قيس سعيد .. محبوب العرب

العرب الحالمون بالحرية والديمقراطية سعداء بهذا الرجل؛ قيس سعيد، الأكاديمي في القانون الدستوري، القادم من المجهول السياسي والإعلامي، والفائز برئاسة تونس، ليتربع على عرش قلوبهم.
العرب المتشوقون للانتخابات التنافسية الحرة التي تفرز من يختاره الشعب، دون وصاية عليه، أو تقييده في الاختيار، مسرورون بالدكتور قيس، الفائز في سباق القيم الانتخابية والأخلاقية والوطنية الراقية.
العرب الكارهون للاستبداد، والطغيان، وكل أشكال التسلط، المفروض على الشعوب بالقمع الفاحش يعتبرون المحترم “قيس” واحداً من نماذج الندرة في البيئة السياسية العربية المقفرة في إنجاب مثل هؤلاء الرجال، وتأسيس مثل هذه التجارب في الديمقراطية، والتداول السلمي الفعلي للسلطة.
العرب الذين عاشوا بصيصاً من مناخ الحريات والانتخابات الشفافة واحتفلوا بنتائجها غير التقليدية على الساحة العربية المظلمة لفترة من الوقت، ثم انتكبوا، وجدوا في قيس سعيد تعويضاً لهم عن تجربتهم المبتسرة، وتنفيساً عن مراراتهم وانكسارات أحلامهم، فقد نبت في أرض تونس الخصبة رئيس آخر كانوا يتّأملون أن يكون هذا النموذج هو الحاكم المعمم في كل قطر يشهد انتخابات تنتقل بهم من الزيف والخديعة إلى الحقيقة والجدية.
العرب الذين خرجوا للشوارع، واعتصموا في الميادين، وهتفوا برحيل النظم الأمنية القمعية، وسقوط المستبدين المتجبرين، وقالوا بصوت واحد يزلزل الأرض: ارحل، كانوا يريدون رئيساً يختارونه هم، لا أن تختاره مؤسسة قوة، غالباً هي مؤسسة الجيش التي تعتبر أن الحكم في كل بلد عربي حق حصري لها، وقد لا تتنازل عنه حتى لو صوبت مخزونها من القوة للمطالبين بقيامها بدورها العسكري الدفاعي الطبيعي، وترك مؤسسة الشعب صاحبة السيادة العامة تقوم بدورها في اختيار من يحكم ويدير شؤونها، وشؤون المؤسسات، والبلاد.
رغم ذلك، هناك عرب لا يزالون قابعين في مستنقع الرضوخ للاستبداد، والتسلط، فهم لم يعيشوا نهجاً للحكم غيره، وقد استسلموا لكون الحاكم في هذا النوع الفاسد من السلطة يبقى حتى يرحل إلى العالم الآخر، أو عالم النفي، أو أقبية السجون، بعد إطاحته بقوة الدبابة، أو مكر السياسة والخديعة.
هناك انقياد لآفة الديكتاتور المستمرة منذ أزمان قديمة كان لها ظروفها ونمط حكامها وطريقة اختيارهم، هذه الأزمان تم قطع دابرها في العالم الحر، وصارت وظيفة الحاكم هي الخدمة العامة، ثم يرحل، ويعود لصفوف الشعب مواطناً عادياً، لكن هذه الشريحة من الجمهور العربي لا تريد مغادرة الأزمان البائدة الموسومة بالتخلف، وتجفيف العقل، وغياب التفكير التقدمي، والانحناء للقداسات المزيفة، والخرافات المشبعة بتفسيرات عقائدية وعقدية انتهازية.
قلت، إن شرائح واسعة من المصريين احتفت بفوز قيس سعيد. فقال : أين هي هذه الشرائح الواسعة؟
أجبته، ألا يجب أن تجعلك الانتخابات الحرة في حالة فرح بغض النظر هل كانت في تونس، أم أي دولة أخرى في العالم، وبغض النظر عن الفائز بها؟
قال: نعم.
قلت، بهذا لا تكون الشرائح واسعة فقط، بل شديدة الاتساع باعترافك أيها المشتت الوعي بأهمية الاختيار الحر، والمشوش بسحر الحاكم المصنوع بدعاية كاذبة.
هذا حوار مقتضب كاشف عن أن الشخص الخاضع لفكرة الحاكم الفرد مستعد للوقوف في صف الحاكم المنتخب على نمط قيس سعيد، إنما مشكلته في ضعف الوعي والفكر والفهم، فهو نشأ وعاش في مناخ سياسي منغلق لم يُتِح له يوماً الحق في الاختيار الحر، وهو جاهز للعودة للوقوف في طوابير طويلة أمام اللجان في أدب ورقي واتزان انتظاراً للتصويت كما جرى في مصر مثلاً بعد 25 يناير في استحقاقات دستورية وانتخابية جذبت أنظار العالم، وأعادت المصري إلى حقيقته التي سعى الاستبداد لتشويهها، ثم بدأت دورة معاكسة من التشويه العقلي والنفسي والسياسي مجدداً بالعودة إلى ما كان قبل يناير.
تونس الثورة تواصل النجاح بامتياز في اختيار الحكام، وممثلي الشعب، منذ 2011 وحتى 2019، وفقاً للنهج الديمقراطي كما هو في الغرب أبو النظام السياسي الدستوري المؤسسي الحر..
التجربة المبشرة أفرزت الرئيس اليساري المناضل لأجل الحريات والحقوق، وهو المنصف المرزوقي، الذي أثبت إيماناً بأفكاره في الديمقراطية، والحقوق، والتسامح، والانفتاح والتعايش مع الآخر المختلف عنه سياسياً وأيدلوجياً..
وبعده كان اختيار الشعب مختلفاً تماما لرئيس من الطبقة (الدولجية القديمة)، هو الراحل الباجي قائد السبسي، ويُحسب له حفاظه على تونس والديمقراطية والتفاهم الوطني، وعدم انحرافه إلى سلطوية جديدة، مدعوماً بعواصم عربية كارهة للديمقراطية، وعواصم غربية لن تحمي إرادة التوانسة طالما ترغب في تثبيت وتسيير مصالحها عبر الرئيس المستعد لدفع هذه التكلفة..
أثبت السبسي إخلاصاً في احترام مسار بلاده نحو الحكم الديمقراطي، وعدم التعدي على صلاحيات المؤسسات، وهذا سيظل محفوظاً له في تاريخ تونس الحديث وثورتها الناجحة.
وإذا كان المرزوقي والسبسي لهما ذيوع لأنهما منخرطان في العمل العام، فإن قيس سعيد مفاجأة فعلية فهو لم يكن معروفاً شعبياً بشكل كبير سواء على مستوى تونس، أو في الشارع العربي، إلا بعد ترشحه، بل المعرفة الحقيقية والواسعة به تحققت بعد مفاجأة فوزه في الجولة الأولى، وتصدره قائمة طويلة من المرشحين متفوقاً على شخصيات ثقيلة تنتمي لتيارات سياسية منظمة وقوية، ومؤسسات دولة معروفة، ثم يوسع آفاق المعرفة بشخصه وتاريخه وعقله بعد اكتساحه جولة الإعادة أمام المرشح المنافس رجل الأعمال والإعلام نبيل القروي المُحاصر بشبهات فساد، وهو الآخر مفاجأة تونسية، والاثنان تجربة تستحق الدراسة المعمقة.
وأساس الإعجاب هنا يجب أن يتجه إلى الوعي الشعبي التونسي الذي يختار، والذي يدفع في هذه الدورة الانتخابية بالنبيل وطنياً وسياسياً وفكرياً وأخلاقياً قيس سعيد ليكون الفائز في الجولتين. ورسالة التوانسة إلى العالم الحر، وعالم القمع والانغلاق، أننا واعون بما يكفي لنختار مرشحاً بلا حزب، أو دعم من دولة قديمة، أو مؤسسات، أو أموال في خزائنه، ونجعله يتقدم الصفوف ثابت الخطوة والكلمة، وندخله قصر قرطاج بخطابة الوطني والقومي العربي الشفاف الرصين الصريح الحاسم في مواقفه الداخلية والخارجية، حتى في مناهضته للتطبيع مع إسرائيل، ودعمه للحق الفلسطيني والعربي، وهذه القضية خصوصاً تشهد له بالشجاعة والاستقامة السياسية حيث يجبن الحكام العرب عن اتخاذ موقف واضح فيها خوفاً من أمريكا، وإسرائيل، واللوبي اليهودي، والصهيونية العالمية.
فوز قيس سعيد في ظل النسخة الجديدة من الاستبداد العربي الشرس، رداً على تجربة الربيع العربي، ورغبة الشعوب في التحرر من آفة حكم الفرد، ومحاولة المستبدين الجدد دفن هذه الرغبة لعقود طويلة قادمة يقلق منظومة التسلط، ولا يجعلها مرتاحة في حظائرها وأبراجها المنعزلة عما يمور في عقول الشعوب، فهي تتلقى صفعة تونسية، بعد صفعتي الجزائر، والسودان، وهذا يعني أن رسالة الربيع لاتزال حية ومتحركة وقابلة لاستعادة حيويتها برشد هذه المرة، وأحد عناوين ذلك هو الترحيب الشعبي بالدكتور قيس في كل البلدان العربية، حتى المحكومة بالحديد والنار.
الاستبداد العربي مهما حشد من آلات الدعاية، ومهما نوع في جوقات التوجيه، ومهما كثف من موجات التعبئة العامة، ومهما استدعى قصص التخويف والترهيب، ومهما زاد من حديث المؤامرات الداخلية والخارجية، ومهما أطلق من اتهامات التخوين، فإنه بلا ذخيرة شعبية، ولن تكون له شعبية، فهو مولود مشوه، يستحيل شفاؤه، أو أن يكون كائناً طبيعياً..
فقد اهتز كيان الطغيان من فوز رجل كان يتحرك مرشحاً فرداً لأهم منصب في بلاده، وقد آمن به شعبه، وصدقه، واقتنع به، وجعله أيقونه فوق المستبدين، ليقض مضاجعهم، ويقلقهم، ويكون مميزاً وهو يجلس بينهم في اجتماعاتهم حيث سيكون مختلفاً في خطابه السياسي، ومواقفه الوطنية والعربية والدولية المعبرة حقاً عن نبض شعبه، ولغته في التفكير، وأيضاً لغته في النطق الحسن السليم الجميل.
طوال أكثر من سبعين عاماً منذ توالي استقلال العرب عن المحتل الأجنبي، وبدء عهد الحكم الوطني، لم يخرج هذا الحاكم من صندوق شفاف في انتخابات حرة عادلة، إلا عدد قليل، هناك في موريتانيا كان محمد ولد الشيخ عبدالله، أول رئيس منتخب منذ استقلال البلاد، وقضى في الحكم عاماً واحداً وعدة أشهر فقط، (19 أبريل 2007 – 6 أغسطس 2008)، وتم الانقلاب العسكري عليه. وفي مصر، محمد مرسي بعد ثورة يناير، وبقي عاماً واحداً فقط في الحكم (24 يونيو 2012 – 3 يوليو 2013)، وتمت الإطاحة به وعزله.
وفي تونس تتزين سماؤها بثلاثة رؤساء بعد ثورة الياسمين هم: المرزوقي (2011)، السبسي (2014) ، قيس سعيد(2019).
وفي السودان، الصادق المهدي، رئيس الحكومة المنتخب (أبريل 1986- يونيو 1989) الذي أطاح به البشير في انقلاب عسكري، وهو الآخر ذاق من نفس الكأس عندما أطاح به الحراك الثوري والجيش في 11 أبريل الماضي.
وهناك تجارب أخرى لحكم منتخب في بلدان عربية، لكن يشوبها الطائفية والمذهبية الدينية والمحاصصة السياسية، وهي نواقص أساسية في صلب الديمقراطية.
ومقابل هذا العدد المحدود من حكام مختارين بإرادة حرة من شعوبهم، هناك العدد الأكبر الذين امتلكوا السلطة دون الطريق الديمقراطي السلمي، إنما عبر الدبابة، أو الوراثة، أو الانتخابات المزيفة.
أزعم أن كل عربي يحلم برئيس يأتي بإرادة شعبية حرة سيعتبر أن قيس سعيد هو هذا الرئيس، كما أن هذا الشخص الزاهد في السلطان والصولجان، بات في زمن قصير هو الرئيس المحبوب المتربع بصدق على عرش قلوب كل الأحرار العرب.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
