زيارة أردوغان لتونس طلبا للشراكة أم ضمانا للحياد؟

رغم أن الزيارة المفاجئة والخاطفة التي قام بها الرئيس أردوغان مؤخرا كانت لتونس إلا أن العلاقات الثنائية بين البلدين بملفاتها السياسية والاقتصادية غابت تماما عن تلك المباحثات، التي تركزت في المقام الأول حول تداعيات الوضع في ليبيا، وآليات العمل لحث الاطراف المتصارعة على التخلي عن السلاح، والجلوس إلى طاولة المفاوضات لإيجاد حل سياسي للازمة، وكيفية مواجهة محاولات تغيير المعادلة على الأرض لصالح اللواء المتمرد خليفة حفتر ومجموعة المرتزقة التي تحارب إلى جواره، والتي تضم عناصر من روسيا والسودان وتشاد وغيرهم من الدول، وهو الأمر الذي يعيق حتى الآن تحديد موعد نهائي لعقد مؤتمر برلين الذي ترعاه الأمم المتحدة.
زيارة اردوغان لتونس، وعدم الإعلان عن توقيتها من قبل، وطبيعة الوفد المرافق له خلالها، أثار حالة من القلق والتوجس لدى الأطراف الاقليمية الداعمة لخليفة حفتر خصوصا وأن تلك الزيارة جاءت في أعقاب عمليات نقل واسعة لإعداد من الجنود السودانيين إلى ليبيا، وقيام مصر بنقل وحدات جوية وبرية إلى بنغازي دعما للقوات التي تحارب إلى جوار اللواء المتقاعد خليفة حفتر، فيما بدا وكأنها استعدادات مكثفة لمعركة وشيكة يتم التخطط لها بهدف دعم جهود حفتر ومرتزقته للسيطرة على العاصمة طرابلس ومدينة مصراته.
الي جانب تزامنها مع تصريحات لرئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج الذي قال فيها ان طرابلس مهتمة بالحصول على دبابات وطائرات مسيرة من تركيا، وأنه ليس لديهم بديل سوى طلب المساعدة العسكرية من تركيا بعد محاولات حفتر اقتحام طرابلس والتهديد بتوجيه ضرباته العسكرية لمصراته.
طبيعة الوفد المشارك الذي ضم وزيري الخارجية والدفاع ومدير الاستخبارات ومدير دائرة الاتصالات، بالاضافة لعدد من كبار القادة العسكريين، أعتبره البعض مؤشرا قويا على احتمالات سعي تركيا لاستحضار المقاربة بين الملف الليبي والملف السوري، وسط تخوفات من وجود اتفاق تركي – روسي بهذا الصدد، تدفع تركيا بمقتضاه باتجاه التحضر عسكريا لذلك.
خصوصا وأن الخارجية الروسية عقدت مؤخرا اجتماعاً ضم خبراء روس وأتراك في موسكو، بهدف التشاور حول ليبيا، في أعقاب تزايد المعلومات التي تؤكد وجود عدد من المرتزقة الروس يبلغ عددهم حوالي الالفين عنصر يقاتلون إلى جانب قوات حفتر. واتفق الجانبان على استمرار التواصل بينهما بشأن ليبيا؛ من أجل المساعدة في التوصل لحل لتلك الأزمة.
ورغم رمزية الوفد المرافق لأردوغان أثناء زيارته لتونس، والتي اعتبرها البعض تحولا في الموقف التركي، لصالح التدخل العسكري عوضا عن الحل السياسي، إلا أن حقيقة الأمر ان الموقف التركي لايزال يري أن حل الازمة الليبية لن يكون عسكريا، وأنه سيكون سياسيا، لكن يبدو أن محاولات إحداث تغيير في المعادلة على الأرض لصالح حفتر، وتحرك الدول الإقليمية الداعمة له عسكريا، والعمل على تأجيل أية جهود تبذل من أجل بدء مباحثات سياسية لإنهاء الازمة الليبية، هو ما دفع تركيا إلى سرعة التحرك، واتخاذ التدابير اللازمة لمنع حدوث ذلك، حماية للشرعية الدولية المتمثلة في حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من جانب الأمم المتحدة، وللتصدي لمحاولات حفتر الذي لا يتمتع بأية شرعية، ومنعه من القفز على سدة الحكم في ليبيا دون وجه حق.
وهو ما يمكن فهمه من تصريحات الرئيس أردوغان التي قال فيها ان بلاده ستتصدى لأية محاولة تستهدف الشرعية في ليبيا، وأنها لن تسمح بتكرار سيناريو قفز الانقلابيين على السلطة كما سبق وأن حدث من قبل، كما أنها لن تقف مكتوفة الأيدي هذه المرة.
تغيير المعادلة على الأرض – إذا حدث – من شأنه أن ينذر بتطورات خطيرة وتغييرات جيوسياسية ستزيد من أمد الحرب الدائرة واتساع نطاقها، إلى جانب اتساع حالة التمزق الجغرافي الذي تعيشه ليبيا حاليا، بما يفتح المجال لمزيد من التدخلات الإقليمية والدولية سواء حماية للمصالح أو بحثا عن مكاسب محتملة، وهو الامر الذي يهدد المصالح التركية والليبية في شرق المتوسط، ويمنعهما معا من الاستفادة من ثروات المنطقة، وهو ما لا يمكن ان تقبل به، أو توافق عليه، أو تسمح به أنقرة.
إلى جانب وقف موجة تمدد المتمردين بقيادة حفتر، ومنعهم من تغيير المعادلة على الأرض يعني فعليا من وجهة النظر التركية، نجاة تونس من الخطر الداهم الذي تتعرض حاليا له بعد أن نجحت في تأسيس نظام ديمقراطي والافلات من محاولات جرها إلى الخلف وإعادتها لمعطيات حقبة الحبيب بورقيبة، مثلما حدث مع دول الربيع العربي الأخرى، وهو ما يضعها رغما عنها في مواجهة مع الأنظمة الديكتاتورية والاستبدادية في المنطقة التي تسعى للسيطرة على مقدرات شعوبها بمساندة قوى دولية.
ومن هذا المنطلق كانت زيارة أردوغان لتونس، ليس فقط بصفتها جارة ملاصقة لليبيا يعنيها ما يدور على الأراضي الليبية من أحداث وما يحاك من مؤامرات، ستنعكس عليها إن عاجلا أم آجلا بصورة مباشرة، ولكن أيضا لكونها مستهدفة من القوي التي تعمل على إعادة شعوب المنطقة لعصور الظلام.
ورغم عدم إفصاح الرئيس قيس سعيد عن فحوى ما تم مناقشته أثناء الزيارة، إلا أن مجرد استقباله لنظيره التركي في هذا التوقيت تحديدا، مع عدم الإعلان عن موعد الزيارة قبل إجرائها بوقت كاف، اعتبره البعض إعلانا رسميا من جانب تونس بانضمامها للمحور التركي – القطري في الازمة الليبية حتى وإن لم تصرح بذلك صراحة، خصوصا وان الرئيس التونسي قام خلال الأسابيع الماضية باستقبال رئيس حكومة الوفاق الوطني، وممثلين عن مجلس زعماء القبائل الليبية وعدد آخر من المسئولين الليبيين، إلى جانب دعمه للاجتماع الموسع الذي عقده أردوغان خلال زيارته لتونس مع رؤساء العشائر الليبية، ولم يتم الإفصاح عن فحواه.
وسواء كانت زيارة أردوغان لتونس بهدف طلب استخدام مجالها الجوي، أو إنشاء قاعدة جوية وموانئ بحرية لتقديم الدعم العسكري واللوجيستي لحكومة الوفاق الوطني في معركتها المقبلة ضد قوات حفتر والدول الداعمة له، كما توقعت بعض وسائل الاعلام، وسواء وافقت تونس على ذلك أو رفضته، فإن مجرد الاطمئنان إلى أن موقفها المناوئ للتحرك أو التعاون مع الدول الإقليمية الداعمة لحفتر، ورفضها دعم خططه الانقلابية على الحكومة الشرعية، فإن ذلك في حد ذاته يعد نجاحا باهرا للزيارة في هذه المرحلة من الصراع الإقليمي الدائر في ليبيا على وجه التحديد.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
