اتفاق أضنة واحتمالات التقارب التركي – السوري

 التحركات العسكرية التركية جاءت بعد ان استنفدت أنقرة كافة السبل الدبلوماسية والسياسية لإنهاء وجود تلك التنظيمات المسلحة في المنطقة

 

 تزايدت وتيرة التحركات التركية على خط الحدود مع سوريا ، والدفع بأكثر من 80 الف عسكري ونقل مئات من المدرعات والآليات ومنصات الصواريخ إلى المناطق القريبة من شمال شرق الأراضي السورية والبدء بفرض حظر على تواجد المدنيين في عدد من تلك المدن الحدودية، في إطار الاستعدادات للعملية العسكرية التى سبق وأن أعلن عنها الرئيس أردوغان بهدف تنظيف المنطقة من التنظيمات المسلحة المصنفة من قبل بلاده كتنظيمات إرهابية تهدد وحدة وسلامة الأراضي السورية والأمن القومي التركي . 

   تقاعس الادارة الامريكية

 
 التحركات العسكرية التركية جاءت بعد أن استنفدت أنقرة كافة السبل الدبلوماسية والسياسية لإنهاء وجود تلك التنظيمات المسلحة في المنطقة، ونفد صبرها من تقاعس الإدارة الامريكية الداعمة لهذه العناصر، وإحجامها عن ترحيلهم تلبية لمطالب تركيا، التى تهدف من وراء ذلك إلى إعادة الهدوء والامان لتلك الأنحاء وجعلها قابلة للحياة مجددا، تمهيدا لتسليمها إلى أهلها من اللاجئين السوريين. 
إصرار الإدارة الامريكية على ضمان أمن عناصر تلك التنظيمات، ووضع ذلك كشرط لانسحاب قواتها من سوريا، وسعيها للابقاء على وجودهم بكامل آلياتهم ومعداتهم العسكرية لأهداف لم تفصح عنها رسميا بعد، وهي الأهداف التى تتمحور – فيما يبدو- حول رغبتها في استخدامهم رأس حربة في مواجهة محتملة بينها وبين إيران، دفع الجانب الروسي لطرح الحديث حول اتفاق أضنة الموقع بين الدولتين السورية والتركية في العام 1998، كحل لتطويق الأزمة التى تؤرق تركيا نتيجة استمرار وجود تلك العناصر المسلحة على حدودها ورفض واشنطن ترحليهم، إذ إن هذا الاتفاق أوكل مهمة التصدي لمثل هذه التنظيمات المسلحة التى تهدد أمن تركيا القومي للدولة السورية.

بنود اتفاق اضنة

اتفاق أضنة الذى تحدث عنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع الرئيس أردوغان خلال زيارة الأخير لموسكو، تم توقيعه في العشرين من شهر أكتوبر/ تشرين الأول عام 1998 برعاية مصرية -إيرانية، في مدينة أضنة التركية على الحدود مع سوريا، تحت اسم ” التعاون في مجال الارهاب “،وذلك لدرء حرب كادت أن تنشب بين الدولتين آنذاك نتيجة إيواء دمشق لعبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني وعناصر منظمته والسماح لهم بإقامة مراكز للتدريب والإيواء داخل الأراضي السورية، وفي البقاع اللبناني الذى كان خاضعا ايضا للقيادة السورية، وهى المناطق التى استخدمها الحزب نقطة انطلاق لتنفيذ عمليات إرهابية في الداخل التركي، ما تسبب في انزعاج شديد للدولة التركية ووصل الأمر إلى تحريك القوات المسلحة بإتجاه الحدود مع سوريا للبدء في شن حرب ضد دمشق، إلا أن تدخل الدبلوماسية المصرية والإيرانية في الأمر أسفر عن تهدئة الوضع، وتم الاتفاق على التعاون بين الجارتين في مجال مكافحة الإرهاب، وإنهاء تواجد حزب العمال الكردستاني وجميع عناصره في المنطقة، وألزمت دمشق نفسها في ذلك الاتفاق بعدة تعهدات، أبرزها وأكثرها أهمية البنود التالية :
1 – حظر جميع أنشطة معسكرات منظمة حزب العمال الكردستاني.
2 – تقديم عناصر حزب العمال الكردستاني في سوريا لمحاكمة عادلة. 
3 – عدم السماح بممارسة أي أنشطة معادية لتركيا على الأراضي السورية. 
4 – اعتبار دمشق حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية وحظر جميع أنشطته والمنظمات التابعة له على أراضيها سواء أكانت عسكرية أم تدريبية أم تجارية.
5 –  عدم السماح بتوريد الأسلحة والمواد اللوجيستية والدعم المالي والترويجي لأنشطة حزب العمال الكردستاني انطلاقا من الأراضي السورية. 
6 – اتخاذ سوريا الإجراءات اللازمة لمنع قادة حزب العمال الكردستاني الإرهابي من الدخول إلى أراضيها أو استخدامها للعبور إلى دولة ثالثة 
واتفق الطرفان على تنفيذ تلك البنود وفق آلية خاصة ترتكز على فتح خط اتصال ساخن بين المسؤولين الأمنيين في البلدين، وتعيين كل دولة منهما ممثلين أمنيين في بعثتيهما الدبلوماسيتين بكل من أنقرة ودمشق، يتم تقديمهما إلى سلطات البلد المضيف من قبل رؤساء تلك البعثات، لمتابعة التنسيق في هذا المجال.  

الأهداف الروسية من إحياء الاتفاقية

 
قيام موسكو بإعادة طرح اتفاق اضنة الذى تم توقيعه منذ 21 عاما، وبعثه للحياة مجددا بعد أن طواه النسيان هدف إلى ضرب عدة عصافير بحجر واحد، فمن ناحية تهدئة المخاوف التركية عبر ضمان إنهاء وجود العناصر الكردية المسلحة التى تعتبرها تهديدا لأمنها القومي، وإلقاء تبعية القيام بتلك المهمة على عاتق النظام السوري نفسه المدعوم من موسكو، وإفشال مخطط واشنطن الهادف لإستخدام تلك العناصر كرأس حربه في مواجهته المحتملة مع حليفتها إيران، وضمان سيطرة الدولة السورية على تلك المناطق عبر إعادة فرض نفوذها وسيادتها عليها مجددا بعد انتزاعها من بين أيادى تنظيمات مسلحة قد يكون لها أطماع سياسية فيها. 
ولذلك كانت التصريحات الروسية في مجملها داعمة بل ومحفزة للجانبين التركي والسوري على العودة للعمل معا وفق تلك الالية التى من شأنها تجنيب المنطقة فتح جبهة جديدة ليست بحاجة إليها ، ولايعرف أحد تداعياتها او المدى الذى يمكن أن تصل إليه، إذ صرح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أن بلاده تعتبر اتفاق أضنة ساري المفعول، وأن الأطراف الموقعه عليه ترى ذلك أيضا، وأن جوهر الاتفاق يتمثل في تبديد المخاوف الأمنية لتركيا، التى أكدت اهتمامها باستعادة دمشق لسيادتها والحفاظ على وحدة أراضيها بشكل كامل، وهو ماينفي وجود أية اطماع لتركيا في أراضي الدولة السورية. 

المكاسب العسكرية والأمنية لتركيا

 
تركيا من جانبها رحبت بالطرح الروسي الذى من شأنه تحقيق مكاسب لها على الصعيدين العسكري والأمني، فهو من ناحية يجنبها الدخول في معركة لها تداعياتها وأعباؤها العسكرية والسياسية والدبلوماسية والاقتصادية، كما أنه يمنحها – وفق نص الاتفاق- الاحتفاظ بحقها الطبيعي في الدفاع عن النفس، وفي مطالبة الدولة السورية بتعويض عادل عن خسائرها في الأرواح والممتلكات إذا فشلت في ملاحقة الإرهابيين على أراضيها، كما يعطيها الحق في ملاحقة الإرهابيين في الداخل السوري بعمق 5 كيلومترات، واتخاذ التدابير الأمنية اللازمة إذا تعرض أمنها القومي للخطر، من دون ضرورة الحصول على إذن أو التفاوض مع أية جهة بشأن ذلك.
الرئيس اردوغان علق على الامر بالقول :” موقفنا هنا لايشبه موقف احد، لدينا 911 كيلومترا من الحدود المشتركة مع سوريا، التى بجانب كونها جارتنا ، فإن لدينا معها تاريخ مشترك، كما تجمعنا قيم ثقافية وروابط اجتماعية، ومايجري على حدودنا مع سوريا وراءه حسابات تتعلق بتركيا وليس بسوريا، ولذلك لسنا بحاجة لدعوة من أحد، فإتفاق أضنة ضمن لنا الحق في التدخل لحماية أمننا القومي”. 

اتصالات تركية – سورية غير مباشرة 

فيما أوضح وزير الخارجية مولود تشاوش أوغلو أن “النظام السوري يدرك جيدا أن تنظيم وحدات حماية الشعب الكردية، التى تعتبرها أنقرة تنظيما إرهابيا متحالفا مع حزب العمال الكردستاني يسعى إلى تقسيم الاراضي السورية، مشيرا إلى أن مساعي التنظيم تلقى رفضا من تركيا وروسيا وإيران والسلطات السورية، وصرح قائلا إن انقرة تٌجري اتصالات غير مباشرة مع الحكومة السورية. 

 

    قنوات دبلوماسية واستخبارية

 

تصريح تشاوش أوغلو بوجود قنوات اتصال مع الحكومة السورية، من دون أن يخوض في تفاصيل آليات ذلك الاتصال وكيفيته، فتح الباب أمام جملة من التوقعات والتكهنات، التى تدور في مجملها حول إمكانية أن يكون ذلك عبر قنوات دبلوماسية واستخباراتية تركية من أجل الأهداف المشتركة التى تجمع بين الدولتين وأولها وأخطرها الحفاظ على أمنهما القومي ووحدة وسلامة أراضيهما. 
فتركيا رغم موقفها الرسمي المعلن والرافض تماما للتعامل مع شخص بشار الاسد رئيسا للدولة السورية، تدرك تماما أهمية ضمان الأمن والاستقرار على حدودها الجنوبية، وتنظيف المنطقة من أي عناصر إرهابية مسلحة تهدد ذلك، لذا يظل خيار التنسيق مع نظام بشار الأسد عبر القنوات الاستخبارية والأمنية برعاية روسية – إيرانية، أحد الأساليب التى يمكن من خلالها تحقيق ذلك الهدف.  

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه


إعلان