أنا و”الكمساري” في ألمانيا!

ان كمسارية القطارات في ألمانيا لهم لباس أنيق ويهتمون بمظهرهم، حتي إن أحد أصدقائنا مشهور له بخفة الدم وقع في غرام كمسارية أحد القطارات
ثمة لغط كبير دار حول ضلوع كمساري في قطار مصري، تسبب في مقتل شاب وإصابة آخر عندما فتح لهم باب عربة القطار، وطالبهم بالقفز بسبب عدم حصولهم على تذاكر السفر.. فهل هذا العقاب من واجبات الكمساري؟! ومن الذي منحه إياه؟
الموضوع لاينحصر فقط في الجريمة التي ارتكبها كمساري القطار، إنما يتعداها ليسلط الضوء على ظاهرة العنف في المجتمع المصري في الآونة الأخيرة ومن ثم اختفاء السلام والأمن الداخلي الذي ميز المصريين على مر تاريخهم، فكيف يتعدى الكمساري صلاحياته التي تنحصر فقط في التأكد من وجود تذكرة السفر من عدمه إلى دور الحكم وتنفيذ العقاب الذي وصل إلى حد القتل؟، رغم أن أحد أولويات عمله هو التأكد من سلامة الركاب أثناء الرحلة؟!
في ألمانيا التي اعتدنا ركوب مواصلاتها، لا يمكن بحال أن يتخيل المرء ما حدث في قطار الموت المصري، وإذا ما حدث ولو بالافتراض فإن ذلك سيقود ولا شك إلى ثورة تغيير تشمل كل قيادات “الدويتشه بان” أو مصلحة السكة الحديد الألمانية، وإعادة تأهيل كل كمسارية القطارات في ألمانيا.
كنت شاهدا على حادث في محطة “لايم ” غرب ميونيخ، فعلى رصيف القطار كان هناك مجموعة من مفتشي التذاكر بلباسهم الأزرق المعروف تحيط بشخص ضبط في القطار لايحمل تذكرة سفر، وفي هذه الحالة يأخذ المفتش بياناته ويطالبه بتحويل غرامة قيمتها 60 يورو إلى مصلحة السكة الحديد، لكن الرجل رفض واستمر في عناده، فتم استدعاء الشرطة له، وقبل وصول رجال الشرطة تمادى الرجل في رفضه وقفز على قضبان السكة الحديد، وفي لمح البصر انقسم فريق المفتشين إلى قسمين أحدهما اتجه إلى الناحية الغربية، والآخر إلى الناحية الشرقية لوقف حركة القطارات التي وقفت بالكامل حتي تم إخراج الرجل دون عنف ودون مقاومة جسدية، فالأمر في النهاية في مثل هذه الأمور محسوم، فهناك عقوبة مالية لابد وأن يدفعها المخالف، ولا يشترط أن تكون في الحال ، إنما المهم هو سلامة الراكب في كل الأحوال.
بسبب كثرة أسفاري تعرضت لمواقف مع كمسارية القطارات في ألمانيا وخارج ألمانيا، ففي أحد المرات نسيت حقيبة الظهر الصغيرة التي أضع فيها كل متعلقاتي من اللابتوب والكاميرا ومحفظة النقود والتذكرة، وقفزت إلى داخل القطار المتجه إلى النمسا، وبعد عدة دقائق اكتشفت نسياني للحقيبة ، وعلى الفور بحثت عن الكمساري الموجود في أول عربات القطار، وأخبرته بالقصة فطلب منى الهدوء والانتظار بضع دقائق حتي يقوم باتصالاته مع أمن المحطة، بعدها عاد الي مطمئنا بأن الحقيبة تم العثور عليها، ولم يكتفِ بذلك بل نظم لي رحلة العودة مع القطار العائد، ففي محطة توتسنج القادمة سيتقابل فيها القطاران وقال إنه اتصل بكمسارية القطار الآخر وطلب منها ان تنتظرني وبالفعل في محطة التقابل هرعت إلي القطار الآخر لأجد كمسارية القطار العائد تبتسم وهي تقودني إلى أحد المقاعد مهنئة بالعثور على الحقيبة .
إذن دور الكمساري في الأصل هو سلامة المسافر النفسية والأمنية، ولا يمكن لقطار أن يتحرك من محطة المغادرة الا بعد أن يطمئن الكمساري على أن الجميع صعد ثم يعطي إشارة التحرك الى سائق القطار.
في جمهورية التشيك كنت المسافر الأجنبي الوحيد في عربة القطار التي أنا بها، وعندما حضرت الكمسارية وكانت سيدة فحصت التذكرة وبدأت تتحدث باللغة التشيكية التي لا أفهم منها حرفا، لكنها مصممة على الاستمرار بشكل جاد، لم يكن هناك من يساعد في الترجمة، فذهبت يائسة.. لكن قبل الوصول إلى محطة “بلزن” عادت إلى وقادتني من يدي إلى خارج القطار، وكان ينتظر شخص يتحدث الانجليزية قال إن القطار لن يغادر بلزن إلى براغ بسبب عطل في السكة الحديد ويجب أن اذهب إلى محطة إتوبيس في الانتظار لنقل المسافرين إلى المحطة القادمة وشرح لي الطريق بالضبط.
في كل هذه الحالات لم يهتم الكمساري بفحص تذكرة السفر، فكان هناك ماهو الأهم من التذكرة وهو سلامة وصول الراكب الي جهته، وكنت اشعر أن ذلك نابعا من ثقافة مجتمعية محورها الاحترام بين الراكب والمسؤول الذي يؤدي عمله.
هذه الثقافة للأسف غائبة في الدول التي تغيب فيها العدالة، والدول التي لا يعرف كيف يأخذ المواطن فيها حقة ولا كيف يطبق المسؤول القانون، فهناك ثقافة وليدة في تلك الدول وهي الحصول علي الحق” بالدراع ” فما فعله كمساري القطار المصري هو تطبيق فعال لتلك الثقافة، فالصحيح كان عليه أن يحيل الشابين إلى الشرطة ليس أكثر، لكن خوف الشابين من الوقع في قبضة الشرطة دفعهم الي القفز بكل ما يهدد سلامة حياتهم.
إن كمسارية القطارات في ألمانيا لهم لباس أنيق ويهتمون بمظهرهم، حتي إن أحد أصدقائنا مشهور له بخفة الدم وقع في غرام كمسارية أحد القطارات التي كان يسافر معها بانتظام، واسمينا قصته وقتها بغرام في القطار، فقد كان يعود بالقطار من محطة قطارات ميونيخ إلى بلدته في غرب ميونيخ في وقت محدد ليلا في قطار التاسعة والنصف، وكان عليه أن يشتري تذكرة إضافية بقيمة 3 يورو من آخر محطة تصلح فيها تذكرته للمواصلات الداخلية إلى بلدته، وإذا لم تكن معه فكان يشتريها من القطار بخمسة يورو وكان هذا مدخلا لحب الكمسارية التي كانت تنهي عملها وتعود إلى الجلوس بجواره للحديث لقتل الوقت.
كل تلك القصص مرت بذاكرتي وأنا اقرأ عن حادثة كمساري الموت، التي هي بلا شك تأتى في إطار تغيرات اجتماعية غريبة بدأت وستستمر في المجتمع المصري قبل أن يعود إلى سلامه الداخلي، لكن بعد أن يتخلص من أسباب تلك التغيرات التي طرأت عليه!
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
