تركيا والاتحاد الأوربي ولعبة شد الحبل

 

يبدو أن لعبة شد الحبل بين تركيا ودول الاتحاد الأوربي، ستظل هي المسيطرة على مشهد العلاقات السياسية بين الجانبين لفترة طويلة قادمة، خصوصا بعد أن قامت أوربا وللمرة الثانية خلال فترة قصيرة بالتصديق على قرار يقضي بفرض عقوبات جديدة على تركيا، بحجة قيامها بالتنقيب عن الغاز في شرق المتوسط قبالة الساحل القبرصي، معتبرة ذلك انتهاكا للمنطقة الاقتصادية القبرصية، وتمثلت العقوبات الأولى في القرار بِوقف بيع الأسلحة الأوربية لتركيا بسبب عملية ” نبع السلام ” التي بدأها الجيش التركي في التاسع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي بمنطقة شرق الفرات لتطهيره من العناصر الكردية المسلحة، التي تهدد الأمن القومي التركي.

فحوى العقوبات الأوربية الجديدة

العقوبات الأوربية الجديدة تستهدف هذه المرة عددا من الشخصيات والكيانات والمؤسسات التي تشارك بصورة أو بأخرى في أنشطة التنقيب هذه، من خلال تجميد الودائع البنكية التي يمكن أن تتواجد داخل بنوك دول الاتحاد، والمنع من السفر والتجوال داخل أراضيه للأسماء التي تتضمنها قائمة قرار العقوبات، إلى جانب من سيتم إضافته لتلك القائمة لاحقا، التي ستركها الاتحاد الأوروبي مفتوحة.

وبغض النظر عن حقيقة أن عملية التنقيب عن الغاز التي تقوم بها تركيا، تتم في المنطقة القارية الخاصة بها، وقبالة السواحل التي تعود الحقوق فيها للقبارصة الاتراك القاطنين في شمال الجزيرة المقسمة منذ العام 1974، التي يتجاهلها الأوربيون تماما منذ 45 عاما كاملة، ولا يعترفون سوى بجزئها الجنوبي فقط الذي يقطنه القبارصة اليونانيين، متجاهلين حق القبارصة الأتراك في العيش على أرض الجزيرة، وفي الاستفادة من ثرواتها.

إلى جانب انها عقوبات رمزية في مجملها، ولا تمس المصالح الفعلية للدولة التركية بأية صورة من الصور، إلا أنها تشير بشكل لا لبس فيه إلى نظرة قادة الاتحاد الأوربي للدولة التركية. فالمسؤولون الأوربيون – ومعظمهم حديثو عهد بالعمل السياسي – لم يتخطوا بعد صورة الدولة التركية القديمة العالقة في أذهانهم؛ تلك التي تقف أمام الأبواب الأوربية في انتظار الإذن لها بالدخول إلى كيانهم، مبدية انصياعها التام لكل ما يطلب منها، ومستعدة لتنفيذ كافة التعليمات والأوامر التي تتلقاها في طاعة عمياء، لهدف وحيد ألا وهو القبول بها كعنصر فاعل ضمن المنظومة الأوربية.

تركيا وتحويل بوصلة اهتماماتها

إنه المبرر المنطقي الوحيد الذي يعد السبب وراء استمرار تعالي الأوربيين في تعاملاتهم مع تركيا الحديثة، التي تغيرت أولوياتها تماما، وحولت اتجاه بُوصلتها في اتجاهات العالم الرحبة الذي تعيش فيه، والتي هي جزء أصيل منه، سواء في آسيا وأفريقيا أو الشرق الأوسط ودول العالم الاسلامي، ذلك التوجه الذي منحها مكانة متميزة، وأضاف لقوتها قوة جديدة، ووضعها في موضع الريادة وحملها مسؤولية الدفاع عن قضايا المهمشين، والمظلومين، الذين يعانون أشد المعاناة تحت وطأة عنصرية ما يعرف بالعالم المتقدم.

تلك التغييرات حولت حلم تركيا بالانضمام إلى المنظومة الأوربية إلى مجرد رغبة تتحقق من خلالها مصالح سياسية وأمنية واقتصادية لطرفيها معا، يتم الاتفاق بشأنها عبر طاولة مفاوضات، ما يتطلب من طرفيها التعاطي بمنطقية وواقعية خدمة لتحقيق تلك المصالح المشتركة والأهداف المنتظرة، وإلا فإن تلك المفاوضات يمكن أن تنتهي في أية لحظة.

ترحيل عناصر داعش ومأزق أوروبا

وفي إطار تصاعد حدة الخلافات بين تركيا والاتحاد الأوربي، ومحاولة كل طرف إثبات قوته وقدرته على إدارة الصراع لصالحه، ردت تركيا بكل حزم وسرعة على تلك العقوبات الأوربية الجديدة، ببدء عمليات ترحيل فعلي لعناصر تنظيم داعش من أراضيها إلى دولهم الأوربية، التي رفضت استلامهم بل وقامت بسحب الجنسية منهم، إذ أعلن وزير الداخلية التركي أن تركيا “ليست فندقا لعناصر داعش من مواطني الدول الأخرى” مؤكدا أن بلاده عازمة على إخراجهم من أراضيها سواء أسقطت هذه الدول الجنسية عنهم أم لا.

وهو الأمر الذي وضع الأوربيين في مأزق يصعب تجاوزه أو التنصل من مسؤوليتهم تجاهه بسهولة، فتركيا وفق ما هو معلن لديها في سجونها 1150 عنصرا من عناصر تنظيم داعش، ينتمون إلى عدد من الدول الأوربية، إلى جانب عدد آخر تتحفظ عليه حاليا القوات التركية في الشمال السوري، أولئك الذين كانوا بعهدة العناصر الكردية المسلحة، وتركوهم خلفهم عندما رحلوا.

وخوفا من قيام تركيا بإطلاق سراحهم، وقيامهم بإعمال تخريبية داخل دولهم، أعلنت كل من ألمانيا وهولندا عن الاستعداد لاستلام مواطني كل منهما من تلك العناصر وأزواجهم وأطفالهم، ومحاكمة من تثبت إدانته بارتكاب جرائم خلال فترة انضمامه لداعش.

فرنسا ومحاولة الصيد في الماء العكر

أما فرنسا التي تسعى بكل جهدها لإيجاد موطئ قدم فاعل لها في الملف السوري، وتناصب تركيا العداء وتقود حربا إعلامية شرسة ضدها بسبب ذلك، فقد نفت على لسان وزيرة دفاعها أن يكون لديها أية معلومات عن العناصر الإرهابية التي تنوي تركيا ترحيلها إلى فرنسا، مشيرة إلى عدم وجود اتفاقية مع تركيا تقضي بتسليم هذه العناصر إلى فرنسا.

ليخرج الإعلام الفرنسي مكذبا مسؤولة بلاده، ومؤكدا حقيقة وجود أكثر من 11 عنصرا من عناصر داعش يحملون الجنسية الفرنسية، وأن تركيا تستعد بالفعل لإعادتهم إلى فرنسا، لتعود الوزيرة الفرنسية وتبدي استعداد بلادها لبدء حوار ” وثيق ” مع تركيا، رابطة بين بحث الأوضاع في شمال شرقي سوريا، وبين جهود مكافحة تنظيم داعش، معتبرة أن عناصره يشكلون مسألة أمنية بالغة الأهمية لبلادها ولتركيا معا!

ورغم محاولة الوزيرة الفرنسية الاستفادة من تلك القضية، عبر تلويحها بأهميتها لتركيا كما للدول الأوروبية، وسعيها لتحقيق أية مكاسب لبلدها في الملف السوري، إلا أن حقيقة الامر أن تركيا أصبحت تمثل الجانب الأقوى والأكثر قدرة حاليا على إدارة دفة الصراع من أوربا وتحويله باتجاه مصالحها، بما يحقق لها أكبر قدر ممكن من المكاسب خلال المرحلة الراهنة، التي تجد فيها أوربا نفسها مضطرة هذه المرة للانصياع لكافة توجهات السياسة التركية، وتلبية مطالبها، رعبا من إطلاق سراح عناصر تنظيم داعش الإرهابي تارة، وخوفا من تنفيذ تركيا لتهديدها بفتح حدودها أمام تدفق اللاجئين إلى أراضي الاتحاد الأوربي تارة أخرى.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان