الثورة وشعب الجيش

الاتهامات متبادلة بين مجموعة المدنيين ومجموعة الإسلاميين بأن كل مجموعة تآمرت مع العسكر على المجموعة الأخرى، لنحاول استكشاف هذا الأمر تاريخيا.

 

دعونا نتحدث بصراحة من دون انفعالات، فالصراحة وإن كانت مؤلمة إلا أنها في النهاية راحة.

الأزمة ليست في معسكر الحكم الفاشي فقط ولكن أيضا في ارتباك الرؤية داخل معسكر الشعب نخبا ومواطنين.

السائد والشائع على الساحة السياسية المصرية هو النزاع بين القوى المدنية وفي مقدمتها الشيوعيون وبين القوى الإسلامية وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، وهو صراع فرضه منهج القدماء في المجموعتين، وبقي سائدا في ظل الحالة المصرية العامة والتي لم تعط فرصة للشباب للقيادة والتجديد؛ فأصبحت مصر حكومة ومعارضة دولة الجيل الواحد الجاثم على أنفاس الأجيال التي تبعته فلم يتحقق وجودها ولم تتطور الأفكار التي شاخت فأفرزت مجتمع به كل أمراض الشيخوخة الفكرية والعقائدية وكلها أمراض معرقلة للديمقراطية والتطور، ولهذا نجد الشباب في كل المجموعات غير متفاعل مع هذا الصراع بين المجموعتين الإسلامية والمدنية، بل إن هناك ملامح لممرات التقاء بين الأجيال الجديدة تبشر بخير وبوادر تغيير مجتمعي حقيقي يعيد للوطن شبابه.

دعونا من المقدمات لندخل في الموضوع.

الاتهامات متبادلة بين مجموعة المدنيين ومجموعة الإسلاميين بأن كل مجموعة تآمرت مع العسكر على المجموعة الأخرى، لنحاول استكشاف هذا الأمر تاريخيا.

الإخوان وخطاب المصلحة

سيناريو العلاقة غير السوية بين الحكم العسكري وبين النخب السياسية في مصر لها شكل غريب فالعلاقة بينهما لا تضعف ولا تتطور لتنتقل لمرحلة أخرى، رغم ما تلاقيه هذه النخب من إعراض وتجاهل وأحيانا اضطهاد من الحكم الفاشي.

قادة الإخوان طوال فترة مبارك رغم أنهم اقتحموا بالجماعة مجال العمل العام من خلال المؤسسات النقابية ومجلس الشعب، فإنهم  كانوا طوال الوقت يحملون لجام التوزان مع الحكومة، فكان لا بد من مواقف تظهر فيها مشاهد تشير إلى توزان موقف الجماعة وحسن نيتها للنظام، وحرصها على تقديم صمام أمان للحكم، وبالطبع لم يكن هناك أفضل من مشاهد التميز عن قوى المعارضة في الشارع وخاصة اليسارية، ومواجهتها إذا تعرضت للنظام بشكل مباشر، فكان الموقف والمشاهد المتناقضة للجماعة، التي تحصنت بشعار فضفاض عام: «الإسلام هو الحل». والأمثلة كثيرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، موقفهم من المظاهرات الشبابية التي كسرت السقف المفروض من المعارضة الكرتونية سواء يسارية أو إخوانية وخرجوا يهتفون ضد وجود النظام والرئيس مبارك بشكل مباشر، حيث كانت عناصر الجماعة تهاجم المتظاهرين الرافعين لشعارات ضد مبارك وتعتدي عليهم، وطوال الوقت كانت عناصر الجماعة تسعى لخلق قنوات اتصال مع الدولة متخيلة أنها تستطيع أن تخترق النظام، فكانت النتيجة العكس.

اليسار المرتبك

ولم تكن قيادة اليسار المصري المسمى باليسار الشرعي مختلفة كثيرا عن قيادة جماعة الإخوان، وباختصار قبل مناقشة موقف اليسار أوضح أن اليسار المصري انقسم إلى موقفين منذ إعلان السادات عن حق تكوين الأحزاب في مصر عام 1976، وفي إجراء غير مسبوق سمى بنفسه ثلاثة أحزاب يمثلون الحكومة والمعارضة بل إنه سمى رؤساءها أو على الأدق قام بتعيينهم، وكانت خطوة تحمل نية واضحة وهي استيعاب حركة المعارضة داخل أحزاب رسمية تحت هيمنة الدولة وخاصة اليسار الذي كان يؤرق السادات كثيرا.
ولكن هذا لم يحدث سريعا بالنسبة لليسار نتيجة مقاومة بعض اليساريين الجذريين لهذا المخطط، الذي انتصر في النهاية واكتملت معالمه فترة حكم حسني مبارك، وتم استقطاب بعض عناصر اليسار الجذرية واستيعابها داخل التشكيل اليساري الرسمي الممثل في حزب التجمع الوطني الوحدوي بقيادة خالد محيي الدين وسيطرة رفعت السعيد، الذي كان العقل المخطط والمنفذ والقائد لتدجين حركة اليسار ووضعها تحت هيمنة السلطة العسكرية بمسميات مختلفة مثل المعارضة البناءة أو اليسار الشرعي، أما باقي اليسار الجذري فتم عزله، وكل ذلك تم بنظرية سيف المعز وذهبه، وهو أيضا ما يفسر الاضطهاد الشديد لشباب اليسار الجذري في ذلك الوقت وعداء قيادات اليسار الرسمي لها.

وبالطريقة نفسها التي لجأ إليها قادة الإخوان في ترطيب علاقتهم بالسلطة الحاكمة اتجه اليسار إلى تصديه لحركة الإخوان بشكل مبالغ فيه إرضاء للسلطة حتى إن قائدهم آنذاك ابتدع نظرية ركيكة مفادها «الإخوان يريدون قتلنا والسلطة تسرقنا، أولى بي أن التفت لمن يريد قتلي ولو بالتحالف مع من يريد سرقتي!»، ولم يكن مشهد عداء الإخوان هو المشهد الوحيد لدى اليسار الرسمي ليثبت ولاءه للنظام الحاكم، بل كانت هناك مشاهد ومواقف عديدة قام بدوره فيها اليسار الرسمي ضد شباب اليسار الجذري الذي عانى الأمرين في ذلك الوقت.

إذن كانت معظم المعارضة المدنية في مصر تحت قيادة عواجيز السياسة برؤاهم الانتهازية التي شوهت الحياة السياسية سنوات طويلة، ولم تجن عليهم هم ذاتهم العائد الذي كانوا يسعون إليه وهو المشاركة في الحكم، واكتفت السلطة بإلقاء الفتات لهم، أما المعارضة الجذرية الممثلة في شباب اليسار وشباب الإخوان فظلت حبيسة مؤامرة التحالف بين السلطة الفاشية وقيادات المعارضة الانتهازية.

كما أن هذا التحالف بين المعارضة الرسمية والسلطة لمواجهة الإرهاب والعنف (والمشكوك أصلاً في مصدره) قد شكل مناخاً مثالياً للسلطة وحكوماتها المتعاقبة لتمرير كل سياستها الاقتصادية التي أدت إلى إفقار الشعب المصري وتمركز سلطة المال وانتشار الفساد بشكل غير مسبوق في تاريخ مصر، كل ذلك تحت شعار حماية الوطن من الخطر، هذا الشعار الذي تعانقت فوقه الحكومة والمعارضة الرسمية في مشاهد شديدة الوفاق والعاطفية، بينما دفع غالبية الشعب المصرى ثمن هذه الحالة العاطفية والتحالفات التي تجاوزت نتائجها حد الإفساد للحياة السياسية في مصر إلى حد إفساد الحياة كلها، إلى أن انفجرت ثورة الشباب والجذريين عام 2011 بفعل الضرورة والحتمية، وللأسف سقطت في براثن المخطط نفسه مرة أخرى. ولكن قبل الكشف عن هذا أسأل: هل كان موقف هذه النخب الانتهازية مرتبطا بفترة حكم مبارك، أم له جذور تاريخية؟

اللهاث وراء العسكر

بدأت حركة الجيش المسماة بالحركة المباركة عام 1952 وهي وثيقة الصلة بالمعارضة المدنية التي كان لها طوال الوقت وجود فعال في الشارع المصري سواء كانت إسلامية أو يسارية أو ليبرالية، ورغم ذلك فالمتتبع لتاريخ هذه الحركات والتشكيلات السياسية، يجد أنها لم تصل لمرحلة الثقة في نفسها أبدأ لكي تشارك في حكم البلاد رغم قوتها وسيطرتها، فهى امتداد لحال الجدود المصريين الذين ضربوا أروع الأمثال في التصدي للغازي الفرنسي وطردوه من البلاد عام 1801 بعد تضحيات عظيمة، وعقب الانتصار بايعوا بإرادتهم حاكما أجنبيا ليحكمهم.
ويبدو أن العلة نفسها انتقلت لعلاقة الشعب والقوى المدنية بالعسكر، فلا يستطيع أحد أن ينكر لهث كل القوى المدنية إخوان وشيوعيين وراء الجيش ومباركة وجوده واستمراره في الحكم، حتى انقلب عليهم وغدر بهم، فانتقلوا مضطرين إلى شعارات رفض حكم العسكر بفعل الاضطهاد الذي لقوه وليس عن قناعة، بدليل أنهم ظلوا على حالهم حتى عام 2011 يعارضون ولا يحكمون، ويسعون لرضاء الحاكم والقوى العسكرية باعتبارها القوى الوحيدة المؤهلة للحكم لعدم وجود من ينافسهم في الحكم.
 وحتى عندما فُرضت عليهم المنافسة بفعل الحركة الثورية الشبابية عام 2011 ووصلت جماعة الإخوان للحكم عام 2012 لم يستطيعوا الحفاظ على الحكم ولم تتحمل وجودهم القوى المدنية الأخرى، وهذا طبيعي مع قوى سياسية لم يكن لديها في تكوينها أي اقتناع بقدرة الشعب على حكم نفسه، وحتى في ظل ثورة الشباب 2011 وغضبه لم يسعوا لتمكين الشباب وهو القوة الوحيدة الواثقة في نفسها وتصلح للحكم، ولم يستندوا في سعيهم للحكم على الإرادة الشعبية، بل هرولوا جميعا للاستعانة بالعسكر لتمكينهم من الحكم بمباركتهم، وكانت المؤامرة الكبرى التي بدأت بإقرار تمكين الإخوان من الحكم صوريا لحين الإطاحة بحركة الشباب الثورية ثم تأليب الحركة المدنية على الإخوان، ثم إطاحة الإخوان وبعدها الحركة المدنية وبعدها فرض القبضة الحديدية العسكرية على الوطن كله.

خاب من تجاهل الشعب

في الثورتين الفرنسية والروسية، كانت هناك علاقة بين تشكيلات الثورتين والجيش، ولكنها كلها كانت تحت هيمنة وسيطرة قيادة الثورة المدنية المعبرة عن إرادة الشعب، ولهذا قامت كل من الثورتين مستندة على دعم ومبايعة الشعب فنجحتا، ولو كانت أي منهما استندت إلى دعم وتأييد الجيش وحدة لأطاح بها الجيش واستولى على الحكم، فالشعب هو الضامن الوحيد لنجاح الثورة لأنه صاحب المصلحة الحقيقية فيها، أما المؤامرات بين الساسة والعسكر والمناورات، فنهايتها دائما الحكم العسكري الفاشي، وتبقى الشعوب المسكينة ترزح تحت وطأة الألم والجوع والمرض والاضطهاد من الحكم الفاشي وهم يهتفون بكلمات بلا أصوات «يسقط حكم العسكر»، لا أدعو لليأس ولكني أؤكد أن الحل في فكر ثوري جديدة ينتجه الشباب من معاناته التي تسبب فيها جيل جثم على أرض الوطن وخنقه وخنق الأجيال التي توالت منذ مئات الأعوام.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان