اليأس والانتحار .. الوعي والتغيير

لم يمت إنسان، ثم يعود للحياة مرة أخرى، حتى يخبرنا عن لحظة الموت، وكيف رآها، وهل كان مُرحِباً بهذا الموت، أم مُتشبِثاً بالبقاء على قيد الحياة.
كذلك الانتحار، لم يعد أحد ممن انتحروا وماتوا بالفعل، ليروي لنا لحظة التفريط الحاسمة في نفسه، هل كان راغباً في الموت حتى نهايته، أم اعتراه الندم، وتمنى لو بقي حياً دون إزهاق روحه؟.
الموت، والانتحار، كلاهما نهاية واحدة، وهي مفارقة الدنيا، لكن الاختلاف أن الأول يتم بشكل طبيعي، والثاني يجري بإرادة من اختار هذه النهاية المأساوية لنفسه.
لست مع الانتحار، أو الموت الرحيم، لأن الحياة هبة من الله للإنسان، ولا يجوز نزعها إلا بواسطة الواهب، ولست عموماً مع إيذاء الإنسان لنفسه، أو إيذاء الغير له، أو انتهاك حقوقه، وإهدار كرامته، وإذلاله، وقتل الإنسان هو الفعل الأشنع في الوجود، إلا إذا كان قتلاً بالحق، وهذا الحق قد يلفه الالتباس، وقد يكون باطلاً، وقد يكون مُسيّساً، وقد يكون بقانون فاسد لخدمة متحكم فاسد، أياً كانت صفة وطبيعة هذا المتحكم في الناس، وإخضاع رقابهم وحرياتهم لسلطانه.
مع هذا، فلا يعلم أحد الظروف التي تقود الإنسان للخلاص من حياته، والإنسان بطبيعته عاشق للحياة، لم يُولد بعد من هو كاره لها، وإذا كان المتبقي في عمره ساعات قلائل فإنه يكون على استعداد لبذل الغالي والنفيس حتى يعيش هذه الساعات، ويتمنى لو اشترى ساعات أخرى بكل ما يمتلك من ثروة.
المؤكد أن هناك سبباً، أو أسباباً تغلبت على المنتحر، وجعلته يقرر إنهاء حياته، والذهاب لعالم آخر لا يدرك أحد كنهه تفصيلاً دقيقاً حتى الآن، فالإنسان لا يقتل نفسه على سبيل التسلية، أو التضحية المجانية.
والمؤكد أن دوافع الانتحار تكون ثقيلة على الإنسان، وأنه لم يستطع تحملها، أو أن الوهن استبد به فأصابه اليأس والإحباط والاكتئاب لدرجة حلول رغبة الهروب من المواجهة والمقاومة إلى الخوار والاستسلام للموت اختياراً.
إذا كان كل منتحر لديه سبب رئيسي يدفعه لإعدام نفسه، فإن هناك ملايين غيره في هذا الكون الواسع لديهم نفس المحنة التي يمر بها، ومع هذا لم يتخلصوا من حياتهم، ومنهم من يقاوم حتى يهزم هذا السبب اللعين، وإذا انهارت عزيمة الناس أمام أسباب ضعفها وأزماتها لكان الأصل في الحياة هو الانتحار، والاستثناء هو الإفلات منه وانتظار الموت في وقته المعلوم.
اليأس هو الدافع الأكبر للمنتحر، واليأس معنىً عامٌ، كل منتحر يفسره وفق أزمته، يأس عاطفي، اجتماعي، اقتصادي، سياسي، أخلاقي، نفسي، يأس من الشفاء من مرض ما، فلا انتحار من أجل الانتحار، والشخص الضعيف هو من يستجيب ليأسه ويسقط أسيراً لضعفه ويرضخ لما يمليه عليه، والقوي لا يعبأ باليأس حتى لو كان بحجم جبال الأرض طولاً وعرضاً وارتفاعاً، وإلا ما بقي على الأرض أحد من سكانها.
الانتحار يشمل كل مجتمعات البشر على طول التاريخ، ولا يعرف مجتمعاً غنياً من فقير، ولا يعرف متقدماً من متخلف، ويُقال إن الانتحار في بلدان الرفاهية مثل بلدان إسكندنافيا بسبب الملل من الحياة، أي أن الإنسان عاش كل متع الحياة حتى أصابه الملل منها فيلجأ للخلاص من حياته، ربما هناك أفراد يفعلون ذلك، ولكن ذلك ليس سمة عامة أبدا بدليل أن شعوب هذه البلدان متمسكة بالحياة وتعمل و تجتهد من أجل مزيد من الرفاه.
والفقر لا يجب أن يكون دافعاً للانتحار، لأن نحو ثلثي العالم شعوب فقيرة وبائسة بسبب فساد ومظالم أنظمة حكم غير إنسانية، ونهب الخارج لثرواتها خلال المراحل الاستعمارية، ومواصلة المستعمر القديم للنهب بعد التحرر عبر الأنظمة التابعة التي تشتري بقاءها بالتفريط في مقدرات شعوبها المحرومة التي لا تعيش حياة آدمية.
الحل لمواجهة الفقر والفساد وغياب العدالة والمساواة وتفشي الظلم بكل أنواعه ليس الهروب من مواجهة هذه الكوارث الفتاكة بالذهاب طوعاً للقبر، فهذا لن يقض مضاجع الفاسدين والمستبدين، ولن يغير شيئاً من منظومات الاستغلال والإذلال للناس، إنما بالتكاتف العام لمواجهة تردي أوضاع البلدان والشعوب، بفرض التغيير بإرادة جماعية واعية، بأن يفكر الفقير والمهمش والمنهوب والضعيف والمظلوم وكل صاحب معاناة في حاله ووضعه ويسأل نفسه، لماذا أنا كذلك، ولماذا غيري ليس كذلك؟، نتحدث هنا عن التمييز وفقدان العدالة والمساواة، ولا نتحدث عن الفارق بين الكسل والتواكل، وبين النشاط والتوكل.
المنتحر يأساً من ظروفه الصعبة بسبب الاختلالات المزمنة في المجتمع لأسباب سياسية استبدادية، واقتصادية معيشية، واجتماعية طبقية، وفئوية وظيفيه، لن يغير من هذه المعادلات الشديدة الانحراف شيئاً، بل سيبقيها كما هي، فلن يبكيه غير أهله، كما حصل مع المنتحرين جميعاً، ومهما كان عددهم؛ حيث لم يُحدث رحيلهم المؤلم اختراقاً في طبيعة منظومات الحكم وسياسات الهيمنة على الدول والمجتمعات، ولم تتأثر الأفكار المُؤسِسة لهذه المنظومات القديمة التي تقاوم الإصلاح والعدالة والمساواة، إنما بداية طريق التغيير هو الوعي بالأسباب التي تجعل شخصاً يفكر في الانتحار، أو يستبد به اليأس، أو يسيطر عليه الإحباط، أو يصيبه الاكتئاب، أو يملأه الغضب، أو يدخل دائرة الاحتقان، أو يجد معدته فارغة، وجيبه خاوياً، الوعي بكل ما يجعل الفردَ منقوصاً في آدميته، مُنتهكا في حقوقه، مسلوبا من كرامته، ليفكر في ضرورات التغيير السلمي المتحضر للخلاص من كل متاعب الحياة، وليس من الحياة نفسها.
التغيير في ربيع العرب قبل انكسارته جرى بالاحتجاج الشعبي السلمي المتكاتف الحالم بحياة أفضل، وليس بتزايد نعوش المنتحرين إلى القبور، فالأمل وليس اليأس، وثقافة الحياة وليس ثقافة الموت، هي دوافع الخروج من كهف التخلف إلى نسيم التحرر والتقدم.
الوعي الفردي، والجماعي، أول خطوات التغيير الإيجابي، والتغيير يقضي على كل عوامل ومسببات الاختلال في بنية السياسة والحكم والمجتمع، ويجعل الحياة جاذبة وليست طاردة، مرغوبة غير مكروهة، لا تدفع للإنزواء، أو اليأس، أو الهروب، أو الانتحار.
المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه
