مع القرضاوي (12) كيف يختار الشيخ موضوعاته؟

كتب الله القبول لكتب العلامة القرضاوي، ونالت استحسان كثير من جماهير الأمة وذلك لأنها في معظمها كانت تلبية لحاجة الأمة، سواء في موضوعاته الفقهية أو الفكرية، وجاءت لتسد حاجة مهمة سواء على مستوى عامة المسلمين، أو على مستوى المختصين، ولذا كان مهما أن نعرف كيف يختار القرضاوي الموضوعات التي يكتب فيها؟
ومن خلال دراسة مؤلفاته، نستطيع أن نقسم الموضوعات حسب المستفيد منها، فمنها ما يختاره القرضاوي بنفسه لسد حاجة عند الأمة، أو بطلب من جهات معنية بالبحث العلمي، لمعالجة موضوع يهم المختصين، أو عموم المسلمين. فقد تكلفه جهة بالكتابة في موضوع يحدد له، كما حدث في كتابه: (الحلال والحرام في الإسلام) الذي كان بناء على أسئلة أرسلها المسلمون في أمريكا للأزهر، فكُلِّف من الدكتور محمد البهي المراقب العام للثقافة الإسلامية بالأزهر، بكتابة موضوع: ما يهم المسلم في الحلال والحرام.
وقد يطلب منه الكتابة في موضوع معين مشاركة في ندوة من الندوات، أو مؤتمر من المؤتمرات العلمية، أو نحو ذلك. فيكتب الشيخ استجابة لهذه الدعوة، ويكون من وراء ذلك كتاب ينشر. ولذلك أمثلة من عدد من كتبه، كانت في الأصل بحوثا أعدت لمؤتمرات وندوات.
مثل كتابه: (شريعة الإسلام صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان) كان في الأصل بحثا شارك به في (ندوة التشريع الإسلامي) في ليبيا سنة 1972م، التي عقدت في مدينة البيضاء، تحت رعاية كلية الدراسات الإسلامية والعربية، وهي جزء من الجامعة الليبية في ذلك الوقت، والتي أعلن فيها الشيخ محمد أبو زهرة رأيه في الرجم أنه ليس حدا، ويرفضه، وذكر القرضاوي تفاصيل ذلك في مذكراته.
ومثل كتبه: (ثقافة الداعية) و(عوامل السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية) و(الثقافة العربية الإسلامية بين الأصالة والمعاصرة) و(دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي) فكلها بحوث كتبت لمؤتمرات.
وكذلك كتابه (كيف نتعامل مع السنة النبوية؟) فقد كتبه استجابة لطلب القائمين على المعهد العالمي للفكر الإسلامي في واشنطن، وكذلك لطلب مجمع بحوث الحضارة الإسلامية في عَمَّان، وذلك ليرد السهام التي وجهت للشيخ محمد الغزالي حول كتابه: (السنة النبوية بين أهل الفقه والحديث) فاجتمعت كلمة تلامذة الغزالي: أن أفضل من يرد هذه القضايا إلى أصول الفهم الصحيح للسنة، هو: القرضاوي، فكان كتابه: (كيف نتعامل مع السنة).
وكذلك كتابه: (رعاية البيئة في شريعة الإسلام) فقد كان في الأصل بحثا طلب من الشيخ للمؤتمر الأول للمحافظة على البيئة من منظور إسلامي، الذي أقيم في جدة بالمملكة العربية السعودية، بدعوة من الملك عبد الله بن عبد العزيز ملك السعودية، وقد كان آنذاك وليا للعهد، ثم وسعه الشيخ فأصبح كتابا كاملا في الموضوع، حينما شعر بأنه أمسى أمرا يشغل الناس في المشارق والمغارب، ويهدد العالم بأخطار ماحقة، ولا بد من بيان موقف الإسلام من هذا الأمر، من منطلقه الخاص، ووفق أصوله وأدلته المحكمة.
وهناك كتب يشعر القرضاوي بأن المكتبة الإسلامية المعاصرة تشكو فراغا فيها، أو ما كان فيها من كتابات لا يلبي حاجة العصر. وهذا هو الذي جعله يكتب مبكرا عن: (الإيمان والحياة)، وذلك بعد نكبة 1967م، فقد شعر بأن أزماتنا التي نعانيها، من هزائم علمية وعسكرية وأخلاقية، سبب كبير منها يعود لأزمة الإيمان والضمير في الأمة، فكتب عدة مقالات تحت عنوان: العقيدة والحياة في عدد من المجلات المصرية والسورية واللبنانية في الموضوع، وعند جمع المقالات في كتاب، غير عنوانها إلى: الإيمان والحياة.
وهو كذلك ما دفع الشيخ إلى كتابة (فقه الزكاة) وقد كان من المفترض أن يقدمه رسالة للدكتوراه في كلية أصول الدين. والذي جعله يختاره لرسالته: إيمانه بحاجة المكتبة الإسلامية إلى ملء هذا الفراغ الهائل، حيث إنه لا يوجد موضوع يتناول بالتعميق والتأصيل والتحليل هذا الركن العظيم من أركان الإسلام، حتى شكا من ذلك بعض الاقتصاديين المسلمين المعروفين. كما رأى الكثيرين يفهمون الزكاة فهما مغلوطا مقلوبا، على غير حقيقتها، ويحسبون أنها مجرد إحسان فردي، لا يسهم في حل مشكلة الفقر، وغيرها من مشاكل المجتمع، وقد ذكر أسماء بعضهم: كأحمد بهاء الدين، وخالد محمد خالد.
وكثير من كتب الشيخ يندرج في هذا النوع، وهو: أنه يسد ثغرة في جانب، يرى أن لديه ما يقوله فيه وفق منهجه الوسطي، وذلك مثل: (ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده) و(الفتوى بين الانضباط والتسيب) و(ثقافتنا بين الانفتاح والانغلاق) ومن هذا: (وجود الله) و(حقيقة التوحيد) و(الإيمان بالقدر) و(العبادة في الإسلام) و(مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام).
وبعض الكتب كتبها لتدرس في بعض مقررات الجامعة، مثل كتبه: (الخصائص العامة للإسلام) و(المدخل لمعرفة الإسلام) و(المدخل لدراسة السنة النبوية) و(مدخل لدراسة الشريعة) و(الاجتهاد في الشريعة الإسلامية) والتي كانت تقرر على طلبة كلية الشريعة في جامعة قطر.
وهناك كتب كتبها القرضاوي ليدلي بدلوه في تصحيح المفاهيم، وتصويب الأغلاط أو المغالطات، وترشيد المسيرة الإسلامية. وهذا ما دعاه إلى كتابة سلسلة (حتمية الحل الإسلامي). وعندما ظهرت بوادر الصحوة الإسلامية في أوائل السبعينيات، وبدأت تنمو وتكبر وتتسع في المشرق والمغرب، مشوبة ببعض الأخطاء أو الانحرافات، التي قد تشوه وجهها، أو تعوق سيرها، كان لا بد من الكتابة في (ترشيد الصحوة)، وظهر في ذلك عدة كتب للقرضاوي مثل: الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، والصحوة وهموم الوطن العربي والإسلامي، والصحوة بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم، ومن أجل صحوة راشدة تجدد الدين وتنهض بالدنيا، وأولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة، وأين الخلل؟ وفي فقه الأولويات.. إلخ.
وهناك موضوعات كانت في أصلها دروسا ومحاضرات للقرضاوي، فتحولت لكتب، لكنه صاغها بعد ذلك بصيغة الكتابة المؤصلة لا المشافهة، وذلك مثل: شرحه للأصول العشرين للشيخ حسن البنا، فقد بدأ فيها محاضرات في الأردن سنة 1966م، ثم ألقاها دروسا منتظمة في قطر للإخوان، سجلت على أشرطة الكاسيت منذ سنين. ثم أصدرها في عدة كتب، لم تكتمل إلى الآن، ولكن ما تبقى منها كتبه في ملفات، مكتوبة بخط يده وبخطوط زملاء له قدامى رحمهم الله، لم تر النور حتى الآن.
وهناك موضوعات فرضها عليه واجب الوفاء للمكتوب عنهم، سواء كانوا أمواتا، كما فعل ذلك في السنوات الأخيرة في وداع الرجال الكبار الذين رحلوا عن عالمنا، أمثال: الأستاذ “عبد الحليم أبو شقة” صاحب كتاب (تحرير المرأة في عصر الرسالة) والشيخ ابن باز، والشيخ على الطنطاوي، والشيخ مصطفى الزرقا، والشيخ جاد الحق، والشيخ “أبو الحسن الندوي” والأستاذ عادل حسين، والدكتور محمد قطب. رحمهم الله، وجمعها في كتابه: (في وداع الأعلام).
كما كتب عمن كانوا أحياء، مثل: الشيخ محمد الغزالي، الذي كتب عنه في حياته كتابه (الشيخ الغزالي كما عرفته) خلال نصف القرن من الزمان، فقد رأى أن الناس في بلادنا ولا سيما بين الإسلاميين، لا يكتبون عن عظماء الرجال إلا بعد وفاتهم. وهذا ليس سليما، فمن حق هؤلاء الكبار أن يعرف الناس أقدارهم وهم أحياء، ليقتدوا بهم، ويقتبسوا منهم. كما كتب عن الشيخ “أبو الحسن الندوي” في حياته، ثم أتم الكتاب بعد وفاته وعنوانه: (أبو الحسن الندوي كما عرفته).
وهناك كتب لها طابع (الردود) على مواقف وأفكار شائعة أو كتب لأشخاص معروفين، مثل كتابه: (الإسلام والعلمانية وجها لوجه) في الرد على جماعة العلمانيين عامة، وفي مصر خاصة، وقد عقدت مناظرة تاريخية شهيرة حضرها من الجانب الإسلامي الشيخ محمد الغزالي والقرضاوي، ومن الجانب العلماني الدكتور فؤاد زكريا، وذلك في (دار الحكمة) بالقاهرة، وهي مقر نقابة الأطباء. وكان الصوت الإسلامي أعلى، وحجته أقوى، ثم كتب القرضاوي كتابه ردا مؤصلا على الأفكار التي طرحت في المناظرة، وغيرها.
ومثل ذلك كتابه: (فوائد البنوك هي الربا الحرام) فقد كان ردا على فتوى مفتي مصر الدكتور محمد سيد طنطاوي ثم شيخ الأزهر رحمه الله حول شهادات الاستثمار، والبنوك وفوائدها، رغم الصداقة القديمة بين طنطاوي والقرضاوي، سواء في الإخوان، أو الأزهر، أو العمل في قطر، إلا أنه رد عليه بكتابه، وهو رد علمي يعد نموذجا في أدب الخلاف العلمي.
وهناك كتب يكتبها القرضاوي لتصحيح مفاهيم عن الإسلام، وبخاصة ما يثار حول ثوابت الإسلام، مثل كتابه: الإسلام والغرب.. أسئلة حرجة وأجوبة حاسمة. وعندما حدثت أحداث سبتمبر، وبدأ الإعلام الغربي والعربي يتناول فريضة الجهاد تناولا مسيئا، عكف القرضاوي لسنوات لكتابة كتابه: (فقه الجهاد) في مجلدين كبيرين، أماط اللثام عن حقائق الإسلام في هذه الفريضة، ورد الشبهات المثارة حوله، سواء من جهلاء المسلمين، أو من خبثاء الغرب.
هذا عرض موجز لكيفية اختيار القرضاوي لموضوعات كتبه، وهو ليس حصرا لها، بل مجرد نماذج توضيحية لموضوعاته واختياره لها، أما الحديث عن خط الشيخ في كتاباته، ونشره كتبه، وعلاقته بالناشرين فله حديث آخر في مقالنا القادم إن شاء الله.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
