 300 جندي، وإسرائيل تدعي أن نسبة قتلاها في حرب يونيو 1967 جاءت ضابطا واحدًا لكل 15 جنديا (بما يعني أن الضباط كانوا في الصفوف الأمامية).
وفي مؤتمر عسكري عقد يوم 26 يونيو 1967 قال الفريق عبد المنعم رياض ما نصه: «إن شاء الله الحرب القادمة سوف تكون نسبتنا 1: 10 على الأقل، وعلينا في تخطيطنا لتنمية روح القتال بين القوات أن نضع ذلك هدفا، ولو أني لا أثق لحظة في أن إسرائيل قد أعلنت النسبة الصحيحة».
على هذا النحو كان رياض، ورياض وحده بين أقرانه، يتعامل بلغة الأرقام والمعدلات في زمن كان لا يزال يعتمد ويعول على انتصار الإرادة ببقاء الزعيم، وما إلى ذلك من الترهات التي كانت كفيلة تكرار ورود الأمة موارد التهلكة مرة بعد أخرى.
ومن الحق هنا أن نستطرد فنقول إن قواتنا المسلحة بعد هزيمة 1967 استطاعت أن تقف على قدميها معبرة عن أصالة معدن الشعب المصري وقدرته على الصمود.
وقد أتاح الله لعبد المنعم رياض أن يرى بعينيه قبل استشهاده أربعة أمثلة حية لبطولة الجندي المصري وجسارته، فلم يلق ربه إلا وقد قرت عينيه بتباشير النصر والتفوق العسكري المصري.
وننتقل إلى مجموعة العوامل التي يفضل غيرنا أن يبدأ بها وهي العوامل المرتبطة بالقيادة.
ويتمثل العامل الثالث عشر في عقيدة رياض في أن القادة يُصنعون ولكنهم لا ينفردون بصنع القرار.
كان عبد المنعم رياض لا يفتأ يعبر عن رأيه الأصيل في أن القادة لا يولدون، ولكنهم يُصنعون، يصنعهم العلم، والتجربة، والفرصة، والثقة.وكان رياض مع هذا من أشد المؤمنين بضرورة إشراك رجال الصفوف الثانية والثالثة في القرار، وهو خلق عسكري رفيع لا يتأتى لكل القادة أن يخرجوا به إلى حيز التنفيذ، ولكن مقدرة عبد المنعم رياض على الإقناع وقابليته للاقتناع وتغلغل أخلاق العلماء فيه، وتقديره للحق وللحقيقة، كل أولئك ساعده على أن يتخلق بهذا الخلق الرفيع.
وحين أدخلت الصواريخ المضادة للطائرات إلى مصر لأول مرة اقترح الفريق محمد علي فهمي، وكان يومها رئيسًا للجنة المختصة أن تتم دراسة هذه الصواريخ على مستوى القادة أولا، ولكن رياض عدّل هذه الفكرة وأصر على دراسة الصواريخ من البداية دراسة كاملة على أصغر المستويات.
ويتمثل العامل الرابع عشر في إيمان عبد المنعم بضرورة تجديد دماء القادة في جميع المستويات العليا.
وحين عين هو نفسه رئيسًا للأركان في يونيو (1967)، اقترح على الرئيس جمال عبد الناصر أن تكون فترة شغل منصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية محددة بأربع سنوات، عملا على تجديد وإحلال القيادات الشابة والخبرات الحديثة في مواقع المسئولة أولا بأول.
وقد اقتنع الرئيس عبد الناصر بوجهة نظر شهيدنا فأصدر قرارا جمهوريا يحدد فترة تولي منصب رئيس الأركان بأربع سنوات قابلة للتجديد سنة أخرى بقرار جمهوري.
ولكن عبد المنعم رياض لم يكمل في رئاسة الأركان إلا أقل من سنتين.
أما العامل الخامس عشر فكان حرصه على تحقيق أعلى درجات التوافق بين المركزية واللامركزية في القيادة المصرية والعربية على حد سواء.
من الجدير بالذكر أن هذه الدعوة إلى مركزية التخطيط والقيادة لم تكن دافعا لشهيدنا إلى تركيز القيادة في يده في أي وقت من الأوقات، فقد كان رياض من أول الداعين إلى اللامركزية في القيادة، وأن يترك لكل مرءوس من مساعديه مجالًا كافيا لحرية التصرف.
وعلى سبيل المثال فإنه بالإضافة إلى اقتراح عبد المنعم رياض إنشاء مجموعات عمل جوية «تتولي قيادة القوات للأقطار العربية الثلاثة سوريا والعراق والأردن»، فقد طالب في تلك الأيام بحكم اطلاعه على بواطن الأمور، واستشرافه للمستقبل بالإسراع في شراء المقاتلات للأردن، وألح في وضع خطة تدريب للطيارين والفنيين للعمل على هذه المقاتلات. كما طلب التصريح للقوات العراقية والسورية التي تمركزت في أرضها قبل يونيو 1967 بدخول أرض المعركة. ولعل عبد المنعم رياض حين كان يقترح مثل هذه الاقتراحات كان يؤمل ألا ترى مصر يومًا من الأيام التي شهدها العالم العربي في يونيو 1967
أما العامل السادس عشر فكان هو تعويله على ضرورة تميز القادة ومن يختار لها، وإيمانه بأن القائد بالقدرة لا بالسلطة.
كان عبد المنعم رياض يرى أن القائد هو الذي يملك إصدار القرار وليس الذي يملك مجرد سلطة إصدار القرار، وكان يرى أن أهم عامل في نجاح القائد هو المقدرة على إصدار القرار في التوقيت السليم، وكان يضرب لذلك مثلًا بمعركة 1967 وكان رياض يذهب إلى أبعد من هذا فيقرر أن قرارا سليما بنسبة ستين في المائة يتخذ في الوقت المناسب خير من قرار سليم مائة في المائة يجيء بعد الوقت المناسب بخمس دقائق ليصبح بغير فائدة على الإطلاق!
أما العامل السابع عشر فكان إيمانه بضرورة أن تمتلك قواتنا وقراراتنا مزية الاندفاع الكافي إلى أهدافها، وأن نمارس هذا الاندفاع بالفعل. كان رياض يؤمن بأن القائد لا بد أن يكون مندفعا بالحد الكافي إلى الأمام بحيث يمكنه أن يشم رائحة المعركة، لهذا السبب وبهذا الإيمان فإن عبد المنعم رياض لم يتولَ قيادة معركته الأخيرة من موقع محصن، رغم أن هذا حقه، ولكنه قادها من الموقع المتقدم، ولم يحسب رياض حساب أنه قد يستشهد.
ونأتي أخيرًا إلى العامل الثامن عشر وهو إيمانه العميق بالبناء على تكامل عناصر القوات المسلحة.
كان عبد المنعم رياض يؤمن بالأهمية القصوى لاندماج مختلف عناصر القوات المسلحة بعضها ببعض، وكان يعتبر أن أقل جزء في جهاز الحرب يمثل أهمية تعادل في نظره الأهمية التي يمثلها أكبر أجزاء هذا الجهاز، فلكل واجبه الذي يكمل القيادة.
وكان على سبيل المثال على اقتناع شديد بأهمية الشئون الإدارية، وقد أثر عنه في القوات المسلحة قوله في لقاء له مع مجموعة جديدة من الأطباء العسكريين: «على عاتق الجندي تقوم الحرب، ولذلك فإن مكانك كطبيب هو دائمًا بجانب هذا الجندي.. في موقع الدفاع أو عند الهجوم.. إن عملك الوحيد هو صحة هذا الجندي وسلامته».
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
