لهذه الأسباب أعلنوا الحرب على الاتفاق التركي الليبي!

توقيع اتفاقية التعاون بين حكومة الوفاق الوطني الليبية وتركيا، جاء بمثابة صدمة لكثير من الأطراف الفاعلة على الساحة الليبية، ورغم أن الاتفاق الجديد في مجمله جاء على شكل مذكرتي تفاهم، الأولى حول التعاون الأمني والعسكري بين البلدين، وهو ما يمكن اعتباره بمثابة ملاحق إضافية، لتوسيع نطاق عمل الاتفاقية الأصلية السابق توقيعها بين الجانبين، التي أقرها كل من البرلمان التركي والليبي عام 2013، فإن الإشكالية الحقيقية تمثلت في المذكرة الثانية التي جاءت لتحديد السيادة على المناطق البحرية بهدف حماية الحقوق البحرية للبلدين في إطار القانون الدولي، الأمر الذي دعا عديد الأطراف الإقليمية لقيادة حملة شرسة للتشكيك في قانونية ودستورية المذكرتين معا.

قانونية الاتفاق وشرعية حكومة الوفاق

 المشككون تجاهلوا عمدا المصالح التي تخدم كلا من تركيا وليبيا، تلك المصالح التي تحققت من خلال التوقيع على هاتين المذكرتين، فحكومة الوفاق ارتأت أنها بحاجة إلى دعم إقليمي أمني، يمنحها القدرة على الصمود والاستمرار في أداء دورها ممثلا شرعيا للشعب الليبي في مواجهة الأطماع السياسية والاعتداءات العسكرية لخليفة حفتر، في حين أن أنقرة كانت تبحث عن وسيلة تمنحها ورق ضغط قوية لمواجهة محاولات عزلها وحرمانها من الحصول على حصتها من ثروات شرقي المتوسط، حيث تلاقت مصالح الدولتين فكان التوقيع على مذكرتي التفاهم.

الجدل الدائر بشأن قانونية ودستورية المذكرتين، يُرد عليه بالتذكير بأن من قام بالتوقيع عليهما ومن قبلهما الاتفاقية الثنائية، هو حكومة الوفاق الوطني، تلك الحكومة الشرعية المعترف بها من جانب الأمم المتحدة ممثلا وحيدا للشعب الليبي، ومن هذه النقطة تحديدا تستمد الاتفاقية وملحقاتها قوتها وشرعيتها الدستورية والقانونية.

تبادل المعلومات ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة

الاتفاقية الجديدة تضع الأسس القانونية والأطر الشرعية لعمليات التدريب والتأهيل وتبادل الخبرات التي سيقوم بها الجيش التركي لعناصر ومكونات الجيش الليبي على اختلاف مراكزهم ومناصبهم العسكرية، الأمر الذي من شأنه تعزيز العلاقات العسكرية بين الجانبين، خصوصا وأن مذكرة التفاهم الأمنية تغطي جميع الجوانب المرتبطة بقطاع الأمن عموما سواء منه ما يخص مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، أو ما يرتبط بتبادل المعلومات الأمنية، والهجرة غير الشرعية، وهو أمر تحتاجه بشدة حكومة الوفاق الوطني التي تواجه حربا شرسة من جانب قوات خليفة حفتر، في محاولة لفرض سيطرتها على العاصمة طرابلس، وإلحاق الهزيمة بقوات حكومة الوفاق، الامر الذي تسبب في حدوث خلل في توازن القوى بين الحكومة الشرعية وقوات حفتر المدعومة من جانب عدد من القوى الإقليمية والدولية.

المذكرة الأمنية ومأزق شرعية حفتر

وترتكز أهمية هذه المذكرة بالنسبة للجانب الليبي تحديدا على كونها تمثل إطارا عاما لتعاون أمني كامل مع تركيا، على النسق نفسه للتعاون الأمني بين طرابلس وواشنطن في مجالي مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، الأمر الذي يمنحها قوة أمنية لمواجهة المؤامرات التي تحاك ضدها من ناحية، وتأكيد شرعيتها ممثلا وحيدا للشعب الليبي، معترفا به دوليا، ما يمنحه الحق قانونيا في عقد المباحثات الثنائية والتوقيع على الاتفاقيات من الناحية الأخرى، وهو ما يضع حفتر في مأزق خطير، يتمثل في مدى شرعية ما يقوم به من غارات حربية ومعارك عسكرية ضد الحكومة الشرعية، الأمر الذي ربما يعرضه لاحقا للملاحقة الدولية باعتباره مجرم حرب.

الإعلان عن فحوى المذكرة الأمنية، وما حملته من جوانب تعاون بين الجيشين التركي والليبي، أثار حالة من الغضب بين عدد من الدول الإقليمية، خصوصا تلك التي تساند حفتر وتسعى لتسليمه سدة الحكم في ليبيا، إذ اتهمت أنقرة بالتدخل عسكريا في الشأن الليبي، والانحياز لصالح طرف ضد طرف آخر في شأن داخلي يخص الليبيين أنفسهم.

 الغريب في ذلك الطرح أن الاتفاقية لم تنص على أن تركيا ستقوم بإرسال قوات عسكرية إلى ليبيا، كما أن مسألة قيامها بتسليح قوات حكومة الوفاق الوطني أمر معروف ومعترف به من جانب تركيا نفسها منذ فترة، ولم يتم إنكاره ولا التنصل منه. بينما نشرت وكالة أنباء فرانس برس جزءا من تقرير أعده خبراء للأمم المتحدة، يفيد قيام كل من الامارات العربية المتحدة والأردن بخرق قرار الأمم المتحدة الصادر عام 2011 الخاص بوقف تسليح الأطراف المتنازعة داخل ليبيا بصورة ” منتظمة “، ورغم ذلك لم يدن أحد تصرفهما، أو يتهمهما بالتدخل في الشأن الداخلي لليبيا أو مساندة طرف ضد آخر، كما لم توضح أية دولة منهما الأسباب التي دفعتها لذلك الخرق المتكرر للقرار الأممي.

أنقرة والحل السياسي للأزمة الليبية

ورغم اعتراف انقرة رسميا بتزويد حكومة الوفاق الوطني بالأسلحة، بهدف الحفاظ على توازن القوى بين الأطراف المتنازعة على الأرض، فإنها ما زالت ترى أن حل الازمة الليبية لن يكون عسكريا بأية حال من الاحوال، معربة عن رفضها التام للتدخل الخارجي في الشأن الليبي.

أما مذكرة التفاهم الثانية والخاصة بتحديد مناطق النفوذ البحرية، والتي اعتبرها العديد من المراقبين إطارا عاما لمعاهدة ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، فقد ووجهت بردود فعل إقليمية أكثر شراسة وحدة وعنفا، خصوصا من جانب اليونان وقبرص الجنوبية، اللتين وجدتا أن ما تحويه المذكرة من بنود، يعني فشل مخططاتهما الرامية لعزل وإقصاء انقرة عن ترتيباتهما الخاصة بتقاسم ثروات شرقي المتوسط، إذ سعت الدولتان من خلال تأسيس آليات تعاون ثنائية مع العديد من الدول المعنية بالأمر، أو عبر كيانات اقتصادية إقليمية مثل منتدى غاز شرقي المتوسط، إلى تجاهل الحقوق المشروعة لكل من تركيا وشمال قبرص التركية، وحرمانهما من الاستفادة من ثروات المنطقة، كما أن توقيع تلك المذكرة والذي يأتي بعد اتفاقية مماثلة مع  قبرص التركية، منح أنقرة الآلية التي كانت تسعى إليها لحماية حقوقها المستمدة من القانون الدولي.

ترسيم الحدود البحرية وحقوق تركيا والقبارصة الأتراك

ورغم صعوبة التكهن بوجود احتمال فعلي لزيادة حجم التصعيد الحالي من جانب الدول الرافضة للتعاون الليبي – التركي، بالنظر إلى أن مواجهتهم للأخيرة يعني تلقائيا مواجهة حلف الناتو، الذي تعتبر أنقرة أحد أبرز أعضائه وأكثرهم فاعلية، ناهيك عن المكانة السياسية التي تتمتع بها تركيا على الصعيد الدولي، فإن ذلك لم يمنع البعض من محاولة تأجيج الموقف والدفع به صوب المواجهة المباشرة مهما كان حجم الخسائر وارتفاع وتيرة التوتر في المنطقة خدمة للكيان الصهيوني، لذا أكدت تركيا خلال الاجتماعات الأخيرة للناتو أهمية القيام بتشكيل استراتيجية أمنية مشتركة تدعم فعليا إزالة المخاوف التركية من التهديدات التي تواجهها.

محاولات التشكيك في قانونية الاتفاقية التركية – الليبية، والاعتراف بأنها لا تمثل الحل الأمثل للخلافات القائمة بين دول المنطقة سواء ما يرتبط منها بالأزمة الليبية أو حول مناطق النفوذ البحرية لكل دولة على حدة، لا ينفي كونها مكسبا سياسيا وقانونيا مهما لحكومة الوفاق في مواجهتها لأطماع حفتر من ناحية، ولأنقرة في صراعها مع دول المنطقة حول ثروات شرقي المتوسط على الجانب الآخر، كونها تدعم موقفها التفاوضي قانونيا وسياسيا في حال قررت الدول المعنية بدء مباحثات دبلوماسية لوضع حلول منطقية تمنح الجميع حقوقا متوازنة، وتمنع نشوب حرب لا يعلم مداها إلا الله.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه