عملية شرق الفرات.. انتصار عنوانه أردوغان

بعد مباحثات استمرت أربع ساعات وعشرين دقيقة خرج كل من وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو ونائب الرئيس الأمريكي مايك بنس، في مؤتمرين صحفيين منفصلين، ليعلنا وقفا لإطلاق النار شرقي الفرات، أو ما سمته أنقرة تعليقا لإطلاق النار، وفق اتفاقية جاءت بنودها لتحقق ما كانت تريده تركيا من وراء تحريك آلتها العسكرية، الأمر الذي اعتبر بمثابة انتصارا للعسكرية والدبلوماسية التركية على حد سواء.
كل من شاهد المؤتمر الصحفي لنائب الرئيس الأمريكي والذي كان برفقته وزير الخارجية مايك بومبيو، رأي الإجهاد والوجوم واضحين على وجهه، ربما في انعكاس للجهد التفاوضي الذي بذله المسؤول الأمريكي وفريقه المفاوض في محاولة لثني أنقرة عن فكرة مواصلة العملية العسكرية، لكن تركيا التي تمكنت من إدارة التفاوض بطريقة جيدة معتمدة على ما حققته على الأرض من تقدم عسكري في مدة لا تتجاوز عشرة أيام، حققت الأهداف التي وضعتها من وراء العملية العسكرية.
للمرة الثالثة في غضون ثلاث سنوات تتجاوز الآليات العسكرية التركية حدود الأناضول إلى الشمال السوري لتنفيذ عمليات حماية لأمنها القومي، ففي المرة الأولى امتدت المعركة من جرابلس إلى الباب حيث نفوذ تنظيم داعش، وفي الثانية تحركت فورا صوب مدينة عفرين بريف حلب للقضاء على وجود الميليشيات الكردية الانفصالية.
أما الثالثة فقد كانت مهمتها أكبر وأشد اتساعا فمنطقة العمليات المستهدفة تمتد من مدينة منبج غرب نهر الفرات إلى المالكية على الحدود السورية العراقية شرقا بمسافة تتجاوز ٤٠٠ كم وبعمق من ٣٠ إلى ٣٥ كلم، لذا حشدت أنقرة قرابة ثمانين ألف جندي إضافة إلى قوات الجيش السوري الوطني المعارض، كما دفعت تركيا بقوات النخبة المعروفة بـ “بوردو بيريللي” والتي كانت مؤشرا على عمليات قتال متوقعة داخل المدن.
العملية العسكرية لم تكن وليدة اللحظة بل جرى الإعداد والتخطيط لها – وفق تصريحات لمسؤولين أتراك – منذ قرابة عدة سنوات، وجاءت متسقة مع التكتيك الذي اتبعته تركيا في العميلتين السابقتين، من حيث محدودية الغارات الجوية تجنبا لسقوط قتلى من المدنيين، ومنعا لنشر حالة واسعة من الدمار، مع قطع خطوط الإمداد، وترك المجال مفتوحا لخروج المدنيين من المدن والبلدات المحاصرة ريثما تنتهي المعارك ويعودون.
أثبت الجيش التركي كفاءة عالية في إدارة المعارك أرضا وجوا وتمكن خلال عشرة أيام من السيطرة على مدينة تل أبيض ومعظم مدينة رأس العين والوصول إلى الطريق الدولي المعروف باسم “M4″؛ أي تمكن خلال هذه المدة الوجيزة من الوصول إلى عمق حوالي ٣٠ كلم داخل الشمال السوري، الأمر الذي شكل مفاجأة كبيرة لواشنطن التي كانت تنتظر إطالة أمد القتال واستنزاف القوات التركية، وغرس أقدامها في “المستنقع السوري” إذ كشفت تقارير صحفية أمريكية أن ميليشيات الحماية الكردية “YPG” تلقت تدريبات مكثفة من خبراء أمريكان خلال السنوات الماضية لكيفية مواجهة القوات التركية، يؤيد ذلك أن ترامب عرض خلال الساعات الأولى من سير المعارك التوسط بين تركيا وتلك الميليشيات الأمر الذي رفضته تركيا بشده، ثم سرعان ما بدل رأيه – خلال أيام قليلة – وطالب وحدات الحماية بالانسحاب لأنها لن تستطيع الصمود أمام القوات التركية، حسب قوله.
الإنجاز العسكري خلال عشرة أيام فقط يفسر حالة الهستيريا الأوربية والأمريكية على حد سواء خلال الأيام، إذ أدركت العواصم الكبرى أن المشروع الانفصالي شمالي سوريا الذي تم إعداده وبناؤه خلال أعوام سيتم تدميره بالكامل وأن الشريط الحدودي الممتد من إدلب غربا إلى الحسكة شرقا سيكون كاملا تحت سيطرة الجيش التركي.
عقب انتهاء المفاوضات الماراثونية التي أجراها الوفد الأمريكي في أنقرة يوم الخميس 17 أكتوبر، أكد وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو أن ما تحقق من انتصار دبلوماسي لم يكن ليحدث لولا القيادة الحازمة للرئيس أردوغان.
فقد استبق أردوغان مجيء الوفد الأمريكي بإعلان رفضه لقاء نائب الرئيس الأمريكي، مايك بنس، أو وزير الخارجية مايك بومبيو، وكرر رفضه وقف القتال إلا إذا أعلنت الميليشيات الانفصالية انسحابها إلى عمق لا يقل عن ٣٠ كلم.
قبل أن تعود الرئاسة التركية وتعلن أن أردوغان سيلتقي بنس والوفد المرافق له. جولة مفاوضات لم تتوقعها واشنطن إذ استمر اللقاء المغلق بين أردوغان وبنس قرابة ثمانين دقيقة بعد أن كان مقررا له عشر دقائق فقط، قبل أن يتحول إلى اجتماع مفتوح بين الوفدين استمر أكثر من أربع ساعات ليتمخض عن اتفاق بين الطرفين أكدا فيه “على ضرورة استهداف العناصر الإرهابية ومخابئها وتحصيناتها ومواقعها وأسلحتها وآلياتها ومعداتها فقط“.
وشدّد على أن “الجانب التركي يتعهد بحماية جميع السكان في المنطقة الآمنة التي تسيطر عليها القوات التركية”، كما شددت أنقرة على أنها ستولي “أقصى درجات الاهتمام لتجنب الإضرار بالمدنيين والبنية التحتية“. وأضاف الاتفاق أن “كلا الجانبين متفقان على استمرار أهمية وفعالية إنشاء منطقة آمنة لضمان القضاء على المخاوف الأمنية القومية لتركيا بما في ذلك سحب الأسلحة الثقيلة من “واي بي جي” وتدمير جميع تحصيناته“، وأفاد بأن “المنطقة الآمنة ستكون تحت سيطرة القوات المسلحة التركية”، كما نص الاتفاق على تعليق “وليس وقف” العمليات العسكرية لمدة 120 ساعة لسحب الميليشيات الانفصالية عناصرها إلى عمق 20 ميلا ” حوالي 32 كلم”.
هذه البنود تمثل في الحقيقة الأهداف التركية التي وضعتها تركيا للعملية العسكرية “نبع السلام” ما يعني أن أنقرة حصلت على كل ما تريده خلال عشرة أيام فقط وبأدنى قدر من الخسائر البشرية، الأمر الذي حدا بكبرى الصحف ووسائل الإعلام الأمريكية مثل: وول ستريت جورنال وواشنطن وبوست ونيويورك تايمز وسي إن إن، وغيرها على القول بأن تركيا “حصلت على كل شيء أرادته”، وأعلنت رئيس مجلس النواب نانسي بيلوسي أن الاتفاق يمثل انتصارا لتركيا، أما العواصم الأوربية فلم يختلف الأمر إذا اعتبرت أن الاتفاق يعد نصرا لتركيا وأردوغان، واعتبر رئيس المجلس الأوربي، دونالد توسك أن الاتفاق: “ليس وقفا للنار في الحقيقة بل هو طلب استسلام من الأكراد” أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي هاجم العملية العسكرية بـ “وقاحة” غير معهودة فقد سارع وأعلن عن اجتماع رباعي سيجمعه والمستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، ورئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، مع الرئيس رجب طيب أردوغان أي أن القارة العجوز ممثلة في أكبر ثلاث دول فيها ستجلس للتفاوض مع أردوغان للوصول إلى حل سواء خاصة فيما يتعلق بملفي اللاجئين والوضع في شمال سوريا، هذا الاجتماع المرتقب سيتزامن مع اجتماع مرتقب لأردوغان مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين للتفاوض حول مدينتي منبج وعين العرب ووجود قوات النظام السوري، أما اللقاء الثالث المرتقب فموعده الشهر المقبل في واشنطن مع نظيره الأمريكي، دونالد ترمب.
التحركات الدبلوماسية التي تأتي إثر التحرك العسكري، تعني أننا أمام إعادة تشكيل للتوازنات الإقليمية والدولية، وربما إعادة بناء لجغرافيا الشرق الأوسط الذي تتداعى وحداته السياسية بسرعة غريبة تحت وطأة الثورات الشعبية المتعاقبة.
ولكن يبقى السؤال المهم ماذا لو لم تنفذ الولايات المتحدة تعهداتها بسحب الميليشيات الانفصالية؟ هذا السؤال ربما يشغل الآن مساحة كبيرة من النقاشات، لكن الأمر لم يكن غائبا عن ذهن المفاوض التركي، لذلك أصر أردوغان على وضع مدة زمنية محددة أرادها في البداية حوالي يومين لكنها وصلت في النهاية إلى خمسة أيام “120 ساعة”، كما أن وزير الخارجية مولود تشاوش أوغلو أعلن في المؤتمر الصحفي الذي أعقب جلسة المفاوضات على أن ما تم الاتفاق عليه هو “تعليق” وليس “وقفا” لإطلاق النار.
أردوغان من جهته وفي أحدث تصريحاته الصحفية شدد على أنه بمجرد انتهاء المهلة الزمنية دون حدوث انسحاب “لم يحدث أي تقدم حتى كتابة هذه السطور” ستستأنف تركيا العملية العسكرية بكل حزم، وتشير بعض التقديرات العسكرية إلى أنه ربما نكون على موعد مع اجتياح تركي كبير للشمال السوري.
ومهما تكن التفاصيل الدقيقة التي ستسفر عنها الساعات المقبلة، فإن النتيجة الماثلة أمام العيان أن تركيا فرضت نفسها بقوة لاعبا رئيسيا في المنطقة، بقوة السلاح والدبلوماسية، وأن أردوغان عندما أعلن قبل عام أو عامين أنه لن تجري أي ترتيبات في سوريا بدون حضور أنقرة لم يكن مازحا يومها. وأن الجامعة العربية التي تعيش أيامها الأخيرة، ستبقى على رصيف الأحداث تتابع فقط ما يحدث إلى أن يحين موعد إعلان وفاتها!!!
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
