خيارات القسوة .. وسياسات القهر!

“ولعلمه بعدم امتلاكهما ما يكفي لدفع ثمن التذكرة والغرامة؛ فتح باب القطار، وخيرهما بين الدفع، أوتقديم بطاقتي تحقيق شخصيتيهما لتحرير محضر بالواقعة، أو النزول من القطار”.
.. هذه فقرة من بيان النائب العام بشأن الجريمة الشنيعة التي ارتكبها مجدي إبراهيم رئيس قطار السكة الحديد رقم 934 المتجه من الإسكندرية إلى القاهرة، والمحبوس حالياً، والذي تشير إليه الفقرة السابقة.
ونتج عن خيارات القسوة غير المعهودة بمثل هذا المستوى من اللإنسانية مصرع البائع المتجول محمد عيد، وإصابة رفيقه في الشقاء أحمد سمير، عند محطة (دفرة) القديمة المهجورة المعتمة في طنطا، والشابان هما من يتحدث عن مأساتيهما بيان النائب العام.
ثلاثة خيارات، أحلاهما مر، عرضها فرعون القطار على اثنين من الرعايا العبيد من الركاب الذين يُولدون ويموتون، هم وغيرهم، من أجل أن يحيا الفرعون – كل فرعون – ليبني مجده في دولته على جثث شعبه، ففي داخل كل صاحب سلطة في مصر بلد الفراعين القدامى، فرعوناً لم ينقطع دابره مع أفول تاريخ الفراعنة، زالت دولهم وبقيت صفاتهم.
الفرعونية موجودة في كل بلد، حتى وإن اختلفت في الاسم والوصف، من إمبراطور، إلى ملك، وسلطان، وأمير، ورئيس أيضاً، وبقدر النضال في مواجهة منظومة الاستعلاء على البشر بقدر الخلاص من كل أشكال الطغيان دون شرعية أو سند إلهي أو قانوني، فالسماء هي العدالة المطلقة، ويستحيل أن تُنِصب فرعوناً متجبراً مستكبراً على الناس، والقانون لا يصنع الطاغية، إنما الطاغية يُوجد أولاً، ثم يصنع هو قانونه، ويشيد مملكته على الرعب والخوف.
عندما قال الفليسوف الفرنسي، بغض النظر عن اسمه – فولتير، أم جان ميسليير – “اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر رجل دين”، كان هذا القول الساحر خلاصة تاريخ طويل من الفرعونية على النمط الأوربي، وعندما تخلصت دول وممالك أوربا تباعاً من هذا الإرث المظلم الثقيل الذي أبقاها في مستنقعات التخلف والعدم قروناً فإنها – ومن اعتمد بعدها نفس النهج – أعادت للإنسان حريته وكرامته، وحافظت على حياته، وحمت حقوقه، وارتقت هي إلى سماوات التحرر والاستنارة والحضارة.
صحيح أن البلدان الحرة بالمقابل تطالب مواطنيها بأداء واجباتهم مهما كانت، لكنها أولاً تجعلهم في حالة رضا واكتفاء، فلا تحرمهم من أساسيات الحياة، ولا تتركهم في مهب ريح الفقر والحاجة والقفز من قطار لآخر، أو من باص لآخر، أو من شارع إلى شارع، أو من بيت إلى بيت، لبيع منتجات بسيطة رخيصة لتحصيل بعض المكاسب البسيطة للعيش في حياة آدمية رخيصة المستوى والجودة، حياة على هامش الحياة فاقدة للكرامة مثلما كان يعمل ويحيا الشهيد محمد عيد والجريح أحمد سمير، ومع هذا رأينا هذا الشهيد مبتسماً مقبلاً على الحياة محباً للناس في شارعه الفقير مثله.
لم يفعل سائق القطار أكثر مما قيل له من رئيسه الأعلى، ووزيره المنتشي بهيلمانه، ومن يعلوهم في المسؤولية والقرار، هم يطبقون الشدة وسياسات القسوة، المواطن عليه أن يدفع وإلا فلا حق له في الحصول على الخدمة، والاستفادة بمفردات العيش الكريم، هذه سياسة العهد الجديد، سياسة عليا يصيغها فرد وفق رؤيته وشخصيته وحدود ثقافته، سياسة ليست نابعة من عقد اجتماعي تَوَافق عليه مجموع المواطنين أصحاب الوطن والمصلحة فيه، أو هي سياسة لا تعبر عن أغلبية الشعب بموافقته عليها خلال استحقاق انتخابي حر، وفي الجهة الأخرى يتوفر للرافضين لهذه السياسة حق المعارضة لإسقاطها واستبدالها بسياسة بديلة أكثر اجتماعية وإنسانية من وجهة نظرهم.
نحن رهائن العقلية الشخصية للحاكم، وليس العقلية السياسية الناتجة عن نشأة وتربية وعمل عام وحزبي وسط الناس في الشوارع والأحياء والقرى والنجوع والمدن، فهذه الأماكن هي المختبرات الطبيعية الوحيدة لصنع الأفكار، ووضع السياسات الشعبية، وبناء عقول وقيم وتراث الساسة والحزبيين ونشطاء المجال العام المفترض أنهم قادة الحكم والمعارضة.
الحكم المدني الديمقراطي في البلدان التي تنعم به يكتب برامجه، ويضع خططه، ويستلهم سياساته من الناس، ولا يجعل ذلك حصراً على عقول أفراد مهما كانت قدراتهم، إنما دور هذه العقول هو تجهيز وضبط وصياغة الأفكار والأجندات وفق الدساتير والقوانين القائمة التي قد تخضع للتعديل بهدف إقرار سياسات جديدة أكثر شعبية واجتماعية، ذلك أن راحة المواطن وسعادته هي غاية الحكم الناجح، وهذا الرضا يعلو على القوانين والبرامج والحكام.
ثورة يناير كان هدفها الوصول إلى هذا المستوى من التفكير والتخطيط والتنافس في ساحات السياسة والحكم ليجد محمد ورفيقه، وكل محمد، في طوابير المعاناة الطويلة، مستوى محترماً من العيش الكريم الذي يجعله يشعر بوجوده وقيمته وآدميته، ليكون عن حق هو المواطن السيد في الوطن السيد، لكن الحلم انتكس.
رئيس القطار مُدان، فقد صنعوا منه إنساناً بلا إنسانية، وجسداً من صخر بلا قلب لا يتدفق منه الدم، إنما العنف والشدة، فقد خير الشابين الفقيرين بين أشياء ثلاثة ليست في مقدورهم، لا مال معهم، ولديهم خوف مقيم من الشرطة والوقوع في يديها، فكانت المجازفة بالقفز من القطار على أمل النجاة، كان خيارهم الثالث هو طرق باب الموت لينفجر المجتمع لحظياً غضباً وحزناً عليهما، ثم سريعاً سينسى الناس قصتيهما لأن قصص الحزن والألم والفجيعة من هذا النوع باتت كثيرة في الغابة التي يعيشون فيها، وهي غابة حقيقية دون مبالغة، فاليوم من ليس معه المال، أو النفوذ يجد نفسه في التهلكة، لم تعد هناك رحمة من السلطة تجاه مواطنيها، وبالتالي لم يعد المواطنون يرحمون بعضهم بعضاً، الأزمات مثل كرة القدم اُلقيت في ملعب الناس فيتقاذفونها ويشتبكون مع بعضهم بعضاً، والسلطة متفرج من بعيد.
السائق مجرد منفذ صغير مُطيع للأوامر العليا حتى يحافظ على نفسه وبيته، وكل شخص في يديه سلطة، ولو محدودة، يفعل ذلك، فالسقوط تحت عجلات قطار الحياة، أو الاتهامات المعلبة التي يمكن أن يتعرض لها، قد تكلفه الكثير، كما حصل مع المسكين محمد عيد الذي تم إعدامه بحبل السياسات الفاقدة للحنان والمعادية للبعد الاجتماعي والإنساني والتي أحالت الحياة إلى مفرمة، وهو مالم يكن معتاداً في مصر المعروف عنها طبيعة الحياة السمحة البسيطة.
هذه السياسات هي حكم الأمر الواقع، وهي تنتمي إلى عالم الثكنات، فلم تصدر عن مناقشة، ولم تنشأ عن حوار، فهي وليدة أوامر واجبة التنفيذ، لا مكان للقلب والرأفة والرحمة فيها، ففي الحروب إما قاتل فائز بالمعركة، وإما مهزوم خاسر إذا جرى الانشغال بالتفكير والنقاش، هكذا تحولت الحياة المدنية إلى ثكنة، أو مركز تدريب، أو ساحة معركة بحدود الوطن.
وهذا هو الفارق بين حكم سياسي متمرس بخبرات مكتسبة من الاحتكاك اليومي بالجمهور وتفاعله معه وحواره الدائم مع الكتل والمكونات السياسية والفكرية، وتبادل مقاعد الحكم، وتنفيذ كل حزب برامجه وأيدلوجياته عندما يصل للسلطة فتظهر نجاعتها أو عوارها فيعمل على تطويرها أو تعديلها، وبين حكم قادم من قشلاق إلى الحياة المدنية، فلم يحتك بالناس، ولم يعرف عنهم شيئاً، لم يأكل من طعامهم، ولم يشرب شرابهم، ولم يسكن مساكنهم، هو معزول عنهم، صحيح أنه يوجد بينهم، ويعيش وسطهم، لكنه في الحقيقة لم يؤسس أفكاره ومواقفه ورؤاه وأجندته وخطته وحياته العامة الجديدة استلهاماً منهم، ومن مكون سياسي وأيدلوجي ينتمي إليه، أو يميل له.
السقوط في فخ الحكم الفردي الفرعوني هو خروج من حرية الحياة إلى ضيق السمع والطاعة بالقوة الجبرية، ولهذا تجد الضحايا بلا حصر أو نهاية من عينة بائعي القطار المظلومين.
والصعود مع حكم منتخب في بلد ديمقراطي حر هو ارتفاع إلى الحياة الرحبة والتمتع فيها بحرية النقاش والحصول على كافة الحقوق بكرامة، والعيش في ظلال الإنسانية والآدمية.
ولهذا فإن أكثر إخفاقات الساسة في إدارة البلدان أشد رحمة من أن يتصدى لهذه المهمة الثقيلة أمهر الجنرالات.
وكما بدأنا بفقرة من بيان النيابة العامة نختم بالفقرة الأخيرة فيه وهي تنتقد بكلمات من تحرير سياسة القسوة والقهر الرسمية حيث تقول:” وتهيب النيابة العامة بالقائمين على الوزارات الخدمية والمرافق العامة بتوعية موظفيها والعاملين بها وترسيخ إيمانهم بمقاصد الوظيفة العامة؛ وغايتها تحقيق المصلحة العامة؛ وأن أولى أولويات تلك المصلحة هي الحفاظ على حياة الإنسان وصون كرامته”.
نعم، الحفاظ على حياة الإنسان، وصون كرامته، وليس إهدار الحياة، وسحق الكرامة، والقهر، وكسر النفس، ومسخ الشخصية.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
