دراما التغيير من مصر إلى بوليفيا خلال 6 سنوات

 

إيفو موراليس أحدث الوجوه التي اُضطرت لمغادرة الرئاسة في بوليفيا مؤخراً، لتكون هناك ست سنوات وأربعة أشهر فاصلة بينه وبين مغادرة الرئيس المصري الراحل محمد مرسي للرئاسة.

 وإذا كان خروج موراليس بالاستقالة القسرية في (10من نوفمبر/تشرين الثاني 2019)، فإن خروج مرسي كان بالعزل القسري يوم (3 من يوليو/تموز 2013)، فلم يقدم استقالته، ولم يغادر طوعاً، إنما ظل حتى الساعة الأخيرة من حياته يؤكد شرعيته الرئاسية.

9 تجارب من التغيير في الحكم

وبين الاثنين – موراليس، ومرسي – شهد العالم تجارب من التغيير في الحكم، وتشمل كلها عالم الجنوب بشقيه؛ النامي الذي يبني ديمقراطية ناشئة، والمتخلف الذي يعيش في جلباب الاستبداد الثقيل، أما عالم الشمال فقد استقرت فيه الديمقراطية والتداول السلمي الحضاري للسلطة.

ونرصد ونحلل هنا هذه التجارب التي تبدأ بمصر، وتقف عند الحالة الراهنة في بوليفيا، وبينهما تبرز نماذج: تونس، وتركيا، والبرازيل، وزيمبابوي، وفنزويلا، والجزائر، والسودان، ومن سياق التطورات فإن عام (2019) يأتي تالياً بعد (2011) في الدراما السياسية والانتفاضات الجماهيرية، والإطاحة بالحكام سواء كانوا مستبدين، أو جاءوا بانتخابات جرى التشكيك في نزاهتها ونتائجها.

وضمن التجارب المشار إليها، حصل تغيير إيجابي، وليس سلبياً، ساهم في تعزيز الديمقراطية، وتمكين السلطة المدنية، وإبعاد شبح الانقلاب على النظام الدستوري، كما تم في تونس (2013)، وتركيا (2016)، أما في فنزويلا (2019) ورغم فشل  محاولتي الانقلاب السياسي والعسكري على نظام الرئيس نيكولاس مادورو فإن الإيجابيات محدودة، وتعظيمها مرهون بمدى تفهم النظام للوضع غير المستقر للبلاد، والنتائج يجب أن تدفعه باتجاه التغيير الطوعي للتصحيح وإنقاذ نفسه والبلد والشعب والأيدلوجيا اليسارية التي تشهد تراجعاً في الحكم بدول أمريكا اللاتينية بعد مد واتساع خلال السنوات الماضية.

العام (2019) يشهد أيضاً وحتى لحظة كتابة هذا المقال انتفاضتين شعبيتين مثيرتين في كل من العراق ولبنان، وإذا كانتا قد خلخلتا النظام الطائفي المذهبي في البلدين، وأربكتا الطبقة السياسية المتنفذة والتي تدير البلد بطريقة المحاصصة السياسية، والفساد الفاحش عنوان رئيسي فيهما، وأحد أهم عوامل تفجير غضب شعبي غير مسبوق، فإن النتائج الأخيرة في أمل التغيير الجذري لم تُحسم بعد، وهو تغيير صعب لأنه يستهدف البنية المؤسِسة للنظام السياسي المعقد الذي يقوم على توازنات السياسية والدين والطائفة والمصلحة والبعد الخارجي، وإذا نجح الحراك في البلدين في إحداث تغيير استراتيجي في تركيبة وطبيعة ونهج النظام السياسي فإنه سيكون حدثاُ تاريخياً.

الثورات والانقلابات من إفريقيا إلى آسيا

إذاً، وعلى المستوى القاري، تحتل أفريقيا العدد الأكبر من عمليات التغيير؛ في مصر، وتونس (2013)، وزيمبابوي (2017)، ثم الجزائر، والسودان هذا العام، والتغيير المقصود هنا هو الذي يتم عبر وسائل عنيفة مثل الثورات، والانقلابات العسكرية، وليس عبر التداول السلمي للسلطة من خلال انتخابات جادة.

وفي آسيا، تبرز تركيا التي جاءت محاولة التغيير العنيفة فيها عبر انقلاب عسكري فاشل (15/16 من يوليو/تموز 2016) في صالح تدعيم مسارها الدستوري الديمقراطي، وتثبيت أركان مدنية الدولة، وقطع الطريق على استئناف الممارسات الانقلابية الروتينية في هذا البلد الذي لم يتعرف على مصادر قوته وسر تقدمه إلا من خلال تراكم الأداء الديمقراطي والانتخابي، والاحتكام للإرادة الشعبية، وليس لإرادة جنرالات مغامرين يقوضون أية فرص للتقدم والازدهار السياسي والاقتصادي.

 وفي هذه القارة تجري حالياً وقائع عملية تغيير تحت ضغط شعبي في العراق ولبنان، وفي كل الظروف فإن البلدين لن يعودا في الأوضاع السياسية ونمط الحكم كما كانا قبل الحراك الذي قلب الموازين فيهما.

ويمكن اعتبار إيران في حالة اقتراب من حزام التغيير أو الضغط على النظام لتصحيح سياساته وسلوكياته بالانتفاضة الشعبية الجديدة التي يواجهها بقوة مفرطة احتجاجاً على رفع أسعار البنزين والقمع السياسي والفساد وتدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين وتردي حالة الاقتصاد.

أزمات الحكم في أمريكا اللاتينية

وبعيداً عن منطقتنا العربية الواقعة بين أفريقيا وآسيا، وهي الأكثر استبداداً في العالم، تشهد بلدان أمريكا اللاتينية تحولات ديمقراطية، وتداول سلطة فعال، ورغم هذا تظهر أزمات حكم وتدخلات خارجية تعصف بالأنظمة المنتخبة في بعض دولها.

 حدث ذلك في البرازيل (2016)، وهذا العام (2019) نشأت صراعات في فنزويلا فشلت حتى الآن في إسقاط الرئيس مادورو الذي تشكك المعارضة في شرعية انتخابه، كما فشلت المعارضة عسكرياً في إطاحته بدعم أمريكي صريح، لكن النجاح كان حليف المعارضة في بوليفيا حيث دفعت الرئيس موراليس للاستقالة بعد احتجاجات عنيفة على خلفية انتخابه للمرة الرابعة، والتشكيك في نزاهة الانتخابات، وأمريكا حاضرة في أزمة هذا البلد، حيث تعمل إدارة ترامب على إزاحة ما تبقى من حكومات يسارية في أمريكا اللاتينية، وقد تخلصت من الرئيس اليساري في بوليفيا، وفشلت في فنزويلا، وتتربص بالنظام في نيكاراجوا الذي يواجه معارضة داخلية متزايدة.

التغيير الذي جرى في البرازيل قبل ثلاثة أعوام كان أقرب لانقلاب سياسي، وليس عسكرياً صريحاً ولا متخفياً، فقد التزم الجيش الحياد واحترم قواعد اللعبة الديمقراطية، وترك المعارضة تنسق مع فريق حزبي من التحالف الحاكم لعزل الرئيسة المنتخبة ديلما روسيف وفق مبررات دستورية وقانونية، وكان للمعارضة ما أرادت، وإذا كانت هناك ميزة لهذا التغيير فإنه حافظ على الاستقرار، وتم استيعاب وامتصاص التوترات اللحظية لطرد حزب العمال اليساري من الحكم، وسارت الديمقراطية في طريقها، وجاءت بالرئيس اليميني غايير بولسونارو في يناير/كانون الثاني (2019).

الجيوش .. ودورها في الإطاحة بالحكام

السؤال هنا يتبلور حول المحرك المهم للتغيير في هذه التجارب؟ والإجابة هي الجيوش، فالمؤسسات العسكرية في عالم الجنوب، وفي البلدان القريبة جغرافياً من عالم الشمال الديمقراطي، لها دور مؤثر في بناء ديمقراطية وتمتين أركانها، أو تعريضها للاهتزاز، أو إزالتها وتكريس الاستبداد العسكري أو المدني.

هناك محركات تغيير عديدة ترتبط بمدى وعي الشعوب ومؤسسات الدولة بأهمية الحكم الديمقراطي، ونضج النخب والطبقات السياسية ومدى قدرتها على حل تناقضاتها بشكل توافقي من دون العصف بالفكرة الديمقراطية، والتدخلات الخارجية وحدودها، وغيرها من الأسباب، لكن تظل الجيوش عامل متقدم في التغيير كما حصل في مصر، وبوليفيا، وزيمبابوي، فعندما تخلى الجيش عن الرئيس المنتخب مرسي، وموراليس، أو الرئيس الديكتاتور روبرت موجابي، فإنه سقط، والأمر نفسه حدث في الجزائر(2 من أبريل/نيسان 2019)، والسودان (11 من أبريل/نيسان 2019)، حيث خرج على التوالي بوتفليقة، والبشير، وعندما لم يتخل الجيش عن مادورو في فنزويلا فإنه لا يزال يحكم.

ونجاح الثورة التونسية (14 من يناير/كانون الثاني 2011) ارتبط في جانب منه بتخلي الجيش وقوى الأمن عن الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، كما حصل في ثورة يناير بمصر مع مبارك (11 من فبراير/شباط 2011)، وانقسام الجيش في اليمن زعزع مكانة علي عبدالله صالح، وكان الحل لإخراجه من الحكم بشكل كريم هو المبادرة الخليجية (27 من فبراير/شباط 2012)، ولم يكن في ليبيا جيش بالمعنى النظامي الحقيقي للجيش ليكون لديه الحسم في إسقاط القذافي (20 من أكتوبر/تشرين الأول 2011)، إنما كانت هناك كتائب مرتبطة بشخصه وبأولاده ومرتزقة أفارقة يقاتلون من أجل المال، ولهذا كان سقوطه عبر استخدام قوة خارجية، وتشكيل كتائب مقاتلة من الليبيين ذات ولاءات قبلية ومناطقية ودينية، ورغم الانشقاقات لكن كتلة الجيش الصلبة بقيت بجانب الأسد في سوريا إلا أن الأهم في إنقاذه من السقوط هو الدعم الإيراني الشامل، ثم الدعم الروسي العسكري المباشر.

وقوة النظام الإيراني في أن الجيش والحرس الثوري والأجهزة الأمنية هي ذراعه التي تحميه، ولو حصلت خلخلخة في هذه المنظومة لانهار كما حصل مع نظام الشاه قبل 40 عاماً.

الشعب عندما يكون رادعاً للجيش

والشعب في بعض الحالات يكون عاملاً رادعاً بجعل الجيش يفكر كثيراً قبل إزاحة الحاكم، فقد كان للشعب دور مهم في مواجهة الجيش وعدم إتمام هدفه في انتزاع الحكم وإسقاط الحاكم المنتخب كما جرى في تركيا (2016).

ولم يكن الشعب في تونس يقبل بهذا السيناريو رغم أن تيارات سياسية مدنية كانت تدعو لتدخل عسكري على غرار ما جرى بمصر في ( 2013) من عزل الرئيس بغطاء شعبي وسياسي وديني.

 ولم يسحب الجيش في فنزويلا دعمه للرئيس مادورو لوجود كتلة تأييد شعبي له رغم الأزمة الاقتصادية العنيفة، والغلاء والتضخم القياسي، بجانب الامتيازات الكبيرة التي حصل عليها الجنرالات، إضافة إلى سابقة المواجهة الشعبية للانقلاب على الرئيس الراحل تشافيز، وإفشال هذا الانقلاب في (2002).

وتقديري أن عمليات التغيير في البلدان محل هذا النقاش قد تكون استفادت من دروس التجربة المصرية لجهة عدم الاندفاع  في خلع الحاكم سريعاً، والاتجاه إلى ممارسة الضغوط الشعبية والسياسية والحزبية والنقابية والعمالية والاقتصادية لدفعه للاستسلام والاستقالة، ولو مُكرهاً، فقد تخلت حركة النهضة عن رئاسة الحكومة في تونس (2013) بسبب الضغوط السياسية، واستسلمت ديلما روسيف في البرازيل لقرار العزل من مجلس الشيوخ بعد التحالف الحزبي ضدها (31 من أغسطس/آب 2016)، واستقال موغابي في زيمبابوي فور تخلي حزبه وجماعة المحاربين القدماء والجيش عنه (21 من نوفمبر/تشرين الثاني 2017)، كما استقال موراليس في بوليفيا (2019) لسحب الجيش والشرطة دعمه له، وسبقه بوتفليقة والبشير في الجزائر والسودان هذا العام أيضاً لفقدانهما تأييد المؤسسة العسكرية.

رغم هذا، فإن الحراك الشعبي يظل الأساس في رحيل الحاكم، حتى لو استثمرت الجيوش حالة التأزم لتمارس لعبتها كقوة تغيير حاسمة في اللحظات الأخيرة.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان