قطر تهزم خصومها السياسيين في ملاعب الكرة!

فرحت وسائل الإعلام المصرية وهللت بسلوك اللاعب محمد صلاح نجم ليفربول الإنجليزي، عندما التحف بالعلم المصري وطاف به ملعب استاد خليفة الدولي بالعاصمة القطرية الدوحة، احتفالا بفوز فريقه الإنجليزي ببطولة كأس العالم للأندية لكرة القدم التي استضافتها قطرا أخيرا، فقد رأى الإعلام المصري – التابع بأكمله للنظام ويدار بمعرفة جهاز المخابرات – أن ما فعله صلاح برفع علم مصر في قلب قطر وهي الدولة التي تتخذها مصر عدوا، هو انتصار عظيم لا يقل مكانة عن نصر أكتوبر، ورأت أنه نصر يحسب للقيادة السياسية الحالية التي تعرف كيف تدير معاركها مع خصومها وأعدائها، باعتبار أنها قيادة قادرة على كيد خصومها في ملعبهم ووسط جمهورهم!
والحقيقة أن الإعلام المصري هزم النظام من حيث أراد أن ينتصر له، لأن ما فعله صلاح في ستاد خليفة بالالتحاف بالعلم المصري وطواف الملعب به تحت سمع وبصر أجهزة الأمن القطرية وأمام ألاف الجماهير القطرية، دون أن يعترضه أو يلومه أحد على تصرف يعلم صلاح أنه سياسي بالدرجة الأولى، الهدف منه مغازلة السلطة والإعلام ودغدغة مشاعر الجماهير، هو سلوك في غير محله وتصرف لا موقع له من الإعراب، خاصة وأن صلاح في هذه البطولة لم يكن ممثلا لمصر وإنما يمثل ناديه الإنجليزي، ولو أنه يتصرف من منطلق عاطفة وطنية وحب لبلده، فلماذا لم يقدم على فعل مثله ويرفع العلم المصري عاليا خفاقا في البطولات الأخرى التي يشارك فيها مع ليفربول، سيما وأن منها ما هو أكبر من بطولة العالم للأندية التي أقيمت بقطر، دوري أبطال أوربا على سبيل المثال، لماذا نزل عليه وحي الوطنية في قطر بالتحديد؟!
ترى ماذا لو عكسنا الآية وحدث الأمر بإستاد القاهرة وقام لاعب قطري برفع علم بلاده والطواف به حول الملعب، ماذا كان سيفعل الأمن معه، وماذا سيكون رد فعل الإعلام تجاهه؟!
تصرف صلاح أمر يحسب للدولة القطرية لا عليها، وكان الأولى بالإعلام المصري أن يشعر بالخزي والعار من التصرف لا أن يفتخر به، لأنه إن دل على شيء فهو يدل على ترفع الدولة القطرية عن صغائر الأمور وسفاسفها وعدم انزلاقها للمعارك النسائية التي يريد أن يجره إليها النظام المصري الحالي، صحيح ما يفعله النظام المصري وإعلامه في حق قطر هي أفعال تصل لحد الجرائم الأخلاقية التي لا يجوز معها العفو أو التسامح، لكن قطر تفضل التغافل والترفع وغض الطرف، باعتبار أن ما يفعله النظام والإعلام في مصر مجرد سلوك صبياني لا يمت للسياسة بصلة، وسكوت قطر عليه لا من منطلق ضعف أو استكانة، وإنما من منطلق قوة وترفع، فقطر تملك من الإمكانات والأدوات ما يجعلها قادرة على رد الإساءة الصاع صاعين، لكنها تربأ بنفسها أن تقع في هذا المستنقع، فهي تتعامل بقيمتها وقدرها ومكانتها الدولية والإقليمية، لا بقيمة أحمد موسى وتوفيق عكاشة!
تنتصر قطر بترفعها عن الصغائر والتوافه من الأفعال، ففي أقل من شهر استطاعت أن تهزم خصومها السياسيين مرتين، المرتان كانتا في ملاعب الكرة، فقبل واقعة صلاح وموقفها منها، كانت قد حققت نصرا أخلاقيا أكبر عندما ترفعت عن معاملة المنتخب الإماراتي بنفس المعاملة التي عومل بها المنتخب القطري بالإمارات في يناير/كانون الثاني الماضي، وقت المشاركة في بطولة كأس آسيا التي حصلت قطر على لقبها، فقد لاقى المنتخب القطري هناك أسوأ معاملة، تمثل ذلك في قيام الجماهير الإماراتية بالهتاف والصفير أثناء عزف السلام الوطني القطري للتشويش عليه وإهانته، وبرفع الأحذية في وجوه لاعبي المنتخب القطري قبل بدء مباراتهم مع المنتخب الإماراتي بالدور نصف النهائي، ووضح من التصرفات في الحالتين أنها تمت بناء على تحريض من القيادة السياسية بالدولة التي تحمل حقدا معلوما للجميع تجاه كل ما هو قطري، وليس من دليل على ذلك أكبر من أن المسئولين الإماراتيين صمتوا عليها، فلم يخرج مسئول واحد، كبيرا أو صغيرا ليعتذر عنها أو يشير إلى أنها تصرفات فردية تعبر عن أصحابها، إنما تركوها تفهم على محملها. وكان المتوقع والطبيعي أن ترد جماهير قطر الاعتبار لبلدها ومنتخبها، بأن تفعل مع المنتخب الإماراتي مثل ما فعله جمهور الإمارات مع منتخبها، لكنها لم تفعل، فقد تلقت الجماهير القطرية نداءات من كبار المسئولين بالترفع عن مثل هذه الأفعال، ومعاملة الضيف الإماراتي بأخلاق أبناء قطر لا بأخلاق غيرهم، فجاء المنتخب الإماراتي ولعب مبارياته وغادر البلاد، دون أن يحدث في حقه تجاوز واحد يمكن أن يحسب على قطر.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
