مع القرضاوي (14) الشيخ ومشكلة النوم الأزلية!

كتب الشيخ القرضاوي كتابه المعروف: (مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام؟) وكتب عن الحلول التي يقدمها الإسلام لحل مشكلة الفقر، والفقر مشكلة أفراد ومجتمعات وشعوب ودول، ولكن القرضاوي لم يستطع أن يحل أكبر مشكلة تواجهه شخصيا، وتواجه عددا من الناس، وهي مشكلة (النوم).
فالشيخ استطاع أن يتغلب على مناقشيه، واستطاع أن يتغلب على مخالفيه بالعلم والدليل، واستطاع أن يتغلب على الحكام الظلمة بصموده في موقفه، وبقوله كلمة الحق، لكنه المعركة الوحيدة في حياته التي لم يتغلب عليها، هي معركة أو مشكلة (النوم).
شكوى القرضاوي الأزلية؛ قلة النوم، وضياع النوم من عينيه، وبخاصة لو شغلته فكرة، وظلت تعتمل في رأسه، يظل يفكر فيها، وفي أدلتها، وفي صياغتها، سألته مرة: لماذا تشكو من قلة النوم؟ فقال: إنني أقلق لأقل صوت حولي، ولا أستطيع النوم ما دامت هناك فكرة تعتمل في رأسي، عندما أفرغ ما في رأسي من كلام، وأفكار، وأضع ذلك كله على الورق، عندها أستطيع أن أنام.
وهذا ما يفسر صعوبة قراءة خط الشيخ في كثير من الأحيان، لأنه يكون في سباق مع إفراغ ما لديه من أفكار حتى ينام، ويظل يكتب ويسترسل، مما يصعب عليه النوم، وقد أخبرني مرة أن يده تكتب بسرعة تحاول اللحاق بعقله ورأسه، ولذا يكون خطه سريعا وصعب القراءة، رغم أن الشيخ خطه في الأصل جميل، وعلى قواعد الخط، فهو يكتب بخط الرقعة بقواعده، ولكن السرعة التي يكتب بها يجعل خطه سيئا، وأحيانا صعب القراءة.
وقد استطعت بطول المراس والقراءة لخط الشيخ، أن أقرأه جيدا، ونادرا ما تقف كلمة أمامي من خطه وكلامه، وهذا يحدث مع كل من يعمل مع الشيخ حين يمضي فترة معه، فيعتاد على خط الشيخ، الذي يطبع بطابع السرعة في الكتابة، والتي من أهم أسبابها محاولة اللحاق بالنوم.
صحبت الشيخ في بعض الرحلات مرافقا له، ففوجئ بنومي السريع والطويل، أذكر كنا في رحلة إلى مصر على خطوط مصر للطيران، والشيخ في الطائرة ينام مرتين لدقائق، عند صعود الطائرة، وعند هبوطها، ولا أدري لماذا؟
ركبنا الطائرة، وقد ربط الحزام، وأقلعت من مطار الدوحة فنام لبضع دقائق، ثم استيقظ فنمت، فظل ينظر لي، ولم أقم إلا عندما جاءت المضيفة بالطعام، فصرخ في قائلا: ماذا هذا يا عصام، أنت نويم، ما كل هذا النوم؟ ما شاء الله، يا رجل سلفني بعض هذا النوم، أنا أتسول النوم، وأنت ما شاء الله تسترسل فيه استرسالا، كأنك تحمله في جيبك، ثم تخرجه لتضعه على عينيك، إني أغبطك على هذه النعمة.
ثم قال: سمعت الشيخ حسن البنا رحمه الله يقول: إن الله إذا أحب عبدا سخَّر له النوم. وهي نعمة كبرى فعلا لمن أنعم الله عليه بها. ثم بدأ يحكي لي معاناته مع النوم، ونومه الخفيف جدا، فمن يقترب من الشيخ يعلم أن نومه خفيف، وكذلك (العطاس) عنده لا صوت له، خفيفة جدا بلا صوت وبلا رذاذ.
وبعد وصولنا للقاهرة، وكان قد نزل وقتها ليسجل حلقات مع الإعلامية الأستاذة كريمان حمزة شفاها الله عن مذكراته، وكنا في فندق في الجيزة يطل على الأهرامات، وبدأت التسجيل معه، بحضور أستاذنا المرحوم الدكتور جابر قميحة، وقد جلستُ على كرسي خشبي غير مريح، وجلست المرحومة زوجة الشيخ السيدة إسعاد على كرسي آخر، فبدأ الشيخ تسجيل مذكراته، وقد افتتح الحديث، فنمت كعادتي، وكان الجو حارا، ولم أقم إلا وهو يختم أولى الحلقات.
ثم قال لي: أنت جئت لتذكرني بما أنساه من مذكراتي، فإذ بك تنام، قلت له: يا مولانا أحداث حياتك في هذه المرحلة ذاكرتك فيها ما شاء الله حديدية ولا تنسى، ستحتاج إلى تذكرتي فيما يأتي، وليس الآن. فتبسم وقال لكريمان حمزة: شيخه يرجو أن ينام ربع نومه، ثم قال لي: هل تستطيع أن تنام لو كنت مشغولا بفكرة؟ أو ببحث؟ قلت له: يا مولانا، إذا أردت النوم لو هناك حريق سأنام، لماذا أشغل نفسي بهذا الشكل، يا مولانا لا الأفكار هتطير، ولا العلم هيخلص، إنما أعمارنا التي ستنتهي ولن ننهي أعمالنا، فلماذا أحرم بدني ونفسي من النوم، والنوم سلطان، إذا جاء فلا تؤجل نوم اليوم إلى الغد.
من طرائف الشيخ في عدم نومه، وقلقه، أنه أتاني بملف كتبه سريعا، وكان خطه في هذه المرة، أصعب من كل المرات التي مرت بي معه في عملي، بل أصعب من كل ما كتب في فترة عملي معه، أمسكت الأوراق وظللت أقلب فيها، وأقرأ، وأعيد القراءة، فأقف أمام الكثير منها، وقلت له: يا مولانا، لم أستطع قراءة معظم الكلمات، فقال: حاول أن تقرأها وتفك طلاسمها، فلو كلفتموني بحمل جبل على ظهري، أخف على من أن أعيد كتابة ما كتبت.
بدأت أحاول قراءة الملف، وكتابته على الكمبيوتر، وبعد أن انتهيت من كتابته، وراجعت الشيخ في بعض الكلمات، وقد كان الملف فصلا في كتابه: (فقه الطهارة) وكان الفصل عن: آداب الخلاء، فقلت له ممازحا: يا مولانا أرجوك لا تكتب مرة أخرى أي ملفات كملف آداب الخلاء.
فحكى لي قصة كتابة الملف، فقال: إنني أنام، وأحيانا أقلق فأقوم من نومي على فكرة طرأت علي، ويكون بجانبي أهلي وقد ناموا، ولا أحب أن أزعج أحدا، فقد قمت وهم نيام، ولا أستطيع أن أقوم لأذهب إلى غرفة المكتب، فهذا متعب لي، فقمت وقد أنرت ضوءا خافتا، وأمسكت بالقلم والورق، وظللت أكتب هذا المبحث كاملا من أوله لآخره، مع ضعف الإضاءة (والشيخ نظره ضعيف أيضا)، فخرج الملف كما رأيت. أي أن الشيخ جمع بين قلة النوم، وضعف البصر، قلة الإضاءة، لأنه لن ينام ما دامت الفكرة في رأسه، ولا بد أن ينتهي من كتابتها حتى يتمكن من العودة للنوم مرة أخرى.
أحيانا يختلس الشيخ دقائق قليلة ينامها على كرسي المكتب، كنت أزوره في مكتبه، فأدخل لأسلم، فأجده قد غفا قليلا، دقائق وأعود لأجده قد استيقظ. تلك مشكلة الشيخ مع النوم، وأعتقد أنها مشكلة كثيرين من المشغولين بالفكر والحياة، بل وغير المشغولين، عافانا الله وإياكم منها.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
