وطن يعني سجن!

هل نحن أمام نظام حكم يدير بلدا، أم أمام عصابة من قطاع الطرق، لصوص المستقبل الذين جعلوا في مقدمة أولوياتهم الانتقام من المخالف؟

 

قديمة هي علاقة مصر بالسجون، وتاريخها فيها مشهود ومعلوم، وخلد القرآن الكريم ذلك فلم يذكر السجن ونزلاءه من الجناة أو المظلومين إلا مقرونا بها أو في الحديث عنها.

لكن قصة السجون المصرية في الحقبة الحالية لا تحاكيها قصة، ولا يشابهها الخيال! وربما تنوعت مآسيها بعدد المعتقلين فيها، الذين اتفقت كلمة الجميع على أنهم عشرات الألوف، سوادهم الأعظم من الإسلاميين والرافضين لاستيلاء العساكر على السلطة عن طريق الانقلاب، وبقي القوس مفتوحا ليشمل حتى من وافق على الانقلاب أو دعمه ورحب به ثم اختلف في طريقة إدارة الدولة، والدكتور حازم عبد العظيم نموذج على ذلك.

وكذلك من ظن أنه كشف الفساد، وسعى في حماية موارد البلاد من لصوص السلب المحكم، والنهب المنظم، من داخل مؤسسات الدولة لا سيما السيادية منها، ناسيا أنه بذلك قد كشف أفرادا من العصابة نفسها التي اتخذت قرارا بسجنه، وهو يمارس متطلبات عمله، كرئيس للجهاز المركزي للمحاسبات، وهو المستشار هشام جنينة.

بعيداً عن الدبابة

ومنهم من سعى للمنافسة على الوصول إلى الحكم، لكن بالطريق السلمية بعيدا عن الدبابة والبندقية، معتمدا على تاريخه السابق في قيادة الجيش المصري، وظن أن السبعين عاما التي قضى معظمها في خدمة العسكرية ربما تحصنه وتؤمنه، لكنه سرعان ما انضم إلى الفريق نفسه، سيادة الفريق سامي عنان قائد الأركان!

وحتى تتحقق المساواة بين الفئات والطبقات كلها، اعتقل ممثلا لرؤساء الأحزاب، ونيابة عن المرشحين السابقين للرئاسة د. عبد المنعم أبو الفتوح، ولحق به أحد أكبر أساتذة العلوم السياسية في جامعة القاهرة د. حسن نافعة لأنه تكلم في السياسة! واقتنع بوسوسة الشيطان الذي قال: “اللي عايز يعارض يعارض من داخل مصر”.

أما عن الاعتقال لتصفية الحسابات بأثر رجعي فحدث ولا حرج، فكل من كان له دور بارز، أو موقف ظاهر في ثورة الخامس والعشرين من يناير، هو عدو يستأهل العقوبة التي استمرت ست سنوات، كما حدث مع المستشار محمود الخضيري شيخ القضاة، ونائب رئيس محكمة النقض، ورئيس اللجنة التشريعية في البرلمان، والذي أفرج عنه قبل أيام، ومازال يقضي العقوبة نفسها جاره وابن بلده السفير محمد رفاعة الطهطاوي عميد المعهد الدبلوماسي، وسفير مصر إلى إيران وليبيا، ومستشار شيخ الأزهر، لأنه استقال من كل مناصبه في ميدان التحرير، وانضم للثورة مبكرا، كما اعتبر العساكر شهامة السفير رفاعة ووفاءه للرئيس محمد مرسي ووقوفه إلى جواره حتى لحظة اعتقاله جريمة تذكرهم بنقض الوعد، وخيانة العهد وخسة الطبع.

اعتقال البنات

خسة الطبع التي تجلت في أبشع صورها في اعتقال البنات والنساء بطريقة لم تحدث في أي عهد عهود البطش والاستبداد، وبهذه الأعداد! لاسيما من اعتقلت منهن انتقاما من أبيها أو ذويها، كما حدث مع “علا القرضاوي” كريمة الإمام يوسف القرضاوي التي ولدت في قطر وتحمل جنسيتها، ولا علاقة لها بالشأن السياسي المصري من قريب ولا من بعيد!

والجريمة نفسها مع “عائشة الشاطر” كونها ابنة المهندس خيرت الشاطر نائب المرشد العام للإخوان المسلمين، وهي في حالة صحية حرجة تكلمت عنها كل المنصات العالمية. 

هذه المآسي لا تفارق مخيلتي، لكن الذي نظمها في عقد واحد أمامي، هو آخر ما ترامي إلى مسامعي لجدته وغرابته، بل وتفرده، حيث اعتقلت الشرطة “آية علاء” الصحفية الشابة، بتهمة نشر أخبار كاذبة، ولما حاول زوجها الصحفي “حسن القباني” الدفاع عنها، وكشف ملابسات اعتقالها اعتقلوه هو أيضا، وكتب المحامي “خالد علي” أنه التقى حسن القباني في المحكمة، وطلب منه العناية بطفلتيه الصغيرتين بعد سجن الوالدين، ونشرت بعض المواقع صورة الطفلتين وهما أمام مصلحة السجون في انتظار زيارة الأب، ثم الذهاب إلى سجن النساء لزيارة الأم، في مشهد يندر أن تراه إلا في جمهورية مصر العسكرية.

حدث مع أسرة محمود شعبان

ولا أستبعد أن تتحرك الرحمة في قلب السجان فيعتقل الصغيرتين جمعا لشمل الأسرة! كما فعلوا قبل يومين مع أسرة د. محمود شعبان الأستاذ بجامعة الأزهر، حيث اعتقلوا زوجته وابنه البالغ من العمر ثلاثة عشر عاما!

هل هذه صورة دولة، أم ملامح غابة تسيطر عليها “الديابة” ؟

هل نحن أم نظام حكم يدير بلدا، أم أمام عصابة من قطاع الطرق، لصوص المستقبل الذين جعلوا في مقدمة أولوياتهم الانتقام من المخالف، والتنكيل بكل من يرفض التطبيل؟

أين منظمات حقوق المرأة والطفل مما يحدث في سجون مصر؟

وأين نقابات الصحفيين ورابط الإعلاميين من جريمة اغتيال الحقيقة، واعتقال كل من يحاول إيصالها إلى الناس؟

وطن يعني سجن، ومصر يحكمها سجان، فهل ستطول مدة الغليان، أم أننا على مقربة من انفجار البركان؟

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه