الشهادة في فتنة برنامج “الشهادة”

 

“كل يُؤخذ من كلامه ويُرد إلا صاحب هذا القبر”، هذه المقولة المأثورة عن الإمام مالك – رحمه الله – تخبرنا أن من حق الجميع أن يتكلم ويبدي رأيه في مختلف الأمور ما عدا الأمور التى لا خلاف عليها، ومن حقنا أن نؤيد كلامه أو نرفضه ولكن بصورة محترمة، ولا نجعل من أنفسنا حكاما عليه طالما لا نمتلك معرفة أو دليل على كذب حديثه أو كنا شهداء على ما يتحدث فيه.

هذه المقدمة كان لابد منها لمدخل حديثنا عن حلقات برنامج ” الشهادة ” الذي يذيعه موقع الجزيرة مباشر ولاقى، أصداء واسعة ما بين مؤيد للشهادات ورافض لها بحجة أنها نبش في القبور.

المهنية في الشهادة

ولأن الشيء بالشيء يُذكر فإن العرب قديما قالوا ” تُسَائِلُ عَنْ حُصَيْنٍ كُلَّ رَكْبٍ وَعِنْدَ جُهَيْنَةَ الخَبَرُ اليَقِينُ.. فَمَنْ يَكُ سَائِلًا عَنْهُ فَعِنْدِي لِسَائِلِهِ الحَدِيثُ المُسْتَبِينُ ” ، وبما أن الكاتب الصحفى سليم عزوز من جهينة فقد حاول أن يأتي لنا بالخبر اليقين وسواء وصلت رسالته إلينا أم لم تصل للبعض فإن فكرة حلقات برنامج ” الشهادة ” على المستوي المهني والصحفي فكرة جيدة وحققت الهدف منها فى المهنية ومحاورة أشخاص كانوا بالقرب من الرئيس الدكتور محمد مرسي – رحمه الله – أو كانوا بالقرب من دوائر صنع القرار أو تولوا مناصب وملفات مهمة فى تلك الحقبة الزمنية من عمر الوطن، وللأسف كانت وما زالت توابعها مستمرة وقد تستمر لسنوات، حدث فيها ما حدث ومازال يحدث من أمور غيرت كثيرا فى تاريخ وحياة المصريين، ومن ثورة 25 يناير العظيمة التى لم تكتمل لـ”ثورة” 30 يونيو المزعومة وما تلاها من تداعيات .

فقد انهالت الشتائم والسباب والاتهامات على مقدم البرنامج وعلى كل من أدلى بشهادته، ووصل الأمر إلى حد اتهامهم بالعمالة والخيانة ، وقد نال د.سيف عبد الفتاح أستاذ العلوم السياسية والمستشار السياسي للرئيس محمد مرسي أشد الاتهامات والتجريحات الشخصية فى محاولة قتل معنوي للرجل، وهو الذي رفض الانقلاب منذ اللحظة الأولى وتم طرده من التدريس بالجامعة وترك البلاد هروباً من التنكيل به أو اعتقاله، وأصبح يعيش حياته في المنفى الاضطراري مثل الكثيرين، ولكن عندما أدلى بشهادته عما جرى فى مصر خلال عام حكم الرئيس محمد مرسي فى هذا البرنامج، وشهادته تحتمل الخطأ وتحتمل الصواب، ومن لديه شئ مختلف يتفضل به، ولكن بدلا من أن يكون هناك رد موضوعي يفند هذه الشهادة ويرد على الوقائع التي ذكرها، جاء الرد من الكتائب الإلكترونية طعنا فيه وفي تاريخه وشهادته، وكذلك طعنا في المحاور نفسه رغم أن دوره مهني بحت ولا يملي الشهادة على الضيوف، بل هم من يدلون بشهادتهم بحريتهم وباختيارهم، ولم يقم بإجبارهم ” قوة واقتدارا ” فهم شخصيات لها وضعها وحيثياتها ومكانتها العلمية والأدبية ، ولم نجد ردا من أية قيادة، رغم أن هناك شهوداً وقيادات أحياء وموجودين فى تركيا وبعض الدول، فلا هم قتلى ولا من المعتقلين ، والحجة أن هذا ليس وقته، ولا يحددون لنا متى يأتي وقته!

الشهادة ملك للشعب

 هذه حجة على التنظيم وليس على الشعب الذي انتخب رئيسه وتصور أن هناك جماعة كبيرة تستطيع بخبرتها وما تمتلكه من كوادر وخبرات أن تواجه الثورة المضادة، كما أن صاحب الشرعية قد استشهد فى سجنه وماتت معه شهادته، ومن فى المعتقلات بعضهم خرج منها إلى القبور، وبعضهم لا يعلم إلا الله متى سيخرج، وبهذا عادت الشرعية إلى الشعب وليس لتنظيم أو تيار معين، وأصبح تاريخ الرئيس ملكا للشعب وللأمة وليس لتنظيم معين.

ولكن لأن البعض يري في تكميم الأفواه هدفا انهالت التعليقات والأراء فى عملية ترهيب معنوي للمحاور كأنه جاء بفرية أو كذب، رغم أنه لم يفعل شيئا سوى استغلال موهبته الصحفية وصنعته الماهرة لتنفيذ فكرة مهنية من الدرجة الأولى من خلال عدة حوارات استقصائية، واستطاع في تلك الشهادات أن يلقي بحجر في المياه الراكدة لعل وعسى أن نفهم لماذا فشلت التجربة الديمقراطية الأولى التي تصدت لها قيادة جماعة الإخوان وألقت بنفسها في اليم وهم لا يحسنون السباحة فلا هم وقفوا مع الرئيس أثناء فترة حكمه ولا هم حموا جماعتهم من القتل والاعتقالات، بل إنهم في فترة حكم الدكتور مرسي كانوا عالة على الرجل.

لا عزاء للجان

الشهادة لله أن برنامج “الشهادة” برنامج مهني من الدرجة الأولى وأي صحفي يحب المهنة ويريد أن يصنع شيئا لنفسه ولوطنه لابد أن يأخذ مثل هذا البرنامج قدوة له في العمل الصحفي المهني الاستقصائي من خلال سلسلة حوارات تشهد على فترة في حكم مصر، قد تختلف أو تتفق مع الكاتب الصحفي سليم عزوز، إلا أنك، بعيدا عن الغيرة المهنية، لابد وأن تعترف أن البرنامج والفكرة في منتهى الاحترافية والصنعة والمهنية التي تتمنى لو قمت بعمل كبير مثلها.

وعلى اللجان الإلكترونية والقائمين عليها أن يفهموا ويفكروا جيدا ولا يدفنوا رؤسهم فى الرمال مثل النعام بدلا من أن يكونوا مجرد فرق للهجوم وتكميم الأفواه والاغتيالات المعنوية بحجج واهية.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان